وهيكل يرد فى رسالة جريئة ل"عمومية النقابة": سلطة شاخت فى مواقعها أسامة الباز ناقش مع وحيد حامد وأنا علاج الأزمة على النيل أمام طبق كباب وممبار مبارك كان يختار مستشاريه حسب الحاجة وعبر وسطاء حماية لهم من صراعات الكواليس فى الرئاسة صفوت الشريف المسئول الوحيد الذى لم يلجأ إلى القضاء وكان يتصل بخصومه لكسبهم على باب بيت فيروز رسم ابنها زياد نفسه وهو فى الحمام طالبا من الزوار عدم ضرب الجرس! سألت فيروز: لم يبدو وجهك صارما وأنت تغنين للحب وكأنك أبى الهول؟ فاعتبرنى عمارة أكثر الصحفيين الذين حاوروها استفزازا! عندما أسمع فيروز تغنى أشعر بأن صوتها الملائكى الشجاع المبلل بالعشق الصوفى يخلصنا من شدة جاذبية الأرض ويجعلنا أكثر اقترابا من الله. ليس سهلا أن تشرح لم نحب وجه امرأة أو ملامح مدينة أو صوت فيروز.. الشروح غالبا ما تفسد الأشياء التى نقع أسرى سحرها. لكن يمكن القول إن صوت فيروز يتسلل إلى الوجدان العربى دون تأشيرة دخول لينهض معه كل ما هو محبط أو محطم ويتبعها. وطوال سنوات الحرب الأهلية فى لبنان كان المقاتلون المتصارعون لا يأخذون هدنة من الذبح والقنص إلا إذا غنت فقد كرهوا أنفسهم وأحبوها. وأحزنها ذلك كثيرا ولكنها أضافت: أنا مؤمنة بأن بلدى عليه ألا يموت. سمعت تلك الجملة منها عندما التقيتها فى منتصف سبتمبر 1993 مع وزير الشباب وقتها الدكتور عبد المنعم عمارة. فيروز فى انتظارنا مساء فى بيتها بالجبل. قالتها ملكة جمال لبنان سوسن السيد فلم نصدق أن ذلك يمكن أن يحدث بسهولة.. إننى أعرف أنها تعاند قدرها بصلابة تحسد عليها وتحاول القفز فوق ضربات القدر الموجعة برشاقة نفسية نادرة وتدخل فى مصارعة يومية مع الاكتئاب وتنتصر عليه ولكن كيف تعيش كل أوجاعها ثم تبدع فى الغناء؟ هل الغناء علاج أيضا؟. السيارة الصغيرة تقطع المسافة بين فندق كورال بيتش إلى الجبل فى نصف ساعة تقريبا وفى تلك الساعة من الليل بدا الجبل مثل شجرة كريسماس فى غير موسم الميلاد ويبدو بيت فيروز من الخارج أكثر تواضعا من بيوت الأثرياء حولها إنه فيللا صغيرة تقع فى منطقة الرابية مدخلها ضيق وعلى بابها لوحة رسمها ابنها زياد الرحبانى لنفسه وهو يجلس فى الحمام يقضى حاجته ويطلب من الزوار ألا يضعوا أيديهم على الجرس الكهربائى وأن يكتفوا بشد حبل الجرس اليدوى مرتين فقط. فى الدور فوق الأرضى من الفيللا استقبلتنا فيروز.. بسيطة مثل الندى.. ترتدى جلبابا شرقيا بلون الفوشية مطرز بزخارف فضية بارزة.. وتركت شعرها الأصفر نافرا متمردا بلا قيود. أحسست أنها امتلأت قليلا وإن ما يزال الحزن النبيل يسكن عينيها ويحتل ملامحها ولكنه سرعان ما يتلاشى عندما تبتسم ابتسامة صغيرة عابرة لا تدوم طويلا ابتسامتها مثل شمس محاصرة بسماء رمادية الغيوم.. ليظل الشحوب فى حياتها سيد الألوان. صالة الاستقبال تمتلئ بالمقاعد واللوحات والأيقونات وكأنك فى معبد وينبعث من جهاز ستريو صوت نقى لموسيقى مثل ترانيم الكنائس. وعندما سألها عمارة عنها أجابت: إنها موسيقى بيزنطية ولو أنصت إليها قليلا ستجد الألحان تتحول إلى صور ملونة من الطبيعة.. سماء زرقاء.. حقول قمح.. ورعاة فقراء ينتظرون معجزة لتملأ بطونهم الخاوية ولتحقق لهم العدل المفقود على الأرض. يقطع الصالة حاجز أبيض عليه صور ملونة لزوجها الراحل عاصى الرحبانى ويبدو فيها وكأنه يعيش فى زمن السيد المسيح. لقد فقدته بحساب وجودنا معها منذ سبع سنوات بعد نزيف مفاجئ فى المخ.. فقدت الملحن العبقرى الذى أحبته وجعل صوتها مدرسة متميزة فى الغناء الشرقى.. أوحت صوره بسؤال عن حياتها الخاصة الآن: هل فيها ما يثير الطموح أم أن الطموح اقتصر على حياتها الفنية؟. وكانت إجابتها: إن الإنسان العظيم هو الذى يحترق شوقا لمن يحب ونار الألم وحدها هى التى تجعل الفنان مبدعا وفى الحقيقة لم يعد لى سوى الطموح الفنى إنه يشغلنى كثيرا ويسبق طموحى العاطفى الذى أتصور أنه انحصر فى شعور الأم الصديقة لابنها. تميزت إجابتها بالتركيز والذكاء والسخرية الناعمة أحيانا بل يمكن القول إنها قليلة الكلام وهى ملاحظة سبقنى إليها صلاح عبد الصبور عندما التقاها فى نفس البيت قبل نحو عشرين سنة من وجودنا معها وبعد أن جلس معها ثلاث ساعات لم يسمع منها سوى عشر كلمات وهو ما جعل سوسن السيد تعتبرنى محظوظا لأنها تكلمت معى أكثر من خمسمائة كلمة. ولا تحرك فيروز يديها وهى تتكلم ولا تتململ فى مقعدها ولا تغير طبقات صوتها وإن كان صوتها وهى تتكلم أعرض من صوتها وهى تغنى ثم إنها قادرة على التحكم فى نفسها ولا تعبر عن غضبها مهما كان السؤال استفزازيا. كان سؤالى المستفز إليها: لم تبدو ملامح وجهك صارمة وأنت تغنين إن صوتك يهز المشاعر ويحرك الضمير ولكنك فى الوقت نفسه تبدين مثل أبى الهول تتوجعين بالحب؟. قالت: ماذا تريد أن أفعل؟ أن ابتسم؟ أن أرقص؟ إننى لا أرى صورتى فى المرآة عندما أغنى إننى أندمج فى الإحساس ولا أرى ما حولى إننى أصلى ولا أغنى. ابتسمت ابتسامة ساخرة واستطردت: الغناء حالة اختطاف تشعرنى بالسمو وكأننى أخذت الناس بعيدا إلى مكان غامض مثل السر. فى المكان الذى كنا نجلس فيه جلس قبلنا مشاهير الطرب والسياسة والموسيقى فى العالم العربى إن فيروز بالنسبة إليهم أحد معالم لبنان التى توجب زيارتها. قلت لها: إن إيقاع الدنيا يتغير حتى أصبح مجنونا ولا يمكن تجاوز جنونه إلا بجنون أكثر ولا يمكن مواجهة صخبه إلا بصخب أكبر والناس فى عصر الراديو كانت تعطى أذنها للطرب ولكن فى عصر التليفزيون سيطرت الصورة إنها طبيعة الأشياء وقد استجبت أنت لنداء العصر وسمعنا صوتك لأول مرة على أنغام موسيقى الجاز منذ ثلاث سنوات بلحن من ابنك زياد. قالت: زياد فنان كبير ومنقذ الفن الآن وسيد مستقبله. وسألها عمارة: هل تسمعين الأصوات الجديدة؟. أجابت: نعم ولكن أصحابها يشعرون بأنهم ملكوا الدنيا من أول أغنية. قال: هل هو الغرور؟. قالت: النجاح الذى يأتى بسرعة يتبخر بسرعة. قال: لكنه نجاح مدو أحيانا. قالت: هم مثل الصودا. ولكن أغانى الصودا لا تزعجها فجيل العظماء فى الموسيقى سيسود فى النهاية حسب تقديرها ودليلها على ذلك أن الناس فى زمن أحمد عدوية لا تزال تسمع بتهوفن وأم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ. وليس لفيروز برنامج يومى ثابت وهى مثل البنانيين تحب السهر مثل المصريين على حد قولها وهى مثل كبار المطربين ترى أن النوم أفضل علاج لحنجرتها. وقبل أن تودعنا قدمت لنا فيروز حلوى النعناع بيدها وأصرت على أن تترك بيتها وتنزل عشر درجات لتوصلنا إلى السيارة. ولا يزال الدكتور عبد المنعم عمارة يصر على أننى أحرجتها دون أن يستوعب شعور الصحفى عندما يجلس أمام كنز مثل فيروز ولا يخرج منه بشىء. وقد سببت لى فيروز أزمة شعبية عندما قلت فى برنامج تليفزيونى (تقدمه منى الحسينى) إننى أفضلها عن أم كلثوم فرغم قوة صوتها فإن إيقاعها البطىء وتكرار فقرات أغانيها لا يناسب حركتى السريعة ولكن مع مرور السنين تباطأ إيقاعى فرحت استمتع بصوتها وكأنها لا تطرب إلا الكبار فقط أو الذين يبقون طويلا فى أماكنهم لا يتحركون. ومن حسن حظى أن شبكات التواصل الاجتماعى لم تكن قد اخترعت بعد وإلا وجدت من يطالب بسحب الجنسية منى وإن لم يمنع ذلك أننى تلقيت العتاب من كل من شاهد البرنامج بمن فى ذلك حارس العمارة وسائق التاكسى الذى لولا إعجابه بمن أكتب (أحيانا) ما كان قد سمح بركوبى سيارته بعدما قلت فى حق الست. فى اليوم التالى لعودتى إلى القاهرة دعانى وزير الإعلام صفوت الشريف لحضور أول احتفال يقيمه لعيد الإعلاميين وكانت هدية مبارك للصحفيين فى الكلمة التى ألقاها يومها هى التصديق على قانون يقيد حرية الصحافة أقره بليل مجلس الشعب وعندما وجد فى لحظتها من يطالب بإلغائه قال مبارك بطريقته الخاصة فى التعبير: إحنا ما بنبعش ترمس. ووصفت القانون بقانون اغتيال الصحافة وشاع الوصف فيما بعد وإن لم ينسب لنا. وتبنيت فى «روزاليوسف» حملة للتخلص منه واستجبت لقرار الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين بمقاطعة أخبار وصور كل من ساهم فى إصدار القانون مثل الدكتورة فوزية عبد الستار رئيس اللجنة التشريعية وقبلها رئيس مجلس الشعب الدكتور فتحى سرور وهنا وقعت أزمة حادة بينى وبين محمود التهامى. حاول التهامى نشر صور واضعى القانون فى مقاله الافتتاحى بدعوى أنه مسئول عما يكتب ولينفذ قرار المقاطعة على باقى صفحات المجلة وكأنها مجلتان لها رأيان ورأسان ورفضت منطقه وهددت بالاستقالة لو أصر على رأيه فتراجع عنه فلم يكن من السهل عليه التضحية بتجربة ناجحة تنسب إليه وطال انتظاره حتى وصل إليها. وقررت الجمعية العمومية للنقابة أنها فى حالة انعقاد دائم حتى يسقط القانون وقرأ النقيب إبراهيم نافع رسالة شديدة اللهجة من هيكل إلى أعضاء الجمعية وصف فيها السلطة القائمة بأنها سلطة شاخت فى مواقعها وأن القوانين لا تولد بليل وأن وعد السلطة بعدم تطبيقها وعد زائف فالقوانين وضعت لتنفذ. وبدأت محاولات هادئة وغير معلنة لتغيير القانون تولاها الدكتور أسامة الباز والتقيت به مع وحيد حامد فى القرية النوبية المطلة على نيل فندق ميرديان قبل تغيير اسمه إلى جراند حياة. أمام أطباق الكفتة والممبار والكباب اقترحت عليه أن يقنع الرئيس بالكف عن التصريحات المستفزة حول القانون وأن تشكل لجنة من كبار الصحفيين تعيد صياغة القانون وعندما اقترح اسمى بين أعضائها اعتذرت قائلا: أنا لا أملك موهبة العمل فى هذا النوع من اللجان وتحمست لاختياره صلاح عيسى لإدارتها فهو من الكتاب القلائل المهتمين بتاريخ القوانين الصحفية ويمتلك قدرة متميزة على الإقناع والتوافق بين الأطراف المتخاصمة ونجحت اللجنة فى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه وإن ظلت الصحافة مثيرة لقلق النظام ولم يكف يوما عن تقييد حريتها وحبس رجالها. ورغم العند الذى اشتهر به مبارك فإنه استجاب لتغيير القانون وثبت بالفعل أن السلطة يمكن أن تبيع ترمس أحيانا. والحقيقة أن مبارك على عكس ما يشاع كان يلجأ إلى مستشارين قبل اتخاذ قرار مهم وإن تغيروا من حالة إلى حالة كما أنه كان يلجأ إليهم سرا عبر وسطاء مقربين منه ويثق فيهم. مثلا كان يلجأ إلى أسامة الباز لصلتى الوثيقة به كى يناقشنى فى أمر ما لا يعجبه أو لإقناعى بحقيقة ما غائبة عنى فيما أكتب. وفى كثير من الأحيان كان الباز يستعين بلجنة مصغرة من خارج مؤسسة الحكم لتساعد الرئيس فى اتخاذ قرارات لها تداعيات شعبية وشاركت بنفسى فى لجنتين واحدة منها رفضت سفر مبارك إلى واشنطن لحضور احتفال فلسطينى إسرائيلى فى البيت الأبيض وكان رأيى أننا سنكون كومبارس فى مناسبة لسنا طرفا فى صناعتها وكانت المرة الأخرى يوم قررت اللجنة أن يسافر الرئيس لتقديم العزاء فى رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين الذى اغتيل بعد توقيع اتفاق سلام مع ياسر عرفات ليلقى نفس مصير السادات وكانت وجهة نظرنا أن العالم كله يرقب العزاء بحكم تكنولوجيا الأقمار الصناعية ولا يجوز أن تكون مصر غائبة. ولو قبل أحد القيام بدور مستشار فإن عليه أن يضع نفسه مكان من يستشيره متخلصا من مواقفه الخاصة. وكان مبارك يرى أن تلك الطريقة فى وجود مستشارين غير معروفين ومتغيرين حسب المشكلة هى الطريقة الأفضل ليجنبهم صراعات الكواليس فى الرئاسة ويبعدهم عن المنافقين الذين سيتقربون منهم. والمؤكد أن صراعات الكواليس فى الرئاسة كانت شديدة وقاتلة ونجحت فى الإطاحة بواحد من أفضل من عملوا مع مبارك وهو الدكتور مصطفى الفقى الذى يتمتع بخبرة سياسية لا يمكن إنكارها كما أنه يمتلك علاقات اجتماعية متعددة الدوائرة ربما أضرته بقدر ما أفادته. وما أن اختفى الباز من الرئاسة بصعود مجموعة جمال مبارك لجأ مبارك إلى سكرتيره الخاص اللواء أبو الوفا رشوان ليكون وسيطا بينى وبينه وفيما بعد فى الانتخابات التشريعية التى جرت عام 2005 وكسب فيها عدد من الإخوان طلب منى ترشيحا بالأسماء العشرة الذين يعينهم الرئيس ليحدث التوازن المطلوب بين التيارات المختلفة وأرسلت إليه ما أراد ولكن لم يأخذ بها. وفجأة ودون مقدمات ظاهرة أطيح برشوان فى صراع أتصور أن زكريا عزمى كان وراءه مما يعنى أن التقرب من الرئيس قد يقضى على أشد الناس إخلاصا له. وقد ظل رشوان وفيا لمبارك حتى بعد تنحيه وظل صامتا أمينا على ما يعرف من أسرار بينما خرج العديد ممن عملوا فى الرئاسة ليخترعوا قصصا لم يشهدوها بحكم أنهم كانوا على الأطراف بعيدا عن المطبخ السياسى. ولا شك أن دور الوساطة الذى لعبه صفوت الشريف بين الرئيس والصحفيين كان دورا مباشرا مؤثرا. أتذكر أن الشريف تنحى بى جانبا ليطلب منى الكف عن نشر حادث جلد طبيب مصرى فى الرياض دون أن يهتم بالهجوم على قانون الصحافة الذى جرى إقراره فى الوقت نفسه وكانت حجته أن هناك ملايين من المصريين يعملون فى السعودية ولا نريدهم أن يدفعوا ثمن حادث عابر. والحقيقة أن الشريف كان مسئولا صبورا يسعى جاهدا لتحييد خصومه بعيدا عن ساحات القضاء التى كان يلجأ إليها كثير من الوزراء.