استقرار أسعار العملات العربية في بداية تعاملات اليوم 31 يناير 2026    أخبار مصر: وثائق إبستين تفجر مفاجأة عن ترامب وميلانيا، الكشف عن هوية كاتب بيان إمام عاشور، كارثة في نادٍ رياضي بطنطا    أول تعليق إيراني على وساطة تركيا و"اجتماع ترامب وبزشكيان وأردوغان"    كرة اليد، موعد مباراة مصر وتونس في نهائي أمم أفريقيا    رياح وأتربة.. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس اليوم    وظائف حكومية| فرصة عمل ب وزارة النقل.. قدم الآن واعرف المطلوب    صرخات تحت الأنقاض.. شهداء ومصابون في قصف إسرائيلي بغزة    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يتقبل اعتذار «عاشور».. ووفاة 227 ضحية انهيار منجم بالكونغو الديمقراطية    السيسي: أطمئنكم أن الوضع الداخلي في تحسن على الصعيد الاقتصادي والسلع متوافرة    طقس المنيا اليوم، ارتفاع درجات الحرارة وتحذير من الشبورة    معرض الكتاب يتخطى 4.5 مليون زائر.. كاريكاتير اليوم السابع    سهير الباروني، حكاية "كوميديانة" حفيدة رفيق عمر المختار في جهاده التي ماتت قهرا على فقدان ابنتها    حركة القطارات| 90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 31 يناير 2026    نشرة أخبار طقس اليوم السبت 31 يناير| الحرارة ترتفع ورياح مثيرة للرمال تسيطر علي الأجواء    ندوات توعية بقرى المبادرة الرئاسية حياة كريمة بأسوان    رئيسة فنزويلا بالوكالة تعلن عفوا عاما وإغلاق سجن سىء الصيت    227 ضحية في كارثة منجم جديدة تهز الكونغو الديمقراطية    طوارئ في «الجبلاية» لتجهيز برنامج إعداد الفراعنة للمونديال    أيمن أشرف يعلن اعتزاله اللعب    مجلس الشيوخ يوافق على حزمة تمويل مع قرب إغلاق جزئي للحكومة الأمريكية    الرئيس البرتغالي يمنح حاكم الشارقة أعلى وسام شرف ثقافي سيادي    صالون حنان يوسف الثقافي يفتتح موسمه 2026 تحت شعار «العرب في الصورة»    مئوية يوسف شاهين.. المخرج الذي عاش في الاشتباك    ديلسي رودريجيز تعلن قانون عفو عام في فنزويلا    مصرع طفل سقطت عليه عارضة مرمى داخل نادى في طنطا    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    «صوت لا يُسمع».. الصم وضعاف السمع بين تحديات التعليم والعمل وغياب الدعم    موقف الأهلي بعد اعتذار إمام عاشور.. وحقيقة تخفيض العقوبة    بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا يزور رئيس جمهورية بنما    عميد طب طنطا يستقبل وفد لجنة الاعتماد بالمجلس العربي للاختصاصات الصحية    قائمة متنوعة من الأطباق.. أفضل وجبات الإفطار بشهر رمضان    فيديوهات ورقص وألفاظ خارجة.. ضبط صانعة محتوى بتهمة الإساءة للقيم المجتمعية    شوبير يكشف تفاصيل العرض العراقي لضم نجم الأهلي    مصدر من الاتحاد السكندري ل في الجول: حدثت إنفراجة في صفقة مابولولو.. والتوقيع خلال ساعات    هادي رياض: حققت حلم الطفولة بالانضمام للأهلي.. ورفضت التفكير في أي عروض أخرى    تراجع الذهب والفضة بعد تسمية ترامب مرشحا لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي    رويترز: مصرع أكثر من 200 شخص في انهيار منجم كولتان شرق الكونغو الديمقراطية    أطباء مؤسسة مجدي يعقوب يكشفون أسرار التميز: ابتكارات جراحية عالمية تنطلق من أسوان    الشركة المتحدة تعرض 22 برومو لمسلسلات دراما رمضان 2026 خلال حفلها    الحكومة تحسم الجدل: لا استيراد لتمور إسرائيلية ومصر تعتمد على إنتاجها المحلي    آدم وطني ينتقد تصرف إمام عاشور: ما حدث يضرب مستقبله الاحترافي    تصفية عنصر إجرامي أطلق النيران على أمين شرطة بالفيوم    مجلس الوزراء يستعرض أبرز أنشطة رئيس الحكومة خلال الأسبوع الجاري    مجدي يعقوب: الطب يحتاج إلى سيدات أكثر ولابد من منحهن فرصة أكبر    أجندة فعاليات اليوم العاشر من معرض الكتاب 2026    اليوم، انطلاق المرحلة الثانية من انتخابات النقابات الفرعية للمحامين    الجوع في البرد يخدعك، كيف يسبب الشتاء زيادة الوزن رغم ارتفاع معدلات الحرق؟    حملة مرورية لضبط الدراجات النارية المسببة للضوضاء في الإسكندرية    زيلينسكي: روسيا تغيّر تكتيكاتها وتستهدف البنية اللوجستية بدل منشآت الطاقة    مصرع شاب وإصابة 3 آخرين في تصادم دراجتين ناريتين أثناء سباق بالقليوبية    هبوط الذهب عالميًا يضغط على السوق المصرى.. الجنيه الذهب عند 54 ألف جنيه    وزارة «الزراعة»: تحصين 1.7 مليون رأس ماشية ضد «الحمى القلاعية»    السيد البدوي يتوج برئاسة حزب الوفد بفارق ضئيل عن منافسه هاني سري الدين    السيسي يكشف الهدف من زيارة الأكاديمية العسكرية    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    حكم صلاة الفجر بعد الاستيقاظ متأخرًا بسبب العمل.. دار الإفتاء توضح الفرق بين الأداء والقضاء    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 30يناير 2026 فى محافظة المنيا    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



« إبسوس » المتهمة بالنصب على الفضائيات تتجسس على المصريين
نشر في الصباح يوم 25 - 01 - 2014

قبل نحو عام وبالتحديد فى 14 إبريل 2013 انفردت «الصباح» بالكشف عن قيام شركة «إبسوس» الفرنسية المتخصصة فى مجال الأبحاث واستطلاعات الرأى العام، بالتجسس على المصريين، وربما لم يلتفت البعض لهذا الانفراد الذى بات مؤكدا بعدما تقدمت أخيراً أربع قنوات فضائية هى «النهار» و«الحياة» و«cbc» و«ON TV»، ببلاغ رسمى، يتهم الشركة بتهديد الأمن القومى المصرى، وتعمد تغيير الحقائق فى التقارير الصادرة عنها حول ترتيب القنوات ونسب المشاهدة لصالح محطات فضائية أجنبية، ليؤكد أن «الصباح» سبق وأن انفردت به فى تحقيقها الاستقصائى حول تلاعب الشركة واستخدامها لهذه الأبحاث فى أغراض أخرى.
«الصباح» سبقت الجميع باختراق شركة «إبسوس» العالمية، منذ نحو سنة، وقامت بالاطلاع على جميع معاملات الشركة المريبة، التى أكدت بما لا يدع مجالاً للشك، نشاطها التجسسى، من خلال إجرائها استطلاعات رأى للشارع المصرى، تشمل أسئلة تبدأ من عشق الشيكولاتة، مرورا بكرة القدم والفن والاقتصاد وصولا إلى أسئلة ذات علاقة بالأوضاع السياسية الراهنة، عبر استمارات تأتى من دولة منشأ الشركة «فرنسا».
اختراق الشركة لم يكن عملًا سهلًا، لكنه لم يكن مستحيلًا، فهذه الشركات فى حاجة دائمة إلى باحثين، يوزعون الاستمارات ويجمعون البيانات، وتحتاج الشركة، إلى شباب دون الثلاثين، من وقت لآخر، والشركة تمارس عملها فى مصر، منذ نحو خمس سنوات، ويديرها «ع. ق. أ» وهو أستاذ فى الجامعة الأمريكية، وتتخذ من أحد الأبنية الكبرى فى منطقة المعادى مقرًا لها، وللشركة 83 فرعًا حول العالم، منها فرع فى إسرائيل.
وتمارس الشركة عملًا يبدو فى ظاهره جمع بحوث واستطلاعات حول المنتجات والشركات، وتستخدم لجمع تلك المعلومات استمارات بيانية، لعمل الإحصاءات حول آراء المواطنين، فى المنتجات أو الجهات HYPERLINK «http://» «blank» مشروع البحث، وخلال الاستمارة يتم وضع أسئلة يمكن من خلالها قياس الرأى العام، ومؤشرات الأسواق والاقتصاد والحالة الاجتماعية، بالإضافة إلى قاعدة بيانات ضخمة للمواطنين المصريين.
بداية الخيط الذى انطلق منه محرر «الصباح»، كان بلاغاً للنائب العام يحمل رقم 3384، ضد الشركة يتهمها بالتجسس، فحاولنا الوصول إلى تفاصيل أكثر عن مقدم البلاغ، ويروى محرر «الصباح» قصته قائلاً: «لم أستطع الوصول إلى تفاصيل عن مقدم البلاغ، فقررت التوجه إلى المقر الرئيسى للشركة بالمعادى للتعرف على الأمر عن كثب، وحاولت الحصول على عمل داخلها ففشلت فى البداية، ما دفعنى إلى إعادة المحاولة عبر التعرف على أحد موظفى الشركة من ذوى الثقة داخلها. خمسة عشر يوما بذلت خلالها جهدا مضنيا للتعرف على «سعيد» وهو شاب فى بداية العقد الرابع من العمر، يعمل مدربا بالشركة منذ ثلاثة أعوام، وأقنعته بكل السبل أن قدراتى الخاصة تتوافق مع هذا النوع من الأعمال».
وبالفعل قدمنى سعيد لشخص آخر يدعى هلال، وهو شاب فى منتصف العشرينيات ليتولى أمرى داخل الشركة، وساعدنى فى حضور أول تدريب للباحثين داخل المقر الرئيسى، فى قاعة تدريب بها ثلاثون مقعدًا، يجلس بها قرابة خمسة عشر شخصا أعمارهم تتراوح بين العشرين والثلاثين، منهم أربعة مدربون، والقاعة مزودة بكاميرات مراقبة وشاشة عرض يقف فى منتصفها مدرب أكبر عمرا لى شرح طريقة إقناع المواطنين بملء استمارات الاستطلاع والإجابة عن الأسئلة الموجودة بها، ومن ثم شرح كل ما يخص «الاستمارة» نفسها محل البحث ويساعده فى الشرح مجموعة من المدربين الآخرين.
استمر التدريب الأول نحو أربع ساعات متواصلة على كيفية جمع المعلومة عبر «الاستمارة» وكيفية الحديث مع المواطن أو المبحوث، وعندما اعترض أحد المتدربين على بعض الأسئلة الخاصة بقسم «المشاعر» وهى أسئلة توجه إلى العميل حول مدى «عشقه للشيكولاتة» قالت المدربة: «إحنا مالناش دعوة هى جاية كدا من بره وإحنا بنعملها زى ما هما عايزين».
وبعد التدريب النظرى أخبرنى سعيد المدرب الأكبر عمرا أن اليوم الأول انتهى، وأن عليّ قراءة الاستمارة جيدا، قبل النزول إلى الشارع والعمل ميدانيا على جمع المعلومات، مؤكدا لى أن «هلال» وهو باحث أكثر خبرة، سوف يرافقنى فى اليوم التالى للبدء فى العمل الميدانى، وختم حديثه معى قائلًا: «فقط عليك أن تهدأ وألا تشعر بالخوف فالجميع بدءوا هكذا متوترين وخائفين لكن لن يستغرق الأمر أكثر من جولة واحدة حتى تعتاد الوضع».
جمع المعلومات
صبيحة اليوم التالى التقيت هلال، فى أحد مقاهى الجيزة ومعه ثلاثة آخرون فى يومهم الأول مثلى تماما، وأخبرنى أنه يعمل فى تلك الشركة منذ ثلاثة أعوام ويتقاضى 12 ألف جنيه شهريا من جمع الاستمارات، حيث تسدد الشركة للباحث عن الاستمارة الواحدة مبلغ 15 جنيهاً، وكلما أنجز عددا أكبر زاد دخله، وأكد لى أنه لا يوجد سقف أعلى لعدد الاستمارات التى أستطيع جمعها، ثم قام بتوزيعنا جغرافيا على شوارع الجيزة حاملين الاستمارات التى تتبع قسم الأبحاث، كما يسمونه بالشركة هذا القسم يرأسه «ص.ش» الذى يبلغ راتبه 40 ألف جنيه شهريا ويتنقل بين عدة دول، وهناك أقسام أخرى مثل «الميديا» الخاص برصد الإعلانات و«الكاتى» الخاص بإجراء بحوث عبر التليفون.
ثم شرح لى الاستمارة مرة أخرى قبل أن انطلق مع أحدهم فى أول تدريب عملى على جمع المعلومات، وكنا نطرق الأبواب ونخبر المواطنين أننا من شركة أبحاث تسويقية، الكثيرون فى البداية رفضوا الحديث معنا وبعد المزيد من المحاولات التقينا بمن لا يمانعون فى إبداء معلومات شخصية جدا تنتهى بأسئلة ديموجرافية خاصة بالبيانات الشخصية.
فى اليوم التالى استقبلنى «هلال»، بمقر الشركة بعد تغيير منطقة الاستطلاعات من الجيزة إلى المعادى، وهناك كانت بداية العمل الحقيقى، حيث قمت بجمع بيانات لخمس استمارات لم يمانع المبحوثون بها من الإدلاء بمعلومات شخصية عن حياتهم، ومستوى دخلهم الشهرى وهل يملكون «شاليهات» يذهبون إليها فى الصيف أم لا. كنت أتلقى مكالمة هاتفية من المشرف «كل ساعة تقريبا يسألنى فى لهفة «ماذا فعلت؟».. وبعد أن اطمئن لنجاحى، طلب منى التوجه ناحية ضواحى المعادى بمنطقة «عمر أفندى» وأن أعطى أولوياتى للمناطق الفقيرة والأكثر عشوائية.
مدة المشروع
الاستمارات تأتى من «فرنسا»، حيث مقر الشركة الأم ليترجمها فريق من المتخصصين داخل الشركة حتى تصل إلى الجمهور، مشروع الاستمارة الواحدة يستغرق شهرًا بحد أقصى؛ لتتغير الاستمارة إلى أخرى بأسئلة جديدة ونطاق مختلف، ومشروعات مختلفة وعمليات تدريب خاصة بالاستمارة الجديدة.
تحتوى الاستمارات على أسئلة من نوعية: ما هو رقم هاتفك المحمول؟ ثم البريد الإلكترونى، ثم أسئلة لها اختيارات متعددة، فعلى سبيل المثال تحتوى إحدى الاستمارات على الآتى:
*اسم المدينة ويتم تقسيمها إلى ريف وحضر.
*نوع السكن سواء كان تمليكًا أو إيجارًا «قديم - جديد»؟
*عدد حجرات المنزل «حجرة واحدة- حجرتان- ثلاث حجرات- أربعة فأكثر»؟
*عدد أفراد الأسرة؟
*هل هناك عامل أو خادمة فى المنزل؟
*نوع الأجهزة الموجودة فى المنزل «ديب فريزر- غسالة أوتوماتيك- دش- موبيل- فيديو- ثلاجة»؟
*نوع المدرسة «حكومية- تجريبية- عربى- لغات- مدارس خاصة.
*الشهادة الجامعية هل هى من داخل مصر أم من خارجها؟
*هل تملك بطاقة ائتمان؟
*هل لديك شاليه للمصيف خارج القاهرة؟
*هل لديك عضوية فى أى ناد؟
*ما نوع الطبقة الموجودة بالنادى «متوسطة- عالية- منخفضة- نوادى نقابات»؟
*هل سافرت للخارج «للسياحة - الحج»؟
*ما هى وظيفة رب الأسرة ودرجته الوظيفية؟
وتمضى الاستمارة فى محاولة لجمع المعلومات الخاصة، ومنها تنتقل إلى أسئلة على شاكلة هل تتابع القنوات الفضائية الأجنبية؟ وصولًا إلى مستوى الرضا عن الأمور فى مصر، ولا تضع الاستمارة تعريفًا لما تعنيه بكلمة «الأمور»، وما إذا كانت تقصد الأمور الاقتصادية أم السياسية. ما تستقصى الاستمارة معلومات حول الدخل والتوقعات بشأن زيادته أو نقصانه، خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وبخلاف المشاريع القادمة من الخارج، تتعاقد الشركة من حين لآخر، مع شركات مصرية أخرى لإجراء بحوث تسويقية لها حول السوق المصرية وعلى رأسها: شركات المياه الغازية والهواتف المحمولة الثلاث، وأثناء عملى قمت باستلام 300 استمارة خاصة بمشروع قدمته إحدى شركات الاتصالات المصرية التى تتعامل مع الشركة، تحمل أسئلة خاصة بالعروض والخصومات التى ستقدمها الشركة ومدى قبول المواطنين لها.
وهناك نوع آخر من الاستمارات يبلغ حجمها 140 ورقة يملؤها العميل مقابل «هدايا» خاصة من الشركة منها: الموبايلات والريسيفر والآى باد وتقدم لشرائح خاصة فى المجتمع، كرجال الأعمال، وتحصل الشركة من خلالها على معلومات لقياس الرأى العام، وبعد الانتهاء من جمع الاستمارات الخاصة، بكل مشروع يتم جمع النتيجة، من خلال أرقام تكتب إلى جانب كل سؤال وبجمع الناتج، يتم وضع «المبحوث» فى الاستمارة إلى الشريحة الخاصة به، والشرائح مقسمة إلى ثلاث فئات فقيرة ومتوسطة وغنية.
وتحذر الشركة المتدربين من أن يتم إجراء هذه الاستطلاعات مع أى من الصحفيين أو الإعلاميين، وعندما استفسرت من المشرف عن السبب قال: «حتى لا يتم نقل تفاصيل الاستمارة إلى شركات أخرى منافسة، فتعرف محتواها». وبعد شهر ونصف من العمل صباحا ومساء بأقصى جهد للحصول على ما يسمى ب«كود الباحث» للدخول إلى المرحلة الثانية والأهم من العمل، بما فيها من ترق وظيفى، وإجراء استطلاعات رأى فى المحافظات.
وبالفعل تم اختيارى للسفر إلى الإسكندرية ثم طنطا والمنصورة فى ثلاثة أيام لجمع ما يزيد على 300 استمارة بمعدل 100 استمارة لليوم الواحد، وأخبرونى قبل السفر أنهم استخرجوا لى «كارنيه الباحث» وهو عبارة عن كارنيه مدون به رقم الكود «13477» ووظيفتى باحث.
الاستمارة الخاصة بالمشروع قيد البحث أثناء السفر إلى ضواحى الأقاليم، كانت عن «الشيكولاتة» ومدى إقبال المواطنين فى الأقاليم عليها, وما هى الماركات المفضلة لديهم؟ وماذا عن الأنواع الأغلى ثمنا؟ ومعدلات شرائها؟، كانت الاستمارة مقسمة إلى أربعة أبواب منها قسم الإعلانات وهو الخاص بمدى متابعة إعلانات الشيكولاتة فى التليفزيون ومدى استيعاب العميل للرسائل الإعلانية، حيث يسأل المبحوث «ما هى الرسالة التى يريد الإعلان توصيلها؟ وهل اقتنعت بها؟». وهناك قسم آخر خاص بالاستهلاك ويخص القدرة الشرائية وعدد مرات الشراء يوميا أو أسبوعيا؟ ثم أسئلة حول المشاعر تجاه الشيكولاتة، ومدى عشق المبحوث لها، ثم البيانات «الديموغرافية» التى يرصد من خلالها العنوان والتليفون وكافة البيانات الخاصة بالعميل.
ومع الاضطراب الذى عاشته مصر، عقب إصدار الحكم فى مذبحة بورسعيد، مطلع فبراير 2013، بدأت الشركة توزع استمارات حول «الأولتراس»، وتحديدًا حول مدى عشق جمهور النادى الأهلى له، والمفارقة أن الاستمارات التى سعت إلى رصد هذا الأمر، كانت موجهة لأسئلة حول عروض شركات الهواتف، وكانت الأسئلة تستقصى هذا الأمر، ثم تنحرف إلى قضية الأولتراس.
واهتمت الاستمارات برصد مواقف مشجعى الأهلى فى حال فوز فريقهم ببطولة ما، وهل يفضلون الاحتفال فى الشارع؟ وإلى أى مدى يحبون فريقهم؟ وما مدى استعدادهم لتقديم أى شىء مقابل الفريق الذى يشجعونه؟ وكم حجم الأموال التى ينفقونها شهريا على الاتصالات؟ وأكثر الساعات التى يتحدثون فيها وإلى من يتحدثون؟، الأغرب هو أن عدد استمارات هذا المشروع كانت 300 استمارة فقط، ومطلوب الانتهاء منها بشكل عاجل.
«الشركة» من الداخل
تحتل شركة «إبسوس» دورا بالكامل فى الطابق السابع فى أحد الأبراج الشاهقة بالمعادى، الدور مقسم إلى 10 قاعات، منها قاعتان للتدريب مساحة كل منهما حوالى 15 مترا بها 25 مقعدا، وشاشة عرض وكاميرات مراقبة، وللقاعتين نفس الشكل والسمات، بالإضافة إلى غرف عمليات إعداد ومتابعة الاستمارات.
وهناك فريق عمل يتولى التحقق من «منطقية الاستمارة» كما يطلقون عليها بالشركة، وتعنى منطقية الاستمارة مدى صراحة «المبحوث» فى الإجابة عن الأسئلة، فقد تكون هناك إجابات غير منطقية لذا يجب أن يراجعوها ويقومون بتصحيحها حتى تصبح سليمة، على سبيل المثال قد يجيب أحدهم عن السؤال الخاص براتبه وأنه لا يتجاوز ال1000 جنيه ثم يتحدث عن شرائه يومياً ماركات شيكولاتة يتجاوز سعرها ال20 جنيها، ومهمة فريق المراجعة آنذاك هى التحقق من تلك الإجابات وتعديلها لتتسق مع بعضها حتى تكون «منطقية» وتعبر عن الحالة الاجتماعية الحقيقية للمبحوث، وقد يرفض المراجع الاستمارة ويدون عليها أنها «غير صالحة» إذا وجد أن هناك الكثير من الإجابات غير منطقية، أو إذا وجد أن هناك أخطاء تتعلق بالباحث فيما يتعلق بجمع المعلومات أو إذا وجد أسئلة داخل الاستمارة لم تتم الإجابة عنها.
إلى جانب تلك الغرفة توجد حجرة لرؤساء الأقسام ويتواجد بها ما يقرب من 5 أشخاص هم رؤساء أقسام «الأبحاث»، و«الفيلد»، و«الكاتى» و«الكول سنتر» وإلى جوارها توجد غرفة عملية «متابعة الاستمارة» والتحقق من البيانات، وقد تتبعت عمل هذه الغرفة، لأعرف ما هو نوع المعلومات التى ترصدها وتتحقق منها، حيث يعد عمل تلك الغرفة المرحلة الأخيرة بعد مراجعة الاستمارة، والمتابعة يقوم بها فريق من 12 فتاة فى العشرينيات من العمر، يتحققن من البيانات التى تم جمعها عن طريق الاتصال بالشخص المبحوث وسؤاله عن الإجابات المكتوبة فى الاستمارة، وهل هناك «باحث» من الشركة أتى إليه؟ وما هى المدة التى استغرقها الباحث معه؟
وإلى جانب غرفة «المتابعة» توجد قاعة «الكول سنتر» وهى أكبر القاعات فى الشركة يصل طولها إلى 15 مترًا وعرضها 5 أمتار، مليئة بأجهزة الكمبيوتر، ويجلس بها فريق من الباحثين القدامى مهمتهم إجراء البحوث عبر الهاتف، وعندما سألت المشرف الخاص بى فى قسم الأبحاث عن كيفية حصولهم على قاعدة بيانات بأرقام الهواتف، قال لى: إن لديهم قائمة بجميع هواتف المصريين، ويعملون على إجراء نفس الاستطلاعات التى نقوم بها لكن عن طريق الهاتف، جميع الطرقات بالشركة مزودة بكاميرات، وهناك غرف تم تخصيصها لوضع آلاف النسخ من الاستمارات المليئة ببيانات المصريين.
رئيس الشركة الدكتور «ع.ق.ا» المصرى الجنسية بدأت علاقته، بشركة «إبسوس» العالمية، لجمع المعلومات واستطلاع الرأى بالصدفة، حيث إنه بدأ بشركة من «حجرتين» يعمل فيها بمفرده بصحبة ثلاثة آخرين، حتى علمت شركة «إبسوس» بالأبحاث التى كان يجريها فطلبت ضم شركته لها، ليصبح من الأغنياء فى سنوات قليلة ويمتلك أحدث السيارات وأغلاها ثمنا- على حد وصف العاملين بالشركة- ودائم السفر إلى الخارج، إضافة إلى علاقاته الدولية لكونه أستاذًا فى الجامعة الأمريكية.
وللشركة 83 فرعًا تشمل معظم بلدان أوروبا، وحوض البحر الأبيض المتوسط، وعددًا من دول القارة السمراء والخليج العربى وأمريكا اللاتينية ومصر وأيضا إسرائيل، والغريب فى الأمر أن كل هذه الشركات موجودة فى نفس عدد الدول ونفس التقسيمة الجغرافية، ونفس الدول العربية محل البحث وهى الجزائر والبحرين ومصر والكويت ولبنان وليبيا وقطر والمغرب وتونس والإمارات والسعودية.
كل هذه الملابسات الغامضة والغريبة، دفعت «الصباح» إلى السؤال: هل هذه الشركات تابعة لأجهزة استخبارات خارجية؟ هل يتم تدوال هذه المعلومات بالخارج لتهديد الأمن القومى المصرى؟ أم أن هذه الشركة وغيرها مجرد شركات بحوث تسويقية عادية؟ وهى الأسئلة التى يبدو أن التحقيق فى بلاغ القنوات الفضائية سيجاوب عن الكثير منها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.