الحب يثقل الهواية، والاثنان ينميان الموهبة والرغبة في إفادة الآخرين، ذلك النمط الذي بدأ به الأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة تعليم الهواة من طلبة الجامعة العزف على الجيتار في ورش مجانية داخل أسوار الجامعة، ليتشاركوا الأوقات السعيدة بعيدًا عن الضغط اليومي. قبل نحو ثلاث سنوات، بدأت فكرة ورشة الموسيقى داخل جامعة القاهرة، حينما فوجئ دكتور كرم عباس، الأستاذ بقسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة، بطلابه يعدون له احتفالا في آخر محاضرة لهم معه وأهدوه "جيتار" وطلبوا منه العزف عليه، وحينما عزف سأله عدد منهم عن إمكانية تعليمهم ليوافق الأستاذ الجامعي على الفور، وبدأ في تعليمهم ثم اكتشف أن الكثيرين من طلاب الجامعة يريدون الانضمام لهذا التجمع الصغير فقدّم طلبًا لإدارة الكلية التي وافقت على الفور وتم تنظيم الورشة بشكل رسمي، بعد موافقة إدارة الجامعة، وبالفعل تخرج من الورشة عدد كبير من الطلاب. "محب الفلسفة بشكل عام بيكون قريب من الموسيقى والرياضيات"، كلمات دكتور كرم عباس التي يفسر بها ارتباطه بهواية العزف رغم دراسته للفلسفة وتدريسه لها، ليقول، حسب حديثه ل"الوطن"، إن الثلاث علوم مرتبطين ببعضهم البعض، ونظرًا لطبيعة انشغاله في البحث العلمي ومهام التدريس كانت الفكرة الأهم في الورشة هي أن يتعلم الطلاب بعضهم من بعضهم، حيث يستعين الأستاذ الجامعي بشكل مستمر بالطلاب الذين سبق تدريبهم وهم الذين يقومون بتعليم زملائهم، واستعان كذلك بطلاب ممن يجيدون العزف على آلات أخرى ووافقوا على تعليم زملائهم تحت إشرافه ومتابعته المستمرة، ونُظمت ورشة للرسم أيضًا لكنها لم تستمر مثل الموسيقى نظرًا لتخرج الطلاب الذين كانوا يقومون بتعليم زملائهم. "الورشة ليست للمحترفين، ولا للمستوى المتوسط"، الأمر الذي يؤكد عليه الأستاذ الجامعي وأنها فقط للمستوى المبتدئ، فهو أحب العزف على الجيتار وتعلمه من خلال فيديوهات لأجانب على موقع "يوتيوب" وساعده في ذلك إجادته للغة الإنجليزية، ليعلّم من يليه ما عرفه، بحيث تحي حب الموسيقى والتمتع بها وتساعد على ممارسة الهواية دون مقابل، ونصح الطلاب الذين يريدون بالفعل أن يتعلموا الموسيقى بشكل احترافي أن يذهبوا للأماكن المتخصصة كدار الأوبرا أو أكاديمية الفنون أو غيرها. ميزة الورشة حسب "دكتور كرم"، أنها تقدم الأفكار الفلسفية في شكل موسيقي، فالورشة تركز على تعليم الطلاب الانفتاح والتناغم مع الآخر من خلال العمل الجماعي المتمثل في النغم، وبالتأكيد يساعد هذا على تدعيم قيم التسامح والمحبة، واليد التي تحمل آلة موسيقية لن تمتد بالأذى للغير في يوم من الأيام، بالإضافة إلى أنها تساعد الطلاب الموهوبين على اكتشاف مواهبهم، كذلك يعتبر من مميزات الورشة أنها مؤتمنة أخلاقيًا، ففي النهاية وجود الشباب داخل الجامعة ومع أستاذ جامعي وموظفي رعاية الشباب يجعل الأمر له طابع الجدية والالتزام، وأي طالب أو طالبة لا يلتزم بالسلوك الأخلاقي يتم استبعاده من الورشة فورًا. يُرجع دكتور كرم عباس، الفضل في إقامة هذه الورشة للأستاذ الدكتور شريف شاهين وكيل كلية الآداب لشئون الطلاب، فهو الذي ألح في عقدها خدمة لطلاب الكلية والجامعة، وسوف يشارك فيها عدد من أعضاء هيئة التدريس ممن يريدون تعلم الموسيقى، وبالتأكيد سوف تكون الفكرة جيدة في تقارب جيلين مختلفين إلى حد كبير واشتراكهم في عمل واحد يحبوه جميعا أما معوقات الورشة فهي تتمثل حسب "كرم" في أن كثيرين من الأهالي يرفضون مشاركة الأبناء في الورش، نظرًا لثقافة تحريم الموسيقى أو اعتبارها عملاً ترفيهيًا ويحتاج المجتمع لكثير من الجهد لتغيير هذه الثقافة، كذلك كثير من الطلاب يريدون التعلم ولا يملكون ثمن شراء آلة موسيقية، بالإضافة لعدم توفر أماكن التدريب ففي الأجازة تكون مدرجات التدريس متاحة، لكن في الدراسة يكون الموضوع أصعب بكثير رغم مجهودات إدارة الكلية الملموسة بشدة في هذا الأمر. لكن في النهاية يعمل الجميع على استمرار هذه التجربة الناجحة، موجهًا كل الشكر لإدارة الجامعة والكلية على تبنيها لهذه الفكرة المثمرة أدبيًا وثقافيًا.