دائماً ما يُفضل أن يتوارى وأن يبتعد عن المشهد قدر المستطاع، يظهر فى خلفية الصورة بطلاً وموجهاً للأحداث أينما كان، لكن دائماً ثمة اتهامات بالمثالية والهروب تلاحقه. يصفه الكثيرون بأنه «مبشر» ولا يستطيع فعل أكثر من ذلك، جاء إلى مصر قبل قيام ثورة يناير، ليبشر المصريين بقرب زوال نظام «مبارك» الذى استمر لثلاثة عقود، مارس اختصاصه بالتبشير، ونجح فى ذلك، لكنه كعادته لم يفعل غير هذا. كانت مواقفه خلال المرحلة الانتقالية دوماً على يسار «العسكر والإخوان»، حليفى السلطة فى تلك الفترة، بدايةً برفضه للتعديلات الدستورية فى استفتاء 19 مارس، ثم استنكاره لإجراء الانتخابات البرلمانية قبل الدستور، وامتناعه عن المشاركة فى المجلس الاستشارى للمجلس العسكرى، وكذلك رفضه لتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور المُعطل وعدم قبوله الدعوة للمشاركة فى جلساتها أثناء حكم الإخوان، ورفضه لمشاركة حزبه، وجبهة الإنقاذ جمعاء، التى كان يرأسها، فى انتخابات مجلس النواب التى لم تبدأ. هو الدكتور محمد البرادعى، نائب رئيس الجمهورية السابق، الذى التف حوله الشباب وأسسوا معه حزب الدستور ليكون معبراً عن روح ثورة يناير بعد أن تقاذفتها أمواج عاتية رغم أنها تعرف مرفأ النجاة جيداً، قائلاً: «لقد قلتها منذ عامين وأكررها الآن: إن الذى سيعيد بناء هذه الأمة هم شبابها، الذين لم يلوث ضميرهم فساد النظام وأساليبه القمعية. هؤلاء الشباب هم الحلم وهم الأمل، ولذلك سأستمر فى العمل معهم خلال الفترة القادمة، وسط جماهير شعبنا، لتمكينهم من المشاركة الفعالة فى العمل السياسى، كى يتولوا زمام أمور مصر ومقدراتها فى المستقبل القريب، ويحققوا أهداف الأمة كلها من حرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية». وبعد عام كامل من الثورة، آثر «البرادعى» أن ينسحب من سباق الانتخابات الرئاسية، وأكد أن ضميره لا يسمح له بالمشاركة فى مسرحية عبثية» بحسب وصفه، ليجهض كل الآمال التى تعلقت به. «البرادعى» الذى يقول: «لا بد أن نفهم أن المقاطعة والانسحاب أحياناً يكونان أقوى أسلحة المواجهة»، وهذه إحدى عباراته التى قالها فى لقاء مع عدد من مؤيديه الشباب، عندما عاتبوه على انسحاباته المتكررة منذ 25 يناير، لكن هذه المرة كان انسحابه الذى يصفه كثيرون ب«الهروب» سبباً فى نقده من شباب «الإنقاذ» و«تمرد» و«جبهة 30 يونيو»، ليواجه بعدها انتقادات هى الأعنف عبر مشواره، تشارك فيها «أتباع المخلوع» الذين وصفوه ب«الجبان»، و«مناصرو المعزول» الذين وصفوه ب«الخائن». مطالبات بخروجه من جبهة الإنقاذ وحزب الدستور جاءت رداً على هروبه أو تقديم استقالته كنائب للرئيس فى المرحلة الانتقالية بعد سقوط حكم الإخوان، ليجد شباب الثورة التى بشّر بها وحيداً دون نصير أو مبشر، ليكون «البرادعى» منسحباً من وزارة الخارجية اعتراضاً على اتفاقية كامب ديفيد، والانسحاب من الانتخابات الرئاسية بعد الثورة، والآن ينسحب من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية بعد سقوط الإخوان.