إسرائيل تصادر أراضي فلسطينية شاسعة في الخليل لإقامة "منطقة صناعية"    المفاوضات بدأت، أسطورة برشلونة مرشح لخلافة وليد الركراكي في منتخب المغرب    مسلسل حد أقصى حلقة 6، صدمة غير متوقعة لروجينا من زوجها وشقيقها في الإسماعيلية    "البحوث الطبية" يوضح تأثير شرب المياه على فاعلية وأمان الدواء في رمضان (فيديو)    «عين سحرية» يشعل تريند جوجل.. دراما رمضان 2026 تفتح أخطر ملفات المخدرات وتواجه "الشابو" بجرأة غير مسبوقة    تراجع الطلب على الإنتاج الصناعي في أمريكا    كيف تصنع الكتب حياة جديدة للمتعافين من الإدمان؟    أسعار الذهب بأسوان اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026 تسجل مستويات مرتفعة جديدة    جمال العدل: حسين لبيب كبر 10 سنوات بسبب رئاسة الزمالك.. مكانش ينفع يمسك النادي    أسواق اللحوم بمحافظة أسوان اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026    أسواق الحديد بمحافظة أسوان، اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026    حركة القطارات بمحافظة أسوان، اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026    بيان رسمي من محامي زينة يكشف تطورات قضية التعدى على نجليها    مواقيت الصلاة وعدد ساعات الصيام اليوم الثلاثاء سادس أيام رمضان 2026    تعرف على تفاصيل تصدر أحمد ماهر تريند محركات بحث جوجل    سلوى عثمان... وجه الأم المصرية الذي لا يشيخ، ونجمة تثبت في رمضان أن البطولة ليست بعدد المشاهد بل بصدق الإحساس    دينا تتصدر تريند جوجل بتصريحات جريئة: «الرقص مش حرام.. اللبس هو المشكلة وربنا اللي هيحاسبني»    الأدعية المستحبة في اليوم السادس من رمضان 2026    لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره..الأزهر يقدم "الطالب محمد قابيل "لإمامة المصلين بالجامع الأزهر    مقتل شرطى وإصابة إثنين أخرين فى تفجير انتحارى وسط موسكو    قبل السحور، شلل مروري بطريق مصر الإسكندرية الزراعي بعد انقلاب سيارة محمّلة بالأخشاب (صور)    الإذاعية إلهام سعد: دراما "من قلب الحكاية.. جدو حقي وتيتة حماية" هدية وعي من القومي للطفولة والأمومة    دعاء الليلة السادسة من رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    جمال العدل: أدعم رحيل حسام حسن من المنتخب.. بيخاف من جمهور الأهلي والفريق مالوش شكل    الخارجية الأمريكية: روبيو يبحث هاتفيا مع نظيره السعودي عددا من الملفات الإقليمية    استشاري أمراض الباطنة والسكري: لا مانع من صيام مرضى السكري ولكن بشروط    قائمة الزمالك - عودة شيكو بانزا.. وغياب الونش عن مواجهة زد    الهند.. مصرع شخص على الأقل في تحطم طائرة إسعاف جوي كان على متنها 7 أشخاص    جولة ليلية لمحافظ جنوب سيناء بشرم الشيخ لمتابعة المشروعات السياحية وأعمال التطوير    عمرو سعد ترند بعد عرض الحلقة الجديدة من مسلسل «إفراج»    إصابة فلسطينى برصاص الاحتلال شمال شرق بيت لحم    "المداح" الحلقة 7 .. تامر شلتوت يعود من الموت    الحلقة 6 «عين سحرية».. عصام عمر يعود الي منزلة من جديد وينجح فى تصوير راجل الأعمال    درة: أشعر بالانتماء بالقضية الفلسطينية.. ورسالة الماجستير أعددتها عن اللاجئين الفلسطينيين    صحفي فلسطيني: مسلسل «صحاب الأرض» أزعج الاحتلال.. وتابعه الغزيون بالدموع    بعد فوز الأهلي على سموحة.. جدول ترتيب الدوري    من 5 ساعات إلى ساعة واحدة.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الاختراق؟    القاهرة الإخبارية:اجتماع مغلق بين الرئيس «السيسي» وولي العهد السعودي حول القضايا الإقليمية    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يحيون سادس ليالي رمضان في المساجد الكبرى    مانشستر يونايتد يعود للانتصارات بفوز صعب على إيفرتون    بمشاركة كوكا.. القادسية يفوز على الاتفاق بنتيجة تاريخية في الدربي    طلب إحاطة بشأن تأخر إعلان حركة نيابات ديسمبر 2025 وتداعياته على الأطباء    «الرقابة الصحية» تعلن عن وظائف جديدة بنظام الندب للعمل بفرع المنيا    حملات مسائية مكثفة لضبط الأسعار وسلامة الغذاء بحي عتاقة في السويس    وليد ماهر: توروب حقق ما أراد وسموحة غامض هجوميا.. وكامويش لغز صعب الحل.. فيديو    محافظ المنوفية يوجّه بنقل «أم بسملة» وبناتها إلى سكن آمن وصرف دعم عاجل    كتاب جديد يفكك السلفية.. من مجالس العلم إلى جبهات القتال    محافظ الأقصر يؤدي صلاة التراويح بمسجد محسب وسط استقبال حافل من الأهالي    عمار يواجه الدبابات الإسرائيلية في الحلقة 6 من "صحاب الارض"    السودان: لن نوافق على أي مقترح لا يراعي المصالح العليا للبلاد    فلسطين: إسرائيل تواصل الإبادة والتهجير ولا سلام دون إنهاء الاحتلال    جولة تفقدية ليلية مفاجئة لرئيس مياه القناة بمدينة بورسعيد    «مستشفى المنيرة العام» تعيد بناء عظام وجه مريض بجراحة دقيقة استمرت 6 ساعات    «التنظيم والإدارة» يعلن تفاصيل تطوير منظومة المسابقات الحكومية    مسلسل عين سحرية يفضح تجارة الآثار المتنكرة في تجارة السيارات.. تفاصيل    من وحي مسلسل مناعة.. الداخلية تُسقط مروّجي السموم داخل الأندية الرياضية    للعام الثاني على التوالي، فانوس رمضان يزيّن ويضيء مدخل جامعة المنصورة    جامعة قناة السويس تعزز بناء الوعي القيمي والمهاري لدى طلاب المدارس بسلسلة ندوات نوعية بالتعاون مع المجمع التعليمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. علاء عوض أستاذ الكبد في معهد «تيودر بلهارس» يكتب: وهم «العلاج بالكفتة».. وحقيقة عبد العاطي
نشر في الوادي يوم 04 - 03 - 2014

«عبد العاطي» يخطئ في معلومات يعرفها «تلميذ في 3 طب».. وفريقه يروج لنقل الفيروسات عبر «الجاكيت»
«الاختراعات» المزعومة «خيال علمي» لخدمة أهداف سياسية.. وما يحدث امتداد للعلاج ب«بول الإبل»
رأيت جهاز اكتشاف الفيروسات في 2010 باليابان.. ومنظمة الملكية الفكرية العالمية رفضت تسجيله كاختراع
ماذا ستفعلون حين يدرك ملايين المرضى أنهم تعرضوا للخداع؟
لم أكن أتصور فى بداية حياتى المهنية التى امتدت أكثر من ثلاثة عقود اننى سوف اتعرض لهذا القدر من الصدمات خلال مسيرتها، صدمات تتعلق بثوابت، أو هكذا كنت أظنها، فى مناهج البحث العلمى وفى التعامل مع أصول وروافد العلم من حقائق ونظريات.
كانت البداية حين قرأت حوار اللواء رئيس الفريق البحثى بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة، والمنشور فى جريدة المصرى اليوم، حول اختراعه السحرى لعلاج الأمراض الفيروسية وحزمة أخرى من الأمراض. فاجأني السيد اللواء بقوله ان فيروس سى هو من الفيروسات مزدوجة "الحبل"، وبصرف النظر عن استخدام كلمة الحبل فى التوصيف العلمى، فان أى طالب بالفرقة الثالثة بكلية الطب، يعلم ان فيروس سى هو مفرد الشريط، وأن هذه المعلومة الأساسية بالنسبة لعلم الفيروسات هى فى مرتبة حروف الهجاء بالنسبة لعلوم اللغة. هذا ماكنت أعلمه، أو على الأقل أتصور أنه الحقيقة، حتى قرأت هذا الحوار. ويبدو أن المجتمع العلمى الدولى كان يتعامل مع كائن وهمى باعتباره فيروس سى، ولذلك لم يستطع أن يكتشف أسراره ويقضي عليه، بينما استطاع السيد اللواء ان يعلم حقيقة الفيروس الغائبة عن الجميع وبالتالي تمكن من قهره واصطياده، ربما.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يكمل السيد اللواء قاهر الفيروسات، كما أطلق على نفسه، قائلا أنه يستطيع أن يعالج خمسة مرضى بالايدز فى نفس الوقت الذى يستغرقه لعلاج مريض واحد بفيروس سى، ويفسر ذلك بقصة ازدواج "الحبل" التى اوردها سابقا، والواقع انه حتى لو افترضنا جدلا صحة ازدواجية شريط الفيروس التى يصر عليها السيد اللواء بالمخالفة لأساسيات العلم، فانها أيضا تكون المرة الأولى فى حياتى التى اسمع فيها أن استجابة الفيروسات للعلاج أو مقاومتها له تتحدد بحجم شريط الحمض النووى المكون له وربما كانت تلك أيضا نظرية جديدة فى العلم لم يتعرف عليها علماء الفيروسات بعد.
وتتوالى الصدمات بالتصريح الشهير للدكتور أستاذ الكبد، والعضو البارز فى الفريق البحثى للهيئة الهندسية، والذى قال فيه أن فيروس سى قد انتقل من مريض عانقه الى "الجاكتة" التى يرتديها هذا الطبيب، وأن جهاز الكشف عن الفيروس قد استطاع أن يكتشف الفيروس على سطح الجاكتة.والحقيقة أن هذه المعلومة شديدة الغرابة، بصرف النظر عن طرافتها، لأن معلوماتى ومعلومات الجميع توقفت عند ضرورة اختلاط دم الأنسان بدم المريض أو أحد مشتقاته لنقل العدوى، وبالتالي أتصور أن برامج مكافحة العدوى بعد تلك الملاحظة "العظيمة" لابد أن تشمل منع مصافحة وعناق المرضى، وربما يصل الأمر الى اصدار تشريع يحرم ارتداء "الجاكيتات".
والواقع أن هذه الصدمات لا يمكن التعامل معها باعتبارها خلافا علميا، لأنها تتعلق بأساسيات العلم وبديهياته التى تم العصف بها بكل هدوء وارتياح. وقد تعلمت أن التغييرات فى أساسيات العلوم هى من أدق البحوث لأنها تتعامل مع حقائق ثابتة وليس مجرد نظريات أو تطبيقات علمية، فجميعنا يعلم أن جزئ الماء يتكون من ذرتين هيدروجين وذرة واحدة من الاوكسيجين، فهل يستطيع أى باحث أن يقول أنه اكتشف تركيبة مغايرة للماء دون أن يقدم للعالم أدلة وبراهين علمية دقيقة وواضحة بشكل لايقبل الجدل؟ فهل قدم الفريق البحثى أى أدلة حول تلك التغيرات التى تحدثوا عنها بشأن تركيب فيروس سى وآليات نقل العدوى؟ أن كان الفريق البحثى يعنى حقيقة ماقاله من تصريحات، فان ذلك بمثابة دعوة للعالم كله لاعادة تعريف ودراسة علم الفيروسات، ولابد أن يكون لديهم الأدلة الكافية التى يقدمونها للمجتمع العلمى ليقنعونه بأن فيروس سى الذى يعرفونه قد تغير وأصبح مزدوج الشريط، وأن وسائل نقل العدوى قد اتسعت لتشمل عدوى "الجاكتة". أما ان كانوا لا يعنون ما قالوه، فتلك هى الكارثة الأعظم.
كيف يمكن لفريق بحثى تلك هى حدود معلوماته فى أساسيات العلم أن يطالبنى بتصديق أنه قام بانجاز علمى رائع باختراع جهاز سحرى يستطيع القضاء على كل الفيروسات والبكتيريا وغيرها من الأمراض. وكيف يمكن لبحث على هذه الدرجة المزعومة من الأهمية أن يعرض فى مؤتمر صحفى لا يمت بصلة الى ابسط قواعد النشر العلمى، فلا يوجد أى عرض لتصميم البحث وادواته والتحليل الاحصائي لنتائجه أو أى من عناصر النشر العلمى المتعارف عليها دوليا. وكيف يتم اجراء دراسة اكلينيكية على مرضى لعلاج مستحدث دون المرور بمراحل الدراسات الأولية على حيوانات التجارب ثم على المتطوعين ودون موافقات مسبقة من لجان أخلاقيات البحث العلمى. وعلى كل حال، فحتى لو تغاضينا عن كل هذه الأمور، وافترضنا حسن النية، وتجاوزنا عن الخوض فى الحديث عن العلاج بالكفتة وغيرها من العبارات التى وردت بالمؤتمر، يبقى أمامنا أن نناقش الفكرة من خلال المعلومات المتاحة لدينا
بداية، الحديث فى المؤتمر كان حول جهازين، الأول تشخيصى عن بعد، أى أنه يستطيع اكتشاف فيروس سى (وفيروس الايدز و انفلونزا الخنازير فى تطور لاحق) دون أخذ عينة من دم المريض. وقد تعرفت على هذا الجهاز لأول مرة عام 2010 فى مؤتمر باليابان. فكرة الجهاز تقوم على التقاط الموجات الكهرومغناطيسة الصادرة من الفيروس وقياس رنينها من خلال جهاز اليكترونى. وهناك تحفظات كثيرة حول قدرة هذه الفيروسات متناهية الصغر على اصدار موجات كهرومغناطيسية بالقوة الكافية لالتقاطها خارج الجسم وعن بعد، يتراوح بين متر واحد الى خمسمائة متر وفقا للخصائص المسجلة فى طلب براءة الاختراع، والتعرف على هذه الموجات بشكل نوعى دون التعرض للتشوش من اصدارات اجسام أخرى أكبر داخل جسم الانسان وخارجه، وبحساسية تشخيصية تصل الى 100%، وهو أمر يدعو الى التأمل الشديد والتساؤل أيضا. عموما عرض البحث فى مجموعة من المؤتمرات الدولية (حضرت أغلبها)، ولكنه لم ينشر الا فى دورية رقمية تصدر عبر الانترنت وهى مجلة الأكاديمية العالمية للعلوم والهندسة التكنولوجية، وهذه المجلة ضعيفة جدا من حيث معامل الأثر العلمى الخاص بها ولا يمكنها أن تكون سندا كافيا لجودة الأبحاث التى تنشرها. وعلى أى حال لا أعتقد أن هناك قبولا علميا دوليا لهذا الجهاز، فبعد أن تقدم مخترع الجهاز بطلب يحمل شعار وزارة الدفاع المصرية الى المنظمة العالمية للملكية الفكرية فى جنيف للحصول على براءة اختراع، اجابت المنظمة برفض الطلب مبررة ذلك بعجزها عن فهم الأساس العلمى للجهاز ووظائفه وغموص آليات عمله. ومن الجدير بالذكر أن هذا الطلب قد تضمن وظائف أخرى محتملة للجهاز بخلاف الكشف عن فيروس سى مثل الكشف عن انفلونزا الخنازير ومرض سوسة النخيل والكشف عن المواد المتفجرة لحماية الشخصيات الهامة فى مصر، وقد تم استكمال اجراءات طلب البراءة فى ديسمبر 2010 .
اشتمل المؤتمر الصحفى للهيئة الهندسية اعلان مفاجئ عن جهاز آخر يستطيع القضاء على فيروس سى وفيروس الايدز من خلال تعرض دم المصاب لموجات ما، خلال مرور الدم داخل هذا الجهاز، وتفتيت الغلاف الخارجي للفيروس عن طريقها. والحقيقة أن المؤتمر، الذى لم يضم أطباء، لم يوضح الآلية التى يستطيع بها هذا الجهاز تصويب موجاته على تلك الفيروسات بشكل نوعى ودقيق، دون غيرها من الخلايا والجسيمات فى الدم، ومدى قوة هذه الموجات وقدرتها على أداء هذه الوظيفة دون المساس بخلايا وأعضاء الجسم. كما أن المؤتمر لم يوضح ان كان هناك جهازين منفصلين للفيروسين أم أنه جهاز واحد وبه خاصية تغيير التردد مثل مفتاح البحث عن القنوات فى أجهزة التليفزيون. كما لم يوضح المؤتمر معنى الشفاء من المرض فى الدراسة التى قال الفريق البحثى أنه أجراها، فالجهاز وفقا لما تم عرضه يهاجم الفيروسات التى تسبح فى تيار الدم فقط، فلو افترضنا جدلا أن هذا الجهاز نجح فى القضاء على هذا القطاع من الفيروسات، هل يعنى ذلك الشفاء؟ أى دارس لعلوم الأمراض الفيروسية يعلم أن جزءا هاما من الفيروسات يغزو الخلايا الحية لاستخدام آليات الحياة الموجودة داخلها، لأن الفيروسات ليست خلية متكاملة ولا تملك هذه الآليات. فى مرضى الايدز على سبيل المثال يندمج جزء من العبء الفيروسى داخل نواة الخلية البشرية ويظل فى حالة كمون ثم ينشط بعد ذلك لمهاجمة الخلايا، كما أن جزء آخر من الفيروس يحيا داخل خلايا الدم البيضاء،وفى مرضى فيروس سى يعيش جزء هام من الفيروس داخل الخلايا الكبدية وخلايا أخرى بالجسم. لم يخبرنا السيد اللواء عن ذلك الجزء من العبء الكلى للاصابة، وكيف سيتعامل معه الجهاز، هل سيتم ادخال الكبد أو نخاع العظام مثلا داخل الجهاز للقضاء على الفيروسات، وهل سيستطيع الجهاز اجتياز حاجز الخلايا والتعرف على الفيروس بشكل دقيق ومحدد لتحطيمه مع الحفاظ الكامل على باقى مكونات الخلية، أم أنه سيدمر الخلايا أيضا بمنطق "على وعلى أعدائى".
لم يخبرنا المؤتمر أيضا بمدة الدراسة وفترة المتابعة الطبية للمرضى تحت العلاج، حيث أنه من المعروف والثابت علميا أن هؤلاء المرضى يتعرضون لنكسات بعد كل الأدوية والتقنيات العلاجية، مهما كانت درجة تقدمها، بنسب عالية، وأن التأكد من شفاء المريض لا يتم الا بعد فترات محددة من المتابعة الطبية والمعملية. والحقيقة أننا سمعنا أحاديث كثيرة ومتناقضة حول مدة الدراسة، الكلام المتداول أن رئيس الفريق البحثى قد كلف للعمل بالقوات المسلحة ومنح رتبة اللواء لقيادة هذا الفريق منذ خمسة عشر شهرا، أى أن مدة الدراسة لم تتجاوز هذه المدة، غير أن وسائل الاعلام تداولت أرقاما أخرى لمدة البحث وصلت الى 22 عاما، أى بعد سنوات قليلة من التعرف على فيروس سى، وحتى قبل عزله معمليا والتحقق من تركيبه الجينى، مما يعنى أن السيد اللواء كان يهاجم عدوا لا يعرف تركيبه ولم يتمكن أحد من رؤيته بعد.
فى الحقيقة أن مناقشة ماورد فى هذا المؤتمر من تصريحات وفيديوهات وصور هو أمر شاق للغاية ويكاد يكون مستحيلا، لأنه يفتقد أى أساس علمى للحديث ويطرح مجموعة من المتناقضات والافتراضات غير المنطقية دون أدلة أو دراسة مصممة بعناية أو أى تحليل احصائي لأى نتائج. لقد كان المؤتمر عبارة عن خطاب دعائى لايمت الى العلم أو الطب بأى صلة من قريب أو بعيد. سمعنا السيد اللواء يكرر عبارة "أنا أعالج"بالرغم من أنه ليس طبيبا، كما سمعنا طبيبا فى الفريق البحثى يقول من خلال الفيديو أن مرضى قصور الشرايين التاجية لم يعودوا بحاجة للعلاج بعد تعرضهم للعلاج بالجهاز، ثم تزيد طبيبة أخرى من نفس الفريق فى وسائل الاعلام أن مرضى السكر لا يحتاجون للانسولين بعد العلاج بهذا الجهاز، كما انه لديه القدرة على علاج الصدفية والسرطان أيضا. كيف يستطيع هذا الجهاز السحرى أن يعالج هذه الحزمة الممتدة من الأمراض، واذا افترضنا جدلا أنه يهاجم الفيروسات ويحطمها، فمن سيهاجم لعلاج السكر والصدفية ومرضى القلب والسرطان.
العلاقة بين العلم والخرافة علاقة معقدة وتتحدد ملامحها بدرجة التطور الاجتماعى والاقتصادي، فالبحث العلمى هو أحد الأنشطة المجتمعية وتختلف مساحته وفقا للتوجهات السياسية والاقتصادية للنظم الحاكمة فى المجتمعات المختلفة. وفى الدول التى تنتهج سياسات التبعية الاقتصادية تنحسر خطط التنمية مما يؤدى بالضرورة الى تهميش دور البحث العلمى بشكل عميق. وبالرغم من اننى أدرك جيدا أن هناك ارتباطا بين البحث العلمى والسياسة والاقتصاد، الا أننى أدرك أيضا أن هذه العلاقة ليست بهذا التبسيط المخل، حيث يوجد دائما هامش من الاستقلالية للبحث العلمى تتشكل فى اطاره مناهجه وأصوله وتقاليده مما يمنحه درجة من الوقار والمصداقية. والواقع أن البلدان التى قطعت شوطا كبيرا فى مجال البحث العلمى لايوجد لديها عدد كبير من العلماء يمتلكون عبقرية اينشتاين، ولكنهم يمتلكون منهجا دقيقا وصارما للبحث يحترمه معظم العاملين فى هذا القطاع ويتربون على قيمه. فى المجتمعات الأكثر تخلفا تختفي هذه القيم وتحل محلها قيم الخرافة التى من الممكن أن ترتدي رداء العلم أحيانا ورداء الدين أحيانا أخرى. وقد رأينا فى مصر أشكالا عديدة من هذه الممارسات فيما يتعلق بعلاج فيروس سى بدءا من الحبة الصفراء الصينية ومرورا بالعلاج بالأعشاب ولدغ النحل وعض الحمام وتسخين الدم والأوزون والطحالب وأخيرا وليس آخرا، بول الابل. غير أن فى كل هذه الحالات كنا نتعامل مع أفراد يقدمون هذه الادعاءات لبعض الوقت ثم تختفي. الأمر الآن يختلف، فنحن أمام ادعاء تقنية علاجية تبعث آمالا عريضة فى الشفاء لدى الملايين من المرضى، أغلبهم من الفقراء الذين لا يملكون التكاليف الباهظة للعلاج، وهذه الآمال ترعاها وتقدمها أهم مؤسسة فى جهاز الدولة.
لم يكن المؤتمر الصحفى الفذ موجها للأطباء والباحثين لأنه لم يتضمن أى عنصر من عناصر العرض العلمى، ولم يهتم الفريق البحثى بنشر البحث فى أى دورية طبية دولية أو حتى محلية أو التقدم بطلب براءة اختراع. لقد كان المؤتمر موجها الى الرأي العام بالأساس لتصدير حالة وهمية من الأمل وعرض انجازات على مستوى الخيال العلمى لخدمة أهداف سياسية مباشرة مهما كان ذلك منتهكا لوقار العلم. غير أن ما لم يقدره أعضاء هذا الفريق ورئيسه، أن تداعيات هذا الأمر لن تكون هينة. لقد وعدتم ملايين المرضى اليائسة بالشفاء، فهل تستطيعون الوفاء بهذا الوعد، وهل تستطيعون تحمل المسئولية اذا عجزتم عن تحقيقه، وماذا سوف تقولون لتلك الملايين حينئذ. فلتعلموا جميعا أن هؤلاء لن ينسوا، واذا شعروا بأن هناك من خدعهم وتاجر بآلامهم فلن يستطيع أحد الوقوف فى وجه الطوفان.
د. علاء عوض
أستاذ الكبد بمعهد تيودور بلهارس للأبحاث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.