منحة كورية لتطوير تكنولوجيا صيانة السيارات الخضراء بقيمة 10 ملايين دولار    الدولار يرتفع بعد خلو خطاب ترامب من موعد محدد لوقف حرب إيران    محافظ أسيوط: توزيع 408 رأس أغنام على الأسر المستحقة بالقوصية والفتح ومنفلوط    تداول 21 ألف طن بضائع بموانئ البحر الأحمر    أمريكا لن تشارك.. 36 دولة برئاسة بريطانيا تجتمع اليوم للتنسيق لفتح "هرمز"    أسعار الذهب تتراجع 4% إلى 4580 دولارا للأونصة    "صدق عليه الكنيست".. مصر ودول عربية تدين قانون الإعدام في الضفة الغربية على الفلسطينيين    وزير الصحة يتابع تداعيات حادث المنوفية.. ويكلف نائبه بالتأكد من تقديم أقصى درجات الرعاية    السيطرة على حريق داخل برج سكني بطامية في الفيوم دون خسائر بشرية    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    طريق الأمل يبدأ من اليقين.. أفضل سبل تعامل أسرة الطفل المصاب بالتوحد مع المرض    فصل الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ 5 ساعات اليوم    طقس سيئ يضرب الشرقية والمحافظ يعلن الطوارئ القصوى    تفريغ كاميرات المراقبة بعيادة طبيب متهم بالتحرش بعاملة في مدينة نصر    السيسي وبوتين يقودان تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو.. محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس والطاقة والسياحة والقطاع الغذائي أبرزها    قائد الجيش الإيراني: من الضروري مراقبة تحركات العدو وأفعاله بدقة وحذر شديد    قصف جوي يستهدف مقر الحشد الشعبي في نينوى بالعراق    هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية ترصد موجات تسونامى بعد زلزال ضرب إندونيسيا    مواعيد مباريات الخميس 2 أبريل- مصر أمام ليبيا في شمال إفريقيا للناشئين.. ودوري المحترفين    بعد التعادل مع إسبانيا.. عودة بعثة منتخب مصر إلى القاهرة    جامعة العاصمة تهنئ الطالب يوسف عمرو عبد الحكيم بعد التتويج بذهبيتي إفريقيا لسيف المبارزة    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 28 من دوري المحترفين    طارق سليمان: مصطفى شوبير حجز مكانه في التشكيل الأساسي للمنتخب بكأس العالم    محافظ جنوب سيناء يتفقد أعمال تطوير مدرسة فيران الثانوية الصناعية    ارتفاع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه في بداية تعاملات اليوم    محافظ المنوفية ينتقل إلى موقع حادث السادات الذي أسفر عن مصرع 8 أشخاص وإصابة 4 آخرين    هام من وزارة المالية بشأن زيادة الأجور من أول يوليو| ماذا قال كجوك؟    أسعار الأسماك بأسواق مطروح اليوم الخميس 2-4-2026 .. التونة ب 200 جنيه    بدء إنتاج السيارة كوينج سيج جيميرا بعد 6 سنوات من الانتظار    وزير الصحة يتابع التداعيات الصحية للتقلبات الجوية: لا وفيات واستقرار حالة المصابين    حكومة أبوظبي: أضرار بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية بعد اعتراض صاروخ إيراني    «مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    بعثة منتخب مصر تصل القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديًا    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    محافظ قنا يعلن تعطيل الدراسة بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية ومدارس التمريض بسبب حالة الطقس السيء    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    التعليم: تأجيل امتحانات الشهر المقررة غدا في كل المحافظات التي لم تعلن تعطيل الدراسة    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    تأجيل الامتحانات مع استمرار الدراسة بسبب الطقس السيئ في بورسعيد    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«مكسيم جوركي».. الأديب الروسي في ذكرى وفاته ال77: نضال وكتابات ماركسية ونفي وموت
نشر في الوادي يوم 18 - 01 - 2014

في ذكرى رحيل الأديب الروسي "أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف" أو كما يطلق عليه "مكسيم جوركي"ال77, الذي غادر الدنيا في 18 يناير 1936 عن عمر يناهز ال68 من عمره بعد مرضه بشكل مفاجيء حيث كتب البعض حينها عن شكوك حول قتله بالسم.
ولد "جوركي" في 28 مارس 1868 في نجني نوفجراد، وأصبح يتيم الأب والأم وهو في التاسعة من عمره، فتولت جدته تربيته, وكان لهذه الجدة أسلوب قصصي ممتاز، مما صقل مواهبه القصصية. وبعد وفاة جدته تأثر لذلك تأثرأ كبيراً مما جعله يحاول الانتحار. جلس بعد ذلك على قدميه في أنحاء الإمبراطورية الروسية, لمدة خمس سنوات غير خلالها عمله عدة مرات, وجمع العديد من الانطباعات التي أثرت بعد ذلك في أدبه.
تعنى كلمة جوركى باللغة الروسية "المر" وقد اختارها الكاتب لقبا مستعارا له من واقع المرارة التي كان يعانى منها الشعب الروسى تحت الحكم القيصرى والتي شاهدها بعينه خلال المسيرة الطويلة التي قطعها بحثا عن القوت ، وقد انعكس هذا الواقع المرير يشكل واضح على كتاباته وبشكل خاص في رائعته "الأم".
تأثرت عدة اجيال من المثقفين العرب في الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين بأدب الكاتب الروسي الكبير مكسيم جوركي. وترجمت اعماله الى العربية، واعتبرها الكثيرون رمزا لنضال الطبقات الفقيرة و"المخلوقات التي كانت بشرا".
واعتمدت قوى اليسار في العراق روايته "الأم" كنموذج لوقوف العامل ضد الظلم وسلبه حقوقه، ومضت في هذا مع الموقف الرسمي في الاتحاد السوفيتي من هذا الكاتب. لكن ما حدث بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991 هو ان اللبراليين الروس بقيادة الشيوعي السابق بوريس يلتسين، وهم من انصار التوجه نحو الغرب، وجّهوا نشاطهم نحو ازالة جميع رموز العهد السوفيتي. فتغير اسم لينينغراد الى سانكت- بطرسبورغ، ورُفعت نصب لينين ودژيرجينسكي وسفردلوف وغيرهم من زعماء البلاشفة من كافة المدن الروسية.
وطالت هذه الحملة الكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي. فتغير اسم مدينة جوركي الى نيجني –نوفغورود وكذلك تغيرت اسماء محطات مترو الانفاق في موسكو وسانكت-بطرسبورغ وقازان، وتغير اسم شارع جوركي الرئيسي بموسكو الى شارع تفيرسكايا ورفع نصبه المقابل لمحطة قطار بيلوروسكي (مؤقتا كما قيل).
كما تغيرت تسميات الاستديو السينمائي والمسارح والمتنزهات والشوارع التي تحمل اسمه، ومعهد الادب بموسكو وعدة جامعات ومكتبات في مختلف المدن. ولكن من الصعب شطب اسم غوركي من تأريخ الثقافة الروسية والعالمية مهما حاول اللبراليون ذلك فهو عملاق في عالم الادب. ولهذا تواصل دور النشر اليوم اصدار كتبه كما يتواصل صدور الدراسات عنه بهدف اعادة تقييم دوره الحقيقي في الادب الروسي. بينما يستمر تقديم مسرحياته على خشبات المسارح في كافة المدن الروسية الى جانب مسرحيات بوشكين وغوغول وتولستوي وتشيخوف.
الكثير من الأعمال الروائية والقصصية للكاتب جوركي تحتوي على وصف للمجتمع الروسي بتقاليده وفلكلوره ولغته وآماله، إذ نجد في روايته "منزل أرتمانوف" عائلة تمتدُّ لثلاثة أجيال تبدأ في العام 1861، مع تحرُّر أحد الخدم لدى الإقطاع، ليؤسس مصنعاً صغيراً يتعاقب عليه أولاده وأحفاده، ويختار أحدهم طريق الثورة في العام 1917.
يعتبر جوركي من أكثر الكُتَّاب الروس شعبية في بلدان المشرق العربي، نتيجة اتباعه أسلوب الواقعية الاشتراكية التي استخدمت كمنهج لدى الكثير من الأدباء والكتاب السوريين، وفي مقدمتهم الراحل "أبو علي ياسين" والروائي والكاتب "نبيل سليمان".
وكتب جوركي للمسرح أكثر من عمل منها "فاسا جيليزنوفا" التي ترجمها إلى العربية مطانيوس مقدسي، ومسرحية "البرجوازي الصغير" التي عُرضت على منصة مسرح موسكو في العام 1902، حيث ذاع صيته بعد عرضها، وتحولت أعماله "ايغور بولتشين 1932، ودستي غاييف 1933" إلى أعمال مسرحية هامة في المسرح الدرامي الروسي.
تعرَّض جوركي في حياته للسجن حين غضب عليه القيصر، ووقف إلى جانبه في هذه المحنة الكاتب والمسرحي أنطوان تشيخوف وكوريلنكو لحين خروجه من السجن، إذ أسس مجلة شهرية متأثراً بتولستوي، ونشر فيها ترجمات عديدة لأعمال أدبية من كافة أنحاء العالم، وفي العام 1916
البلاشفة قد صنعوا من مكسيم جوركي بمثابة "ايقونة" يتبرك بها الناس مثل جثمان لينين المحنط في الساحة الحمراء ، بعد ان اعلنوا الالحاد بوصفه الايديولوجية الرسمية للدولة. فهو "نذير الثورة" الذي بشر بهبوب العاصفة الثورية، وهو الكاتب البروليتاري العظيم ومؤسس " الواقعية الاشتراكية" المذهب الرسمي للدولة السوفيتية في الادب والفن. واسبغوا عليه هالات التعظيم لكونه صديق فلاديمير لينين ويوسف ستالين والمقرب من القادة الآخرين في الحزب والدولة، ولكونه وقف الى جانب حزب البلاشفة قبل الثورة وسخّر قلمه في دعم خطهم السياسي. وبلغ الامر حداً انه هاجم مسرح موسكو الفني بسبب تقديمه لرواية دوستويفسكي " الممسوسون " على خشبة المسرح لأنها تدين الارهاب في النضال السياسي .انها الرواية ذاتها التي وصفها لينين بأنها سخافات " لا وقت لدي لمطالعتها..ورميتها جانبا".
لقد حاول ستالين بكل السبل ربط جوركي بشخصه للأستفادة منه لأغراض دعائية . ولهذا استدرجه للعودة الى الاتحاد السوفيتي بعد ان غادره بإصرار من لينين في عام 1921 . وقد ضاق لينين ذرعا آنذاك بطلبات جوركي دفاعاً عن المثقفين " البرجوازيين" وبينهم الارستقراطي الشاعر ألكسندر بلوك الذي اصيب بمرض شديد ووجب علاجه في الخارج لكن لم تسمح له السلطات بذلك خوفا من نشاطه ضدها بالرغم من تأييده لثورة اكتوبر ، فتوفي في نهاية الامر بعد مماطلات طويلة. كما طلب جوركي اصدار العفو عن الشاعر نيقولاي كوميليوف (زوج الشاعرة آنا آخماتوفا) الذي اعدم لاحقاً.
وترك جوركي روسيا بعد ان قال له لينين :" ان صحتك ليست على مايرام ويجب ان تسافر للعلاج ..واذا رفضت فسنرحلك ...". فسافر الى المانيا بعد ان اصابته بخيبة أمل شديدة بالنظام الجديد بما إتسم به من "العنف الثوري" و" الارهاب الاحمر" وغير ذلك من الوقائع التي رافقت أحداث السنين الاولى من قيام الثورة وسنوات الحرب الاهلية، وكان من ضحاياها العديد من رجال الثقافة والادباء والفنانين الروس أيضا. ولهذا راود جوركي الشك في سلامة نهج الثورة الاشتراكية آنذاك بالرغم من انه كان من مؤيدي الحركة الاشتراكية – الديمقراطية في روسيا وشارك في ثورة عام 1905 وطاردته السلطات القيصرية ودخل السجن. وكانت الاشتراكية تعني بالنسبة الى جوركي ان اناس العمل سيعيشون في ظل النظام الجديد في بهجة ورفاه وعيد مستمر. لكن ما شاهده بعد الثورة من خداع للفلاحين الذين لم يحصلوا على الارض والعمال الذين لم يصبحوا اصحاب المصنع الفعليين كما وعدهم البلاشفة قبل الثورة، حيث ترأسها رجال الحزب الذين غالباً ما لم تكن لهم علاقة بالصناعة اصلا، علاوة على مطاردة كل من يدعو الى التعددية الفكرية والسياسية، وكذلك قيام تروتسكي بتأسيس معسكرات الاعتقال "الغولاغ".
وقد أراد تروتسكي بذلك في الواقع – كما يعتقد العديد من المؤرخين - حل مشكلة خراب الاقتصاد السوفيتي بعد الحرب الاهلية باستغلال السجناء في تنفيذ مشاريع كهربة البلاد وبناء مؤسسات الصناعة الثقيلة. وبعد خيبة الامل هذه استقر بغوركي المقام في المانيا حيث اصدر جريدة ونشر المقالات في الصحف الالمانية وانتقد فيها السلطة السوفيتية بشدة. وكانت مقالاته الانتقادية مثل " الفلاحون الروس " و"القسوة الروسية " و"المثقفون والثورة" و" رسالة الكاتب والادب في زماننا " ، وكذلك دعوته الى اناتول فرانس للقيام بحملة عالمية للدفاع عن الادباء الروس السجناء قد أثارت انزعاج وغضب لينين الذي كان يعتبر غوركي صديقا حميما له وحتى عاش في بيته في كابري في عام 1910 في سنوات النفي والاختفاء. وكان غوركي غالبا ما يجادل لينين في موضوع الدين ودوره في المجتمع ورسالة الثقافة في تغيير المجتمع. وبرأيه ان المجتمع لا يمكن ان يتطور بدون وجود مشروع ثقافي ضخم. فالثقافة أساس كل تطور في المجتمع.علما أن لينين مثلا كان يرفض بشكل قاطع قبول وجود الدين بأي شكل كان في المجتمع الاشتراكي ولو تطلب الأمر ممارسة القمع، واتخذ موقفا متشددا لحد الغلو من هذا الامر. ولهذا دمرت في روسيا الكنائس التأريخية (جرى نسف كاتدرائية المسيح المخلص بموسكو، علما انها من حيث القيمة المعمارية مثل كاتدرائية ويستمنستر في لندن او كاتدرائية نوتردام في باريس او كاتدرائية القديس بولس في روما.. فماذا لو جرى نسف هذه ايضا بالديناميت ؟، بينما كان لدى جوركي مفهومه عن الدين الواقع تحت تأثير الفيلسوف نيتشه و"الانسان الاعلى"، ورأى ان الآمر يخص الفرد نفسه في الانتماء الديني ،ولكنه لا يرى ضرورة لابعاد الناس البسطاء عن الدين قسرا بل يجب تنويرهم وتحويلهم تدريجيا الى النظرة العلمانية التي بشّر بها الاشتراكيون.
وانتقد جوركي قبل هذا نهج لينين في القيام بالثورة قبل الاوان، وحذّر من عواقبها المدمرة في سلسلة مقالاته بعنوان " افكار في غير وقتها " (العنوان مقتبس من مقالة للفيلسوف نيتشه) . ومع ذلك كان جوركي يدرك في اعماقه ان المستقبل في روسيا ايام الثورة سيكون للينين بينما كان الاخير يدرك بأنه لا يمكن بلوغ هذا المستقبل بدون جوركي الذي طبقت شهرته الآفاق آنذاك ليس في روسيا فقط، بل وفي اوروبا وامريكا حيث عرفه القراء بأعمال كثيرة منها " طفولتي " و"بين الناس" و" الام " وقصصه ومسرحياته عن حياة الفقراء والمحرومين والمشردين "الحفاة". وعاش جوركي في فترة 1921- 1923 متنقلا بين براغ وهلسنغفورغ وبرلين. وفي عام 1924 اشترى بيتا في سورنتو بايطاليا. وفيما بعد كتب في كابري مجموعة من خيرة اعماله منها رواية " عمل اسرة ارتامونوف" و"جامعاتي" وبدأ كتابة روايته الكبيرة"حياة كليم سامغين".
عندما استقرت الاوضاع في الاتحاد السوفيتي، عمل يوسف ستالين بكل ما في وسعه من اجل عودة جوركي الى الوطن، وعرض عليه شتى المغريات منها اطلاق الحرية له في تنظيم الحركة الثقافية في البلاد، وأكد له ان البلاد تخلصت من آثار الحرب الاهلية وبدأت عملية البناء وتحسنت معيشة الناس وان كافة الانباء حول معسكرات الاعتقال تروجها جهات معادية للسوفيتات. ان الانظمة الشمولية تسعى دوما الى وضع الشخصيات الثقافية والعلمية الكبيرة تحت سيطرتها لغرض استغلالها في تحسين صورتها في الداخل والخارج. وهذا بالذات ما سعي اليه يوسف ستالين .
وقام جوركي في عام 1928 بدعوة من ستالين بجولة في البلاد شاهد في خلالها منجزات الدولة الفتية وكتب بعدها سلسلة مقالات تحت عنوان " في ارجاء الاتحاد السوفيتي". وفي عام 1931 زار جوركي معسكر الاعتقال في جزر سولوفيتسكي في شمال البلاد، واثنى على معاملة السجناء فيه وظروف المعتقل. وفيما بعد استنكر العديدون موقف غوركي هذا ومنهم الكسندر سولجينتسين الحائز على جائزة نوبل. فكتب في روايته" ارخبيل غولاغ" :" وصلت الاشاعات الى سولوفكي (حول قدوم جوركي ) قبل الزيارة – فخفقت قلوب السجناء، واضطرب السجانون...ويجب على المرء ان يعرف السجناء لكي يتصور مدى ترقبهم لهذه الزيارة. فسيخترق وكر الظلم والتعسف والصمت الكاتب "الصقر والمنذر بالثورة" و! الكاتب الروسي الاول ! وسيكتب بعد هذا لمن يعنيه الامر! وسيريهم جلية الاوضاع ويقطع الشك باليقين. وسيدافع عنهم !".."وتململت ادارة المعتقل فقامت بإخفاء القباحة في المعتقل وبتزويق المكان. وكان الكرملين يرسل السجناء الى هناك بغية ان يبقى على قيد الحياة أقل عدد منهم. وجرى اخراج كثير من المرضى من جناح العلاج وتم تنظيف المكان. كما استُحدث رواق مشجرا بتثبيت اشجار الشوح بدون جذور على الجانبين في الطريق المؤدي الى اصلاحية الاحداث الذين لا يوجد بينهم اطفال غرباء-اجتماعيا ، وربما سيبدي جوركي الاهتمام بكيفية تربية الصغار وانقاذهم من اجل اعدادهم للحياة القادمة في ظل الاشتراكية " وهلمجرا. طبعا ان سولجينتسين الذي امضى 10 اعوام في معتقلات "الغولاغ " انطلق في رواية وقائع الزيارة من مشاعر الاذى والمذلة الشخصية التي تركتها في نفسه تلك الفترة.
لقد نشرت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بعض وثائق كي.جي.بي – لجنة أمن الدولة-، المتعلقة بغوركي ومنها الرسائل المتبادلة مع لينين وستالين ودژيردجينسكي وبقية رجال الحزب والدولة بعد ان رفعت عنها السرية، الى جانب تقارير المخبرين ورجال الامن عن نشاط جوركي . وتظهر هذه الوثائق صورة اخرى للكاتب غير ما اعتاد القراء الاطلاع عليه في العهد السوفيتي. إن مشكلة الدولة التي أسسها لينين هي انها تحولت تدريجيا من ايدي رجال الثورة ،"المناضلين الحالمين في بناء مجتمع العدالة والمساواة " والذين ضحوا بالكثير من اجل ازالة ظلم وتعسف السلطة القيصرية وآمنوا بايديولجية الثورة "الاشتراكية العلمية "، الى ايدي الموظفين الحزبيين الذين انضم البعض منهم الى الحزب من اجل كسب المنافع المادية والشخصية. بينما كان البعض الآخر من هواة السلطة والتحكم بمصائر الناس بإسم الحزب. وهؤلاء بالذات أثاروا استياء جوركي الذي أعتبر ان الثورة انحرفت عن مسارها. وفي عام 1930 انضم جوركي الى الاتحاد الاممي للكتاب الديمقراطيين مع رومان رولان وايلتون وينكلر والبرت اينشتين وهنريخ مان ولويس اراغون وايلزا تريوليه وغيرهم من كبار المثقفين في اوروربا الذين احتجوا على اعدام 48 شخصا في الاتحاد السوفيتي في "قضية الجوع "في الاتحاد السوفيتي.
في عام 1932 عاد جوركي الى الاتحاد السوفيتي بصورة نهائية. وكان قد ضعف الاهتمام به في اوروبا مع ظهور اتجاهات ادبية جديدة. وقدمت له الحكومة السوفيتية احد قصور المليونير ريابوشينسكي بوسط موسكو وفيللا تيسيللي في القرم. والهدف من هذا الاخير هو منعه من السفر الى الخارج والعودة الى اوروبا وكابري بذريعة ان جو القرم يشبه الجو في جنوب ايطاليا فلا داعي للسفر الى هناك للآستشفاء . كما اعد له فريق افراد الحاشية من اطباء ورجال خدمة وسائقين. والاهم من ذلك احاط به رجال جهاز الامن وعلى رأسهم هنريخ يهوذا مدير الدائرة العامة لأمن الدولة ووزير الداخلية ( مفوض الشعب للشئون الداخلية). وكان هذا اليهودي والفوضوي السابق(اسمه الحقيقي ينون غيرشينوفيتش يهوذا) قد دعم ستالين في عام 1928 حين جرت مظاهرات معادية له، ولهذا اعتمد عليه لاحقا في ادارة المعتقلات والسجون وأمن الدولة ، لاسيما لكونه قريبا من الزعيم البلشفي ياكوف سفردلوف الذي تزوج من ابنة شقيقته (لكن ستالين اعدم يهوذا في عام 1938 بتهمة التآمر مع الزمرة التروتسكية). ولهذا كانت جميع حركات جوركي تحت رقابة يهوذا الذي كان يطلع ستالين اولا بأولا على جميع لقاءات غوركي واحاديثه مع ابنه مكسيم واصدقائه المقربين. وفي الواقع وضع جوركي في " قفص ذهبي" وجرى استغلاله في السيطرة الحزبية على قطاع الثقافة. وتم تحت اشرافه اصدار عدد من الصحف والمجلات الادبية وتأسيس اتحاد الكتاب واصدار موسوعة " الادب العالمي". وعقد أول مؤتمر لأتحاد الكتاب وألقى جوركي فيه خطابا وافيا حول مهام الكتاب السوفيت في المرحلة الراهنة وتحدث فيه عن " الواقعية الاشتراكية" بأعتبارها الراية التي يجب ان يمشي تحتها جميع الكتاب والفنانين في البلاد ، للمساعدة في اعادة بناء حياة المجتمع السوفيتي.
وبدا قبول جوركي مسايرة السلطة الشمولية بقيادة ستالين شيئا غريبا حقا من جانب رجل عرف منذ طفولته بالتمرد والثورة على الظلم. وقد تلقى لدى عودته الى الاتحاد السوفيتي الضربات الواحدة تلو الاخرى وفي طليعتها فقدان ولده مكسيم في عز الشباب. وترددت اشاعات بأنه لقى حتفه بتدبير من يهوذا. واعترف بذلك سكرتيره وحارسه و"حاضنته" بيوتر كريوتشكوف لدى محاكمته في قضية التآمر المزعومة على ستالين من قبل بوخارين وزينوفييف وكامينيف. واعترف كريوتشكوف الذي اعدم مع زوجته فيما بعد بأنه متورط في حادث وفاة مكسيم. وقيل ان يهوذا كان يريد التخلص من مكسيم لانه معجب بزوجته الحسناء. ولكن المؤرخين يشكون في تورط كريوتشكوف الشديد الاخلاص لجوركي في حادث وفاة ابنه بالذبحة الصدرية بصورة مفاجئة. وقد كتب جوركي عن كريوتشكوف في رسالة موجهة اليه من سورنتو في ايطاليا في عام 1927 يقول :" حين اصبح ثريا سٍاقيم لك تمثالا كبيرا من البرونز في اكبر ساحة في المدينة . وسأفعل ذلك لأنك انقذت كتبي . وانا اقول هذا بجد ولست هازلا ، وانا اشكرك بالغ الشكر". فكيف يمكن لمثل هذا الشخص ان يقتل ابنه بالرغم من اعترافه تحت التعذيب بأنه فعل ذلك. من جانب آخر كان ستالين يخشى جوركي الذي الذي لم يصبح ابدا من افراد حاشيته، ويحيط به اشخاص لم يكن ستالين يحبهم مثل ريكوف وبوخارين وكامينيف وزينوفييف رغم انهم من زعماء البلاشفة، لكنهم كانوا من خصوم ستالين في اللجنة المركزية.
أخيراً حقق غوركي مجداً أدبياً وإنسانياً بقوة فنه، وعمق مفرداته، التي وصلت إلى أعماق العقول والقلوب الروسية والإنسانية، لتلمسه قضايا وحياة المظلومين في روسيا والعالم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.