التسعيرة: ابتدائى ب20جنيهًا.. إعدادى ب40 وثانوى ب80.. والنتيجة الوفاة رئيس لجنة التأديب بالنقابة: شطب الأطباء المتورطين ويجب تغيير ثقافة المجتمع مساعد وزير الصحة: 25 ألف فتاة تعانى تشوهات الجهاز التناسلى بسبب الختان ميار حسين وهبه علاء، فتاتان لا تتجاوز أعمارهما السادسة، كانت ضحكاتهما تهز جدران منازل أسرتيهما، إلا أن تلك الابتسامات بدأت فى الاختفاء شيئًا فشيئًا، حتى انتهت عندما لقيتا حتفهما بسبب تقاليد خاطئة تتبعها أسرتاهما فى الأرياف، كل ما قاموا به هو إجراء عمليات ختان لفتاتين، يجرمها القانون، ويحظرها قرار وزير الصحة 271 لسنة 2007، الذى تضمن فى مادته الأولى، أنه «يحظر على الأطباء وأعضاء هيئة التمريض وغيرهم إجراء أى قطع أو تسوية أو تعديل لأى جزء طبيعى من الجهاز التناسلى للأنثى (الختان)، سواء فى المستشفيات الحكومية أو غير الحكومية وغيرها من الأماكن، ويعتبر قيام أى من هؤلاء بإجراء هذه العملية مخالفًا للقوانين واللوائح المنظمة لمزاولة مهنة الطب». وبالرغم من تلك العقوبات، إلا أن الأهالى يجرون تلك العمليات باعتبارها تطبيقًا للشريعة الاسلامية وحفاظًا على العفة – حسبما أكدوا ل«الصباح» فى شهادات موثقة. حديث الضحايا عينها لم تكف عن البكاء والندم على ما فعلته بابنتها التى توفيت جراء عملية ختان، تقول سحر والدة الطفلة ميار حسين، «توفيت ابنتى الكبيرة، وأرى دماءها يومياً، عندما بلغت السادسة من عمرها اتفقت معى والدتى على أنها أصبحت ناضجة ولابد من ختانها للحفاظ على عفتها، رفضت فى بادئ الأمر ثم أقنعتنى لاحقاً، مبررة أن الختان سوف يحميها». وتضيف سحر «ذهبت بميار وصديقتها هبة التى تضاهيها فى العمر بعد أن أقنعت والدتها، إلى عيادة طبيب متدين بمنطقة السيدة زينب، وعقب إجراء العملية ظلت ميار تنزف حتى توفيت، وتقدمت بشكوى ضد هذا الطبيب بنقابة الأطباء رقمها 225 لعام 2013». محررة «الصباح» حصلت على اسم الطبيب ويدعى «محمد.ح» أخصائى أمراض تناسلية، وذهبت لمقر عيادته بشارع بورسعيد فى حى السيدة زينب، وحجزت دورًا مع المرضى لانتظار دورها لإجراء عملية ختان لإحدى بناتها، لكن الممرضة قالت إن العمليات تكون يوم الجمعة فقط، وتبدأ عقب صلاة الجمعة حتى نهاية اليوم، وذهبت محررة «الصباح» يوم الجمعة وادعت أن لديها بنتًا تبلغ من العمر 15 سنةً وتريد أن تجرى لها عمليت ختان ثم انتظرت دورها فى الطابور ما يقرب من أربع ساعات، تتحاور مع أمهات ينتظرون دورهن. العيادة توجد بشارع ضيق لا يمر به سوى أفراد قليلين، بجانب مصانع (الرشيدى الميزان) بالسيدة زينب، العيادة توجد بعقار متهالك بالدور الثانى من بداية البناية، سيدات يحملن بناتهن والمدهش أن هناك فتيات بالمرحلة الثانوية تتجاور أعمارهن من 15 إلى 17عامًا، العيادة لا تختلف كثيراً عن المقابر، فالتراب يغطى ملامحها، والممرضة تصرخ من حين لآخر فى السيدات حتى يخفضن صوتهن ليستطيع الدكتور أن يعمل بدون إزعاج، والعيادة عبارة عن غرفة وحمام وصالة تعج بالزبائن ولا وجود لمكان تقف فيه. الملفت للنظر هو وجود ورقة معلقة على حائط العيادة مدون بها أن الأطفال بالمرحلة الابتدائية يدفعون «أجرة كشف» 20 جنيهًا وبالمرحلة الإعدادية 40 جنيهًا وبالمرحلة الثانوية 80 جنيهًا، وإذا قمت بدفع 150 جنيهًا تحت بند «كشف مستعجل» تدخل مباشرةً، أما إذا دفعت 50 جنيهًا «بقشيش» للممرضة فستجعل اسمك بالأوائل، كل أم تدخل بابنتها إلى الطبيب تخرج بها فاقدة الوعى على كتفها وبيدها منديل من كثرة الدماء اختفت معالم لونه الأبيض، إلى أن جاء دور معدة التحقيق فدخلت ومعها طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات، فوجدت حجرة صغيرة وسريرًا صغيرًا معلقة فوفه ورقة الأسعار، والدماء تغمر يد الطبيب وأدواته بجانب المكتب، فزعمت محررة «الصباح» أن مشهد الدماء يثير أعصابها وخرجت مسرعة. عيادات سرية عيادة السيدة زينب ليست استثناء فى إجراء ختان البنات، المُجرمة قانونًا، لكن هناك عشرات العيادات الأخرى على نفس الشاكلة. شارع رئيسى يمتليء بالسيارات بالسيدة عائشة، حيث يوجد طبيب سلفى، هكذا يطلق عليه سكان المنطقة بشارع المعز خلف مسجد السيدة عائشة، حيث توجد عيادة الدكتور « أحمد.ر» أخصائى أمراض جلدية وتناسلية، ولا يختلف عن سابقه، إلا أن شهادات الأهالى اتفقت على تدين هذا الطبيب. تقول آيات مرزوق 40 سنة، ومعها فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً «د.أحمد ايده كويسة وبيقول بسم الله قبل ما بيعمل العملية وكمان بيصلى وبيعرف ربنا فيخاف على عورة بنتى، ولم يتوف أحد على يديه قبل ذلك، ودليل كده إن العيادة بها ما يقرب من 20 أمًا». معظم الأمهات اللاتى التقتهن «الصباح» تحدثن عن أخلاقه وحين دخل الدكتور العيادة كان ينظر فى الأرض، ذو لحية بيضاء وشعر أبيض وبيده مسبحة، وخصص يومى الخميس والجمعة عقب صلاة المغرب لعمليات الختان، بأسعار من «100 إلى 150» جنيهًا، المدهش أن جميع الأهالى مؤمنون أنه ينفذ شرع الله ويحافظ على عفة الفتيات -بحسب زعمهم. عمر عز، أحد جيران الطبيب يقول «توفيت على يد الدكتور قبل ذلك فتاة وذهبت أسرتها الى المستشفى مسرعين بسبب النزيف الشديد الذى حدث لها وجاءت الشرطة إلى العيادة، ولكنه عاد إلى عمله مرة أخرى فعلمنا أنه دفع مبالغ باهظة لأهالى الفتاة تعويضًا عن وفاتها». 125 ألف مختتنة.. فى سنة «الصباح» واجهت الدكتور صابر غنيم، مساعد وزير الصحة للعلاج الحر ومدير إدارة التراخيص الطبية، بما وثقته، فطلب قائمة بهؤلاء الأطباء إلى الوزارة حتى يتم غلق العيادات وتحويل هؤلاء الأطباء إلى التأديب، مشددًا على ضرورة توعية الأهالى بأن ما يقومون به كارثة بحق أبنائهم، وبالأضرار النفسية والجسدية التى تصيب بناتهم. يقول غنيم «مصر تحتل المرتبة الأولى فى العالم، فى عمليات ختان البنات، وعدد الإناث اللاتى أجريت لهن عمليات ختان العام السابق وصل إلى 125 ألف فتاة تترواح أعمارهن من الخامسة إلى ال15، بالإضافة إلى أن هناك من يتم معالجتهن نفسيًا بسبب عملية الختان، كما أن هناك 25 ألف فتاة تعرضن لتشوهات بالجهاز التناسلى، جراء تلك العمليات». آثار نفسية واجتماعية فيما تؤكد الدكتورة منال زكريا، أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة القاهرة، أن «التوعية التى تقوم بها وزارة الصحة، لم تمنع العديد من الأهالى من ختان فتياتهم وما زالت هناك أسر كثيرة تفعل ذلك، رغم أن الختان شكل من أشكال الإساءة للفتيات، لأن هذا الجزء من الجهاز التناسلى منبع الرغبة الجنسية للأنثى، كما أنه هو ما يمنح الإحساس بالشبع الجنسى وبالتالى فهو مطلوب وبتره أو استئصاله يؤدى إلى كوراث». أضافت «نحتاج إلى أن نربى بناتنا على العفة بدون عمليات الختان ونزرع بداخلهن القيم والأخلاق، فالختان يقود إلى فشل العلاقة الزوجية، والرغبة فى الانتقام ممن فعل ذلك، والإحساس بالنقص وسلب الإرادة».
الدكتور طارق كامل رئيس لجنة التأديب بنقابة الأطباء، يقول «القانون يجرَّم ختان الإناث، والعائق أمامنا أن الأهل هم من يذهبون بكامل إرادتهم دون إجبار أحد، وهذه العادة ما زالت منتشرة، والجديد أنهم الآن باتوا يذهبون إلى الأطباء بدلًا من حلاق الصحة أو الداية، وخلال العام الماضى أقدمت النقابة على شطب طبيب، بعدما شكاه أهل فتاة توفيت نتيجة نزيف أعقب ختانه لها، وهو مسجون حاليًا، فالقانون يحبس والنقابة تشطب ولكن الحل الحقيقى فى تغيير ثقافة المجتمع، والنقابة لا تتلقى شكاوى الختان إلا فى حالات الوفاة فقط».