أثار قرار المجلس الأعلى للجامعات بوضع ضوابط وأخلاقيات لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعى لأعضاء هيئة التدريس، انتقادات واسعةً داخل الأوساط الأكاديمية، وحذّر أعضاء هيئة التدريس من أن القرار يتجاوز حدود التنظيم الإدارى إلى تقييد غير مسبوق للحرية الأكاديمية، ويحد من دور الأستاذ الجامعى كمثقف وفاعل مجتمعى قادر على تبسيط المعرفة ونقلها خارج أسوار الجامعة. وقال أعضاء هيئة التدريس إن المنصات الرقمية أصبحت أداة تعليمية مساعدة لا غنى عنها، خاصة للطلاب غير القادرين على الانتظام الكامل فى الحضور، أو الباحثين عن شروح إضافية بلغات وأساليب مختلفة. يُشار إلى أن القرار الذى جاء ضمن «دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمى»، قُدِّم بوصفه إطاراً وطنياً موحداً لحوكمة العمل التعليمى وحماية الملكية الفكرية وضمان جودة التعليم لكنه تضمَّن حظر إنشاء حسابات أو نشر محتوى مرئى أو مسموع أو مكتوب يتعلق بالمقررات الدراسية دون الحصول على موافقة رسمية من الجامعة، حتى إن كان هذا المحتوى مقدماً بالمجان، وهو ما أثار مخاوف حقيقية لدى أساتذ وطلاب الجامعات من انعكاساته على حرية تداول المعرفة وسير العملية التعليمية.
العملية التعليمية
فى هذا السياق أكد الدكتور صلاح نور الدين، أستاذ هندسة الطرق بجامعة القاهرة أن هذا القرار يمس جوهر العملية التعليمية، موضحاً أن تقديم المحتوى العلمى عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعى بات جزءاً أصيلاً من الدور المجتمعى للأستاذ الجامعى، وليس نشاطاً تجارياً أو خروجاً عن الإطار الأكاديمى كما يعتقد البعض . وشدد نور الدين فى تصريحات صحفية على أن الجامعة لم تعد تقتصر على القاعات والمدرجات فقط، بل أصبحت المعرفة اليوم مطالبة بالوصول إلى أوسع نطاق ممكن من الطلاب والمجتمع. وقال إن نشر المادة العلمية على المنصات الرقمية يساهم فى تقليل أعذار الطلاب المتعلقة بعدم القدرة على متابعة المحاضرات أو فهم محتوى المقررات، موضحاً أن إتاحة الشرح بشكل مبسّط ومتاح للجميع يساعد على سد الفجوات التعليمية، خاصة لدى الطلاب الذين يواجهون صعوبات فى الاستيعاب داخل القاعات المزدحمة أو فى متابعة الشرح التقليدى. وأضاف نور الدين أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعى فى العملية التعليمية لا يجب أن يُفهم على أنه بديل كامل للحضور الجامعى، بل هو أداة مساندة ومكملة، مشيراً إلى أنه يشجع هذا التوجه طالما لا يؤثر سلباً على انتظام الطلاب فى حضور المحاضرات والتفاعل المباشر داخل المدرجات.. وأكد أن التفاعل والمشاركة بين الأستاذ والطلاب يظلان عنصرين أساسيين لا يمكن الاستغناء عنهما فى أى منظومة تعليمية ناجحة.
المنصات الرقمية
وأوضح نور الدين أن المنصات الرقمية يمكن أن تقوم بدور يشبه «المذكرات» أو المراجع المساعدة، دون أن تلغى أهمية اللقاء المباشر داخل الجامعة، لافتاً إلى أن العديد من الجامعات العالمية الكبرى، مثل جامعة هارفارد، تقوم بنشر جزء كبير من محتواها التعليمى عبر الإنترنت، فى إطار توجه عالمى يهدف إلى تعميم المعرفة وإتاحتها للطلاب والباحثين فى مختلف أنحاء العالم. وانتقد بعض الممارسات الموجودة فى عدد من الكليات النظرية، والتى تُجبر الطلاب على شراء كتب أو مذكرات بعينها، معتبراً أن هذا النهج لا يخدم العملية التعليمية بالشكل الأمثل، بل يضيف أعباء مالية إضافية على الطلاب وأسرهم. وأشار نور الدين إلى أن كليات الهندسة، على سبيل المثال، لا تعمل بهذا المبدأ، وتعتمد بدرجة أكبر على تنوع المراجع وإتاحة المادة العلمية بطرق مختلفة، مؤكدا أن إتاحة المحتوى العلمى للطلاب عبر المنصات الرقمية يسهم فى تخفيف الأعباء المادية عنهم، ويوفر لهم مصادر متعددة للفهم والمراجعة، بما ينعكس إيجاباً على مستوى التحصيل العلمى وجودة العملية التعليمية بشكل عام. وشدد على أن تطوير التعليم لا يمكن أن ينفصل عن أدوات العصر، وأن الرقمنة لم تعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتغير أنماط التعلم لدى الأجيال الجديدة.
قيود غير مبررة
وانتقدت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، قرار المجلس الأعلى للجامعات بحظر نشر المادة العلمية على مواقع التواصل الاجتماعى، معتبرة أنه يمثل تقييداً مباشراً للحركة الأكاديمية ويمس حقوق الملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس. وقالت هالة منصور فى تصريحات صحفية إن الجامعة لا تشترى حق التأليف من الأستاذ الجامعى، وبالتالى فإن تقييد تصرفه فى نتاجه العلمى والفكرى يُعد مساساً صريحاً بحقوقه الأصيلة، مؤكدة أن هذا النوع من القرارات يضع قيوداً غير مبررة على حرية الأستاذ فى نشر علمه ومشاركته مع الطلاب والمجتمع. وأضافت أن القرار لا يقتصر تأثيره على الجانب الأكاديمى فقط، بل يمتد إلى الجانب المادى أيضاً، موضحة أن الكثيرين من الأساتذة يعتمدون على مؤلفاتهم ومقرراتهم كمصدر دخل مشروع، فى ظل عدم قيام الجامعات بشراء حقوق هذه المؤلفات أو تعويضهم عنها بالشكل الكافى، وهو ما يجعل الأستاذ، "محاصراً" بين قيود النشر وضعف العائد المادى. وأشارت هالة منصور إلى أن نشر المادة العلمية عبر المنصات الرقمية يمكن تنظيمه بوسائل تقنية بسيطة، مثل ربط المحتوى بكلمات مرور أو قصر إتاحته على الطلاب المسجلين بالمقرر، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وتنظيم العملية التعليمية، دون اللجوء إلى المنع الكامل الذى يضر بالأستاذ والطالب على حد سواء.
حق الطالب
وأكدت أن القرار، بصيغته الحالية، لا يؤثر فقط على حقوق أعضاء هيئة التدريس، بل ينعكس أيضاً على حق الطالب فى الوصول إلى المعلومة، مشددة على أن تقييد تداول المعرفة يُضعف من ديناميكية العملية التعليمية ويحد من فرص المراجعة والاستذكار بوسائل متعددة تتناسب مع طبيعة العصر الرقمى. وفيما يتعلق بالجدل الدائر حول عدم نشر المقررات وتكلفة الكتب الجامعية، شددت هالة منصور على أن الكتب الجامعية ليست رفاهية، بل تمثل عنصراً أساسياً فى العملية التعليمية. وأوضحت أن الطلاب غير القادرين على شراء الكتب يتم دعمهم من خلال البحوث الاجتماعية داخل كل جامعة، حيث تُوفر لهم هذه الكتب فى صورة مساعدات أو هدايا وفقاً لحالتهم الاجتماعية. وطالبت هالة منصور بضرورة التعامل بحذر فى هذا الملف، مؤكدة أن الحل لا يكمن فى المنع، بل فى وضع أطر تنظيمية عادلة تحفظ حقوق الأستاذ وتضمن فى الوقت نفسه حق الطالب فى المعرفة.