تبذل حكومات خادم الحرمين الشريفين جهودا إعمارية وحضارية فى طول البلاد وعرضها بما لا ينكره إلا جاحد، ومع ذلك فإن معيار نجاح الحكومة السعودية يرتبط بنجاح موسم الحج فى كل عام، بحيث إذا مر بسلام وبدون حوادث وعاد الحجاج إلى بلادهم سالمين، فإن الحكومة توصف بالناجحة، وإن حدث مكروه -لا قدر الله- فإن الحكومة توصف بالفاشلة، وينهال عليها العتاب وطلب العقاب. وقد وعت الحكومات هذا الدرس على مدار تاريخها فى خدمة الحرمين الشريفين وزوارهما، فلم تتوقف طموحات الحكومة عند مرور موسم الحج بسلام، وإنما ارتقت إلى ابتكار أوجه تحسينية لتسهيل هذا الموسم وجعله جاذبا لراغبى النسك فى أرض الواقع، دون الاكتفاء بالعاطفة الدينية الدافعة إلى معاودة الزيارة. وكان من أهم تلك الأوجه التحسينية: توسعة أرض المناسك لتخفيف التزاحم، والارتقاء بمستوى الإقامة فى الفنادق لتكريم الزائرين، وتحديد أعداد القادمين للاستمتاع بالنسك دون تدافع. وكل ما سبق -مع أهميته- لم يكن كافيا لإراحة أكثر من مليونى حاج هذا العام، لولا عبقرية رجال السياسة والإدارة السعوديين، الذين رفعوا الوصاية الدينية عن حجاج بيت الله. رأت القيادة الرشيدة أن البقاء على الأوصياء الدينيين يحجر واسعا، ويخنق الحجاج فى ظل الرأى الواحد غير المقطوع به، ويتهم الآراء الفقهية الأخرى الصادرة من أهل الذكر بالفساد أو البطلان بغير حق، فضلا عن مهانة تمكين الإنسان من أخيه باسم الدين، الذى جاء يحرر الجميع إلى الله تعالى، ويجعل الدين بين الناس نصيحة وتذكرة وليس قهرا أو قسرا. وهذا ما أدى إلى موسم حج غير مسبوق فى نجاحه منذ زمن طويل. وأوجز فيما يلى بعض أهم ملامحه التيسيرية: (1) قلَّ أو انعدم الأوصياء باختيار صفة النسك، فاختار كل حاج ما يناسبه من الإفراد أو القران أو التمتع. بعد أن كانت الفتوى حاشدة إلى صفة التمتع وما يترتب عليها من التزاحم فى الطواف. (2) قلَّ أو انعدم الأوصياء بمنع الحجاج من مغادرة المزدلفة قبل نصف الليل، أو قبل الفجر. فتمكن كثير من الحجاج من مغادرتها بمجرد صلاة المغرب والعشاء فيها قبل نصف الليل؛ خاصة أن مذهبى الحنفية والمالكية يريان أن المبيت بالمزدلفة من المسنونات وليس من الواجبات. (3) قلَّ أو انعدم الأوصياء بمنع الحجاج من طواف الإفاضة قبل رمى جمرة العقبة؛ لما أخرجه الترمذى والدارقطنى وأحمد عن عبدالله بن عمرو، أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أفضت قبل أن أرمى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ارم ولا حرج». (4) قلَّ أو انعدم الأوصياء بمنع الحجاج من طواف الإفاضة قبل منتصف ليلة النحر -كما هو مذهب الشافعية والحنابلة- أو قبل طلوع الفجر -كما هو مذهب الحنفية والمالكية- عملا بظاهر قوله تعالى: «فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس» (البقرة: 199، 198). وليس فى هذا النص الكريم وقت معين لطواف الإفاضة بعد الدفع من عرفة؛ خاصة أن طائفة من أصحاب مالك -كما يقول ابن رشد- يرون أن طواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة. (5) قلَّ أو انعدم الأوصياء بمنع الحجاج من رمى الجمرات الثلاث فى أى ساعة من ليل أو نهار، بعد أن كانوا يمنعونهم من الرمى قبل الزوال فى بادئ الأمر، أو قبل منتصف الليل فى ثانى الأمر؛ عملا بالسعة الفقهية التى تحتمل أن يكون الرمى من المغرب، باعتباره أول اليوم الجديد بالإجماع، كما تحتمل أن يكون الرمى من منتصف الليل، لأنه وقت انتهاء صلاة العشاء عند بعض المالكية والحنابلة، كما تحتمل أن يكون الرمى بعد طلوع الفجر، لأنه وقت انتهاء صلاة العشاء عند جمهور الفقهاء، كما تحتمل أن يكون الرمى بعد الزوال لأنه الوارد عن فعل النبى صلى الله عليه وسلم. (6) قلَّ أو انعدم الأوصياء بإلزام الحجاج بالمبيت فى منى أيام التشريق، أو الوجود فيها إلى نصف الليل؛ خاصة أن مذهب الحنفية يرى هذا المبيت سنة وليس واجبا. (7) قلَّ أو انعدم الأوصياء بإلزام الحجاج بطواف الوداع؛ خاصة أن مذهب مالك يراه سنة للقادر عليه. (8) بقى منع الحجاج من الدفع من عرفة (النفرة) قبل أذان المغرب. حيث يرى الشافعية فى الأصح ورواية للحنابلة صحة الوقوف بعرفة ولو زمنا يسيرا من أول أوقات الإمكان (وهو من فجر يوم عرفة عند الحنابلة، أو من زوال يوم عرفة عند الشافعية، إلى آخر وقت الإمكان. وهو فجر يوم النحر عند الجميع. وأن السنة للحاج أن يجمع فى وقوفه بعرفة بين الليل والنهار ولو بلحظة، فإن لم يتحقق هذا الجمع فلا حرج عليه). العجيب أن الساسة فى الماضى كانوا رمزا للعصا وتوحيد الرأى، وانقلب الوضع فى زمننا، فصار الساسة هم دعاة الرحمة والتعددية الفقهية، وصار كثير من الفقهاء أصحاب المناصب الدينية هم دعاة الإلزام بالرأى الفقهى الواحد، عن طريق ما ابتدعوه من التصويت فى المجامع الفقهية القاتل لرحمة الاختلاف. ولعل هذا يدعونا إلى المطالبة بإلغاء المناصب الدينية، وجعلها مراتب علمية؛ ليتنافس الناس بالعلم ولا يستقوى بعضهم على بعض بالسلطة الدينية التى ينكرها الإسلام.