(1) إلى جوار «التنظيم الدولى للإخوان المسلمين» و«السلفية العالمية» هناك من يتحدث عن «الصوفية العالمية». تخوضُ «السلفية العالمية» حرباً مع «الصوفية العالمية» وبينهما تقف جماعة الإخوان المسلمين تحاول الاستفادة من حشود الطرفيْن.. غير راغبة فى خسارة أى منهما. تتهم «الصوفية العالمية» خصمها القوى بأنه يعمل من خارج التاريخ، وبعيداً عن أهداف الإسلام، وأنه لولا الدعم النفطى لما كان ل«السلفية النفطيّة» كل هذا النفوذ. وبدورها تتهم «السلفية العالمية» خِصمَها واسع الانتشار بأنه الحليف الاستراتيجى للولايات المتحدةالأمريكية.. وتستند فى ذلك إلى أبحاث ودراسات لمؤسسة راند ومركز نيكسون فى واشنطن وغيرهما. وفى الوقت الذى تُحذر فيه «الصوفية العالمية» من «الهلال السلفى» الذى يمتد من الخليج إلى سوريا وشمال أفريقيا.. تحذر «السلفية العالمية» من «الانتشار القارى» للصوفية عبر (280) طريقة منها (76) طريقة صوفية فى مصر، (40) طريقة صوفية فى السودان، (13) طريقة فى ليبيا، (30) طريقة فى الجزائر، (20) طريقة فى اليمن. (2) هكذا تتشقّق ديار المسلمين.. فى حرب السنة والشيعة، كما أنها تتشقّق أيضاً فى حرب «التأويل» و«التجسيم».. وفى حروب التكفير الثلاثة: «تكفير الربوبية»، و«تكفير الألوهية»، و«تكفير الأسماء والصفات». وتتشقّق الديار كذلك بين «التنظيم الدولى» و«السلفية العالمية» و«الصوفية العالمية».. وتتشقّق كذلك بين جموع الحركات الدينية وبين عموم المسلمين. (3) تحتاجُ ديار المسلمين إلى الإصلاح والترميم.. ذلك أن التصدُّع باتَ كبيراً.. وليس فى الإمكان بقاء المنزل طويلاً على هذا النحو. كان «أبومصعب الزرقاوى» يقول: نقاتل فى العراق وعيوننا على القدس.. وكان «أبوبكر البغدادى» يقول: أُبَشّركم بفتح روما.. والحاصل أن القدس قد جرى تهويدها عمّا سبق فى كل التاريخ الإسلامى.. وأن حكومة روما تستقبل الهاربين واللاجئين المسلمين على شواطئها كل يوم! (4) فى عام 1580 قرر «الخليفة العثمانى» السلطان «مراد الثالث» تدمير مرصد مراقبة الأجرام السماوية.. باعتبار ذلك عملاً لا جدوى منه.. وفى نفس الوقت كان «كوبرنيقوس» ثم «برونو» ثم «جاليليو» يخْطُون بالغرب إلى الأمام. وكان ذلك بحسب تعبير السياسى السودانى «غازى صلاح الدين»: «آخر علامة على التفوق العلمى فى الحضارة الإسلامية». (5) تحتاج ديار المسلمين إلى «عودة الوعى».. فى السابق كان المسلمون رُسُل حضارة وبناء.. ويعترِف عالم الاجتماع «أوجست كونت» بأنه «فى الوقت الذى كان الغرب يولى اهتمامه لشرح تقاليد الكنيسة.. كان العرب يقومون بدورهم الخلاّق.. ولولاهم لما انتقلت إلينا الحضارة». ويقْطَع عالم الاجتماع المصرى «رشدى فكار» بأن «الإسلام لديه الكثير الذى يستطيع أن يقدمه للحضارة الغربية والعالم كله، فيقدم له ما لا يملك من قيم إنسانية وحضارية يفتقدها الإنسان الغربى، الذى أصبح فى عطش دائم لهذه القيم».. «ستبقى الصياغة الإسلامية الحضارية لإغاثة الحضارات الغربية.. الأمل الموعود والمرتقب فى دنيا العصر وقلق ذوى الاهتمام والفكر».. «إن العالم المعاصر -حسب قول الفيلسوف الوجودى «هايدجر»- مثل قصر شامخ يقع فى منظر كئيب، يعانى سادته الأرق والقلق، ويقاسى خُدّامهُ الجوع والجهل والمرض». (6) لكن العالم المعاصر.. لم يجد فى العالم الإسلامى الذى اختطفه المتشددون ذلك «المُنقذ الروحى».. ذلك أن العالم الإسلامى نفسه يحتاج إلى الإنقاذ.. هناك غرقى يُلوّح لهم غرقى آخرون. إن «عودة الروح» للعالم الإسلامى باتت أساسية مع «عودة الوعى».. وليس بينهما اختيار.. بل هما معاً. ليس القول كما يذهب «رشدى فكار» إلى اختيارٍ بين «حضارة القيم» و«حضارة الأشياء».. بل الحضارتيْن معاً.. الأشياء والقيم.. الوعى والروح.. المَبْنى والمَعْنى. إن رسالة «الإسلام الحضارى».. هى إنهاء «عصرٍ من الدماء» صاغَهُ زمن «الإسلام السياسى».. وتمهيد الطريق.. لعودة الوسطية والاعتدال.. التسامح والصواب.. الحكمة والاتزان.. وفى قولة واحدة: عودة الحضارة. حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.