فى 20 يونيو الماضى، كان المهندس عاصم عبدالماجد يتحدث فى مؤتمر جماهيرى فى المنيا، حين أطلق تهديدات سافرة بحق معارضى مرسى وحكم تنظيم «الإخوان»، ومن بين ما قاله فى هذا المؤتمر: «إنى أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها». استخدم عبدالماجد عبارة سبق أن قالها الحجاج بن يوسف الثقفى، وقد لاقى هذا الاستخدام استحساناً بالطبع فى نفوس السامعين، ولم لا؟ أليس الحجاج أحد أكبر الفاتحين الإسلاميين؟ أليس هو من مكّن للدولة الإسلامية فى العراق المضطرب؟ أليس هو صاحب الفتوحات الكبرى فى بلاد ما وراء النهر ووسط آسيا؟ أليس هو من حافظ على الخلافة الأموية فى أحلك الظروف والأوقات؟ لكن عبدالماجد لم يقطف رؤوساً، وربما أن ما أينع حقيقة لم يكن سوى رأسه هو نفسه. بسبب تغيرات سياسية حادة ومفاجئة، اضطر عبدالماجد إلى الهرب من مصر إلى قطر. وهناك اختبأ الرجل عن الأنظار تماماً، متناسياً أقواله عن الرؤوس التى أينعت، وقتلاه الذين فى الجنة، وقتلانا الذين فى النار، وتحذيراته لأقباط مصر بألا «يضحوا بأبنائهم». لقد ضُبط الرجل يتناول الإفطار فى أحد فنادق الدوحة الفاخرة، وتم تصويره على الفور، ونُشرت صوره على مواقع التواصل الاجتماعى، ما اضطره إلى الظهور على «الجزيرة»، بعدما بات أمره مكشوفاً. كيف برر عبدالماجد هروبه إلى قطر إذن؟ كيف أقنع أتباعه ومواليه بهذا الموقف الانهزامى التخاذلى بعد مواقفه الغضنفرية السابقة؟ لم يكن الأمر صعباً، لقد قال: «هاجرت من مصر إلى قطر، كما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة». سيظل الأمر سهلاً على هذا النحو. لن يُغلب عبدالماجد وأمثاله أبداً. قتل عبدالماجد عشرات الجنود المصريين فى أسيوط فى مطلع الثمانينات، لأنه كان يستند إلى تأويلات «جهادية» تأمر بحمل السلاح ضد «الطاغوت». لكنه عاد و«آمن بالديمقراطية»، وشكل حزباً، ونافس فى الانتخابات، لأنه كان يستند إلى تأويلات تسوغ له ذلك. فى شهر فبراير 2013، نشرت مقالاً فى «المصرى اليوم» الغراء بعنوان «انتخابات رئاسية مبكرة.. أو الكارثة». أردت من هذا المقال القول إن «مرسى أظهر عدم قدرة على فهم اعتبارات منصبه أو تولى أعبائه، وأن عليه الرحيل فوراً، والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وإلا فإن عناده سيأخذ البلاد إلى كارثة». اتصل بى زميل «إخوانى» فى موقع قيادى فى التنظيم، وعاتبنى عتاباً شديداً بدعوى أننى «أتنكر للديمقراطية». فقلت له: «لم لا يفعل مرسى كما فعل سيدنا الحسن بن على؟»، فرد بسؤال مماثل: «ولم لا يفعل كما فعل سيدنا أبوبكر، وسيدنا عثمان؟». قبل أربعة أيام، كان الشيخ السمح الدكتور على جمعة يتحدث فى مؤتمر جماهيرى، داعياً الجمهور بحماس كبير إلى «المشاركة فى الاستفتاء»، و«التصويت بنعم»، وممهداً للحض على ترشح الفريق السيسى لرئاسة الجمهورية. أنا أقدر هذا الرجل، رغم أنى لا أحب طريقته فى الحديث أحياناً، خصوصاً عندما ينفعل، وتنتفخ أوداجه غاضباً ومستاءً، أو حين يصف «الإخوان» وأتباعهم ب«الخوارج». نحن أيضاً يتم وصفنا ب«الخوارج» لأننا عارضنا مرسى وعاصم عبدالماجد. الداعية القطرى يوسف القرضاوى يصفنا ب«الخوارج». إنه يدعو إلى تفكيك الجيش المصرى باسم الدين الذى هو «عالم متخصص فيه». يدافع الداعية القطرى عن «الديمقراطية» فى مصر «ديمقراطية مرسى»، لكنه لا يدافع عن الديمقراطية فى «بلده» قطر، ديمقراطية «تميم». ويدافع عن «الشريعة» فى مصر، لكنه لا يطالب بإقامتها فى بلده «قطر»، ويدعو إلى الجهاد فى سوريا، لكنه لا يدعو إلى الجهاد ضد إسرائيل من غزة، لأن «إخوانه» يحكمون هناك. قبل أربعة أيام كانت الأخبار تقول إن الشيخ «الحوينى» يعارض الاستفتاء والذهاب إليه، لكن الدكتور ياسر برهامى يؤيد الاستفتاء والذهاب إليه، بل ويحض أتباعه على التصويت ب«نعم». ليس مستغرباً أن يقع الشقاق فى صفوف السلفيين أنفسهم بالطبع. ولم لا؟ ألم يقع الشقاق بين السلفيين و«الإخوان»؟ كانوا «إخوة» و«حلفاء». عندما استفحل الشقاق بين الفريقين فى فبراير 2013، قال عصام العريان لبرهامى: «نحن ننتمى لفكرة واحدة ومشروع واحد ألا وهو تطبيق الشريعة.. نحن وأنتم الآن فى مركب واحد». لكن برهامى ردّ عليه بقوله: «أنتم لم تلتزموا بالشروط والاتفاقيات التى تمت بيننا، ولا توجد شراكة، خاصة بعد إقالة مستشار الرئيس مرسى القيادى السلفى خالد علم الدين». نحن محتارون يا شيوخنا. من أنتم بالضبط؟ إلام تدعون؟ حتى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر. لقد دعا المتظاهرين فى 25 يناير إلى عدم الخروج، وطلب إليهم العودة إلى منازلهم. شيوخ سلفيون فعلوا هذا أيضاً، لقد حرّموا الخروج على الحاكم، وحضوا على طاعته، حتى «ولو كان ظالماً». نحن محتارون يا شيوخنا: «الديمقراطية حلال أم حرام؟»، «الخروج على الحاكم صح أم خطأ؟»، «تطبيق الشريعة ضرورى وحان وقته، أم لم يحن وقته بعد؟» «تقتدون بما فعل الحجاج وعثمان، أم بما فعل الحسن والمهاجرون من مكة إلى المدينة حينما ضاقت بهم الحال»، «تدعون إلى الديمقراطية فى مصر، وتعفون منها قطر، وتدافعون عن الشريعة فى مصر، وتنسونها فى قطر، وتحضون على الجهاد فى سوريا، وتعفون منه فلسطين؟». أنا لا أحب طريقتكم يا شيوخنا الأفاضل. أنا لا أصدق الكثير مما تقولون وتفعلون. أنتم تخلطون السياسة بالدين. أنتم تلونون مواقفكم. أنتم تتلاعبون بعواطف الناس البسطاء المؤمنين الذين يحبون الله ويحبون أن يحيوا فى طاعته. أنتم تحققون مصالح شخصية من مواقفكم هذه. أو تطوعون الأثر لمصلحة مواقفكم السياسية، أو تنتقون من تاريخ عريض ثرى وملتبس ومرتبط بسياقه أشياء تتوافق مع رؤيتكم الآنية، وتمنحون تلك الأشياء قداسة، لأن فلاناً قالها، أو لأن فلاناً فعلها، وتريدون منا أن نقول «سمعاً وطاعة»، قبل أن تعودوا لتغيروا الرواية، لأن رؤيتكم، أو مصالحكم، تغيرت. اتقوا الله.