«اوعى رجلك شوية، مش عارف أقف».. هذا تقريباً ما قاله الدكتور البرادعى للسيد عمرو موسى يوم 28 يناير 2013 من على منصة جبهة الإنقاذ بحزب الوفد، بينما يقف بجوارهما رموز الجبهة أمام الميكروفونات والكاميرات والصحفيين، ومن خلفهم صورة الزعيم سعد زغلول، وإذا بأول كلمة يسمعها الشعب والعالم من تصريح الجبهة عن موقفهم من دعوة رئيس الجمهورية للحوار معهم: «اوعى رجلك شوية، مش عارف أقف»!.. هذه الرموز الوطنية بتاريخهم العريض والعميق فى السياسة الدولية والمحلية تقف على منصة صغيرة لا تسعهم جميعاً، فيدفعهم الذين يقفون خلفهم وهم يتحدثون عن مستقبل الأمة، يتزاحمون بالأكتاف والأقدام، يحاولون التوازن حتى إنهاء كلمتهم التى تذاع على الهواء وعلى الملايين من أبناء وطن «يشحت» الاستقرار ويحلم به كما يحلم الجائعون، وهم كُثر، برغيف العيش، فإذا بمن يتحدثون عن مستقبل الوطن واستقراره، لم يتحصلوا على الاستقرار فى وقفتهم! نحن شعب يكره التفاصيل.. هذه حقيقة لا مفر منها، ونحتاج لخطة محكمة حتى نبدأ فى احترام التفاصيل التى تكوّن الصورة الإجمالية والنظرة الاستراتيجية.. فإذا كان ولابد أن تجتمع جبهة الإنقاذ فى حزب الوفد، فلماذا لا يتم تجهيز المشهد فنياً؟ حتى يليق بالتصريحات التاريخية التى تخرج منه، وحتى لا يتحدث أحد الرموز الوطنية عن مستقبل الوطن فيقاطعه صراخ أحد الحضور من خلف الكاميرات: «يا رؤوف، هات البتاعة دى»!.. بتاعة إيه؟.. ورؤوف مين؟.. وقد يكون السيد رؤوف هو أحد الفنيين ويناديه زميله طالباً حامل الميكروفون الذى لا مكان له على طاولة المنصة، ليست هذه فقط المشكلة، إنما المشكلة الأكبر هى أن (البتاعة) و(رؤوف) أصبحا جزءاً من هذا التصريح التاريخى الذى قد يحفظه التاريخ يوماً ما، وذلك على حسب من سيكتب التاريخ! أليس من اللائق أن نفكر قليلاً فى بعض التفاصيل التى تحترم رمزية المشهد وتحفظ لهذه الرموز الوطنية هيبتها؟ أليس من اللائق أن نرسل للعالم صورة مقبولة عن مصر ورموزها، بغض النظر عن مواقعهم ومواقفهم؟ وعلى الجانب الآخر، يسألنى أحد المساندين للرئيس والتيار الحاكم: «يرضيك كده، يعنى الناس تقتحم الأقسام ولما تتصدى لهم الشرطة نبقى غلطانين؟».. فأقول له: «لا يرضينى، ولكن ما الذى شجع هؤلاء أصلاً على اقتحام السجن والأقسام؟».. فينظر لى نظرة المُرتاب الذى سيسمع ما لا يرضيه، فأسأله وأنا أعلم أنه لا يمتلك الإجابة: «وماذا كانت تعمل مجموعة الستة أشهر؟».. فيرد مستغرباً: «مجموعة إيه؟». هذه هى الحكاية، الاهتمام بالتفاصيل، فهناك مجموعة من محترفى الإدارة تسمى مجموعة الستة أشهر، وقد تجد لها أسماءً أخرى فى مختلف الدول والمؤسسات، تعمل ضمن الهيكل التنظيمى لهذه المؤسسات الضخمة والدول المتقدمة، وهذه مجموعة لا تنظر إلى الحاضر، فمهمتها الوحيدة هى حصر الأحداث والفاعليات التى يتوقع حدوثها خلال ستة أشهر من الآن، تبحث الفرص والتحديات والأخطار الناجمة عن هذه الأحداث والفاعليات، ثم تخرج بتقرير شهرى مع توصياتها فى ورقة واحدة تقدم للقيادة السياسية، وكأنهم يقرأون المستقبل فيها، بما فيه من أحداث وسيناريوهات وتوصيات للفترة المقبلة. لم أكن لأنتظر الإجابة من صديقى، ولكننى سألته لألفت نظره أننا لم نقم بواجبنا فى قراءة المستقبل أو التحضير له، فمن الطبيعى أن نتعامل مع الأحداث إذن من منطلق إطفاء الحرائق، وليس منع حدوثها. والخلاصة أننا لا نحترم التفاصيل، ولا الإدارة الحديثة، ولكننى سأكون إيجابياً.. إننى أدعو مؤسسة الرئاسة للتفكير فى تكوين مجموعة الستة أشهر، وأدعو قادة جبهة الإنقاذ للتفكير مبدئياً فى التواصل مع مهندس ديكور.