كان الأنبا أنطونيوس، أسقف الجيزة والفيوم وبنى سويف للأقباط الكاثوليك، يبدو هادئًا وودودًا، لم يقل يومًا أن هناك مشكلة تعترضه فى العمل الذى كُلف به داخل «لجنة الخمسين» خلال إعداد الدستور الجديد، على الرغم من صراخ الجميع واعتراضهم وتهديدهم بالانسحاب والامتناع والمقاطعة، حتى جاء الاحتفال بالانتهاء من استكمال الدستور، وفى حفل العشاء الذى أقامته القوات المسلحة بهذه المناسبة، ثار الأنبا أنطونيوس ورفع صوته ليعلن أمام الجميع أن «ديباجة الدستور قد زورت»، وتم استبدال عبارة «حكمها مدنى» ب«حكومتها مدنية» وفى هذا الحوار يحدثنا الأنبا أنطونيوس عن كواليس «لجنة الخمسين» وموقف السلفيين منها، وعن الزواج المدنى، وقضايا أخرى، وإلى نص الحوار: هل الذى انتهيتم من إعداده دستور جديد أم دستور 2012 المعدل؟ - لم تكلف لجنة الخمسين بإصدار دستور جديد. لكن كُلفنا بالحذف والاضافة والتعديل على دستور 2012، ولدينا إمكانية أن نأخذ من الدساتير الماضية ودساتير دول العالم وبعد كل ذلك ما تم إخراجه يعتبر نصًا دستوريًا جديدًا لأن كل المواد التى وردت فى دستور 2012 تم تعديلها، المادة الوحيدة التى لم تمس هى المادة الثانية فقط. هل وافقت على المادة الثانية فى التصويت على مسودة الدستور؟ - طبعًا، لأننى وافقت فى المناقشات فكيف لا أوافق على شىء وافقت واتفقت عليه قبلًا، فقد عشنا طويلًا تحت مظلة المادة الثانية من الدستور، ولم تضرنا فى شىء على الإطلاق. متى كنت تنوى الانسحاب من لجنة الخمسين؟ - أنا لم أفكر فى الانسحاب من الخمسين مطلقًا إلا فى حالة واحدة أن يأخذونى ويخرجونى خارجًا ويقولون لى «نحن لا نريدك هنا»! هل كنت تستشير البابا فى بعض المواد قبل الموافقة عليها؟ - قداسة البابا فوض لى كل الصلاحيات، ولم أرجع إليه مطلقا، ولكننا شكلنا لجنة من المتخصصين فى القانون من أبناء الكنيسة كنت أرجع إليهم فى كثير من الأمور أستشيرهم فيها قبل الموافقة عليها. ما الفارق بين دستور 2013 والدستور الحالى؟ -لا وجه مقارنة بين الدستوريين، فالأول دستور طائفى وضعه فصيل واحد وانسحبت منه جميع القوى السياسية والكنيسة، فقد وضعه الإخوان حتى يكون عونًا لهم فيما ينوون أن يفعلوه فى مصر، وتم وصفه بأنه «دستور عُمل بليل» ولا يراعى مصلحة مصر بقدر مراعاته لمصلحة من قاموا بوضعه وهم الإخوان وحلفاؤهم. أما الدستور الحالى فهو دستور تم وضعه فى النور، ودققنا فى كل مادة قبل إقرارها، وقد ضم كل الطوائف والتيارات وراعى مصلحة الوطن أولًا على مدار 3 أشهر بالليل والنهار، اتفقنا واختلفنا لكننا لم يغب عن أعيننا شىء واحد مصر وشعبها العظيم الذى يستحق أفضل دستور فى العالم. يقال إن لجنة الخمسين كانت دائمًا تميل ناحية إرضاء حزب «النور»؟ -هذا كلام غير صحيح إطلاقًا، فقد كانت هناك تنازلات قدمت من كل الأطراف حتى من حزب «النور» نفسه الذى أعلن أنه فعل ما يستطيع عمله، وقدم تنازلات من أجل التوافق ولإعلاء مصلحة الوطن. وكنا نجلس ونتباحث، وكل منا يقدم تنازلاته وتصوراته للمواد التى تحمل لغطًا ونحن مصممون على التوصل إلى التوافق المطلوب حتى حدث ذلك دون مجاملة فصيل بعينه على حساب الآخر. لماذا سيحشد السلفيون للتصويت ب«نعم» على الدستور رغم اعتراضهم على حذف المادة 219 هل وُعدوا بشىء؟ - لا أعتقد أن السلفيين وعدوا بمميزات خلال الفترة القادمة حتى يحشدوا للتصويت بنعم. إنما السلفيون يعرفون أن السياسة هى «علم الممكن»، فهذا الدستور من وجهة نظرهم هو أفضل ما توصلوا إليه لتحقيق ما تمنوه، وكل القوى التى وجدت فى لجنة الخمسين أوضحت لحزب «النور» خطورة وجود المادة 219 فى الدستور بما تعنى من تقسيم للوطن والدخول فى الحكم الدينى وولاية الفقيه، وتم عرض بدائل أخرى عليهم حتى يتم حذفها مثل وضع عبارة «أحكام الشريعة». وما رأيك فى أداء السلفيين؟ - إنهم أناس واضحون لا يستخدمون الكذب أو اللف والدوران فى أحاديثهم ويتحدثون بمنطق واضح، يقتنعون حين تقنعهم بالمنطق والحجة، فمثلًا كنا نقول لهم هل تقبل أن يكون أخوك المواطن المسيحى مواطن درجة ثانية بسبب المادة 219، فيكون ردهم بالرفض دون مواربة. وللحقيقة كان مندوب السلفيين يسأل عنى عندما أكون غير موجود وقت الغداء فقد عشنا فى لجنة الخمسين كأخوة ممثلين لكل تيارات الشعب المصرى، ولا فرق بيننا على الإطلاق. هل صحيح أن الكنيسة فقط هى التى دافعت عن مدنية الدولة؟ -إطلاقا كل أعضاء لجنة الخمسين دافعوا عن مدنية الدولة وأولهم ممثل الأزهر الشريف، يكفى أن عبارة «حكمها مدنى» لم تخرج من ممثلى الكنائس، وإنما اقترحها فضيلة مفتى الجمهورية والجميع شكره ووافق عليها ماعدا ممثل حزب «النور». فى رأيك ما الفارق بين عبارة «حكمها مدنى» و«حكومتها مدنية» - «حكمها مدنى» أى أن الدولة لا تحكم برجال الدين أو العسكريين، وهى عبارة قوية فى مضمونها، أما «حكومتها مدنية» فهو تعبير ركيك وليس له أى معنى، وبالمناسبة هى لا تضيف جديدًا أو تحذف شىء، فالدستور فى مجمله ينص على أن مصر دولة مدنية، وتغيير هذه العبارة لا يغير من الأمر شيئًا إطلاقا. فمن يقرأ الدستور من أول مادة إلى آخر مادة يكتشف أن مصر لن تحكم إلا بحكم مدنى. ما أهم انتقاداتك للدستور الحالى؟ - كنت أتمنى أن يطبق عدم التمييز على كل المصريين بكل معتقداتهم وانتماءاتهم وأن يعاملوا معاملة واحدة لأن الشىء الوحيد الذى يميز بين المصريين هو ممارسة الشعائر الدينية والأحوال الشخصية، أى أن يكون كل مصرى حرًا يعتقد فيما يريد ويمارس شعائرة الدينية كما يشاء. ماذا تتوقع بالنسبة للمشاركة فى التصويت على الدستور وبالنسبة النتيجة؟ - بالنسبة للمشاركة أنا متخوف منها، فمن الممكن أن يسود اعتقاد لدى الناس أن الدستور ينال تأييد الجميع، وستتم الموافقة عليه فلا داعى للنزول، ومن هنا أطالب كل الناس بالنزول والمشاركة فى التصويت على الدستور حتى نغير مصر ولا نعطى للطرف الآخر فرصة للحشد للتصويت ب«لا»، وأقول لهم أيضًا «لا داعى للخوف والقلق فهذا اليوم هو عيد لكل المصريين، ومثلما خرجتم لتحقيق آمالكم اخرجوا لدستوركم الذى أعد لكم ولأبنائكم من بعدكم». هل ستحشد الكنيسة أنصارها للتصويت ب«نعم» على الدستور؟ - الكنيسة لا تحشد لأى شىء هى فقط توجه رعاياها بأن يشاركوا فى الاستفتاءات والانتخابات وعقولهم وضمائرهم هى الحكم على اختياراتهم، لكننا لا نمنع أولادنا من تنظيم ندوات ومؤتمرات لشرح الدستور، ومن حقهم توجيه الناس ل« نعم» أو «لا» باعتبارهم نشطاء سياسيين. هناك من الأقباط من يعترض على المادة الثالثة من الدستور بحجة أنها ستجعل الأقباط تحت رحمة رجال الدين؟ -المادة الثالثة تختص بما يُمارس داخل الكنائس من زواج وأمور طقسية، ومن حق أى شخص أن يمارس حياته خارج الكنيسة بحرية حتى فى أمور الزواج، فمن المفروض أن يكون لدينا زواج مدنى يتم خارج اسوار الكنائس لمن يريد. هل توافق على ان يمثل الاقباط رجل دين فى وضع الدستور؟ -لا أوافق وقد رفضت عندما طلب منى البابا هذا وقلت له «ياريت لأ، ومن الممكن وضع أحد المتخصصين فى القانون سيكون أفضل» فقال لى البابا «أنا أريد ممثل للكنيسة يرتدى ملابس الكهنوت فقط، ولكنك عندما تذهب لا تذهب بعقلية رجل الدين كن ممثلًا لكل شعب مصر»، وقد وافقت على هذا العمل لأن كتابة الدستور ليست عملًا سياسيًا، ولو كان وجودى فى لجنة الخمسين لمواد الهوية فقط لم أكن سأذهب، لأننى لم أشارك لأدافع عن الدين، بل ذهبت لأدافع عن الإنسان وحقه فى الحياة، وعندما يأخذ المصريون حقوقهم لن تكون هناك مطالب للمسيحيين. وهل توافق على أن تكون هناك كوتة للأقباط؟ -أنا منذ البداية غير موافق على الكوتة، وأعلنتها صراحة لأن الكوتة ستجعل من المسيحيين مواطنين «درجة ثانية»، لكننى كنت أطالب بتمثيل إيجابى للأقباط والفئات المهمشة مثل المرأة والمعوقين، وقد حدث هذا فى الدستور الجديد وآليته ستحدد فيما بعد. بصراحة.. هل الأقباط مضطهدون فى مصر؟ -لا يوجد أى اضطهاد للأقباط فى مصر، لأن الاضطهاد عبارة عن وضعك بين خيارين، أما ترك دينك أو قتلك، وهذا لا يحدث فى مصر على الإطلاق، وإنما يمكن أن يكون هناك تمييز أو احتقان نتيجة مشاكل يومية، ومع الدستور الجديد لن يكون هناك تمييز فى مصر. ما رأيك فى الفريق «السيسى»؟ -لولاه لما اكتملت ثورة 30 يونيو، فقد أساند الشعب ووقف مع إرادته عندما كان الشعب لا يستطيع فرض إرادته حتى ولو خرج بالملايين كما حدث. ومن حق السيسى أن يترشح للرئاسة، ولو حصل على أصوات الناخبين سيكون رئيس جمهورية ناجحًا لأنه يتمتع بالجد والاجتهاد والمثابرة فى عمله.