بالأسماء.. حركة المحافظين كاملة تشمل 18 محافظًا.. وحلف اليمين ظهر اليوم    إندونيسيا تهدد بالانسحاب من المهمة الدولية في غزة    كوريا الشمالية تفتتح حيا سكنيا جديدا لعائلات قتلى حرب أوكرانيا    اليوم.. نظر محاكمة 62 متهمًا ب"خلية اللجان الإدارية"    أسعار الذهب تتراجع نحو 1% وتصل إلى 4,994 دولار للأونصة    أول قرار ضد مندوب مبيعات بتهمة الاعتداء على والد خطيبته السابقة    زواج الممثلة مايا هوك بحضور نجوم مسلسل Stranger Things (صور)    تعرف على تفاصيل أغنية وزير الحنية ل ياسر جلال    منذر رياحنة يفتح دفاتر الألم في «أعوام الظلام»... رسالة وفاء إلى بدر المطيري تتحول لصرخة درامية في رمضان    من كواليس الظلام إلى شباك التذاكر.. «The Housemaid» يفرض سطوته النفسية ويحوّل الخادمة إلى بطلة لكابوس سينمائي مرعب    الرئيس الجزائرى: نمتلك أدلة مادية تُثبت بشاعة جرائم الاستعمار الفرنسى    أحمد هيكل: عبد الناصر أخطأ لكن حبه في قلوب المصريين كبير.. والمجتمع الإسرائيلي غير جاهز للسلام    "هدنة الطاقة" على طاولة المفاوضات الأوكرانية في جنيف    عراقجى يصل إلى جنيف لبدء الجولة الثانية من المفاوضات النووية    "تلغراف": وزير الدفاع البريطاني مرشح محتمل لخلافة ستارمر    تركيا تدين أنشطة إسرائيل الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة    أحمد هيكل: الدعم كارثة.. وكمية الثروات التي تكونت في مصر بسببه خرافية وبالقانون    أحمد هيكل: مصر ستظل تستورد الغاز لسنوات.. وملف الطاقة هو الهاجس الأكبر عند الرئيس السيسي    وزير التعليم العالي ومدير مكتبة الإسكندرية يسلمان «جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية»    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    اكتشاف إصابتين بجدري القردة في روسيا    لاعب كرة يتهم ناديًا بالبحيرة بتدمير مستقبله: إيدي اتكسرت في التمرين وفسخوا عقدي    مالين: جاسبريني لعب دورا كبيرا في اختياري للانضمام لروما    شوبير: لعبنا مباراة رائعة ضد الجيش الملكي رغم التعادل    أبو مسلم: الأهلي مع توروب بلا شكل.. والفريق يفتقد للمهاجم الحاسم    ب 40 مليار جنيه.. المالية تعلن تفاصيل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة    المتحدث باسم «الكهرباء»: لا انقطاعات في صيف 2026.. والشبكة جاهزة للأحمال    داليا عثمان تكتب: خلف الأبواب المغلقة: ماذا كشفت لنا قطة السيدة نفيسة؟    الأرصاد: استمرار الارتفاع في درجات الحرارة اليوم الإثنين على أغلب الأنحاء    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    كشف ملابسات فيديو التعدي على مسن داخل محل بالشرقية.. وضبط المتهم    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 16 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    الصحة تكشف السبب وراء العطس المتكرر صباحا    سقوط عصابة الأحداث المتورطين في ترهيب قائدي السيارات بالعطارين    الجنح المستأنفة تعيد محاكمة متهم في قضية مسن السويس    المكتبة المتنقلة تشارك بفعاليات متنوعة لدعم ذوي الهمم بكفر الدوار    غارة إسرائيلية قرب الحدود السورية تخلّف 4 قتلى    بصفتها الشريك الرسمي لسلسلة التوريد في "مليون باوند منيو 2".. "كايرو ثرى إيه" ترسم ملامح جديدة لمستقبل قطاع الأغذية في مصر    بشير التابعى: عدى الدباغ أقل من قيمة الزمالك    جاريدو: حسام غالى لم يتدخل فى قراراتى الفنية وأزماته مع وائل جمعة بسبب قوة شخصيته    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة أجنة المنيا بضمان محل الإقامة وعلى ذمة التحقيقات    محافظ الدقهلية يفتتح ملاعب ومنشآت جديدة بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    بعد إحالتهم للمحاكمة.. النيابة توجه 7 اتهامات للمتورطين في واقعة إهانة الشاب إسلام ببنها    موعد مباريات اليوم الإثنين 16 فبراير 2026| إنفوجراف    أحمد هيكل: لا حل لأزمة الدين دون نمو بنسبة 8% ل 15 عاما على الأقل    رئيس الوزراء: تنسيق مع القطاع الخاص لتطبيق زيادة الأجور فور تصديق الرئيس على حزمة المرتبات    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    أبرز محاور مداخلة نقيب الصحفيين في اجتماع لجنة إعلام مجلس الشيوخ    مدير مركز الإرشاد الزواجي بالإفتاء: الخرس الزوجي والانشغال بالأجهزة الحديثة يهددان استقرار الأسرة    أطفال يدفعون الثمن و«سن الحضانة» يقرر موعد الرحيل    «القومي لذوي الإعاقة»: الإستراتيجية الوطنية تقود خمس سنوات نحو مجتمع بلا حواجز    وزير المجالس النيابية: الحكومة تؤمن بالمصارحة والالتزام بالحقيقة لتحقيق الصالح العام    الصحة: 3 مليارات جنيه لتعزيز الخدمات بالقطاع الطبي ضمن حزمة الحماية الاجتماعية    استقبالًا لشهر رمضان المبارك... الأوقاف تجدد الحملة الموسعة لنظافة المساجد الثلاثاء المقبل    محمود مسلم: الصحفي ليس على رأسه ريشة لكن القلم أو الكاميرا على رأسها ريشة وتكشف التجاوزات    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    السيسي يشدد على ضرورة الجدارة والكفاءة فى الأداء الحكومى    معركة الصدارة تشتعل في القاهرة.. الأهلي يواجه الجيش الملكي في ليلة حسم مصير المجموعة بدوري أبطال إفريقيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وصايا النبي في حجة الوداع
نشر في الفجر يوم 05 - 07 - 2015

لكن الذي نحب أن نقف عليه هنا هو المعاني العميقة، والنصائح القيمة التي حفلت بها خطبة النبي في حجة الوداع هذه الحجة العظيمة، وسبحان الله! فمع قصر الخطب، واختصار كلماتها، إلا أنها حوت ما لا يحصى من الفوائد والنصائح، فقد أوتي جوامع الكلم، فيستطيع أن يعبر بالكلمات القليلة عن المعاني الكثيرة والقواعد العديدة.
كان طابع الخطب الثلاث التي خطبها الرسول يختلف إلى حد ما عن خطبه السابقة في فترة المدينة المنورة، وكان يغلب على طابع هذه الخطب الثلاث أنها موجهة إلى الأمة الإسلامية في زمان قوتها وتمكينها، لقد كانت نصائح في غاية الأهمية لكل جيل إسلامي مُكّن في الأرض.
لقد خاطب قبل ذلك الأفراد، وخاطب المستضعفين في الأرض، وخاطب المُحاصرين، وخاطب المحاربين، وخاطب الدعاة، وخاطب المصيبين والمخطئين، واليوم يخاطب الممكّنين في الأرض، يضع أيديهم على القواعد التي بها يستمر تمكينهم ويتسع، ويحذرهم من الأمور التي تُذهب هذا التمكين، وتُسقط الدولة الإسلامية، ويشرح لهم بوضوح دور الدولة الإسلامية الممكّنة في الأرض، لقد كان خطابًا لأمة ناجحة، بلغت الذروة في التشريع، فقد كمل التشريع في هذه الحجة، وبلغت الذروة في الحضارة، والذروة في القيم والأخلاق، والذروة في الفهم والتطبيق. وعلى المسلمين أن يفقهوا جيدًا أنه بغير هذه القواعد، والأسس لن تُبنى لهم أمة، ولن تقوم لهم قائمة.
وقد استخلصت من هذه الخطب الثلاث التي خطبها الرسول في أيام الحج المختلفة عشر وصايا في غاية الأهمية نحتاج أن نمر عليها بسرعة، وإن كانت كل نقطة تحتاج إلى تفصيل خاص، وإلى دراسات متعمقة، وإلى محاولات جادة لإسقاط كل قاعدة، أو كل وصية على الواقع الذي نعيشه الآن؛ لنستفيد منها أكبر استفادة متوقعة:
الوصية الأولى: دستور هذه الأمة هو القرآن والسنة
"وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
الله أكبر على الوضوح والجلاء! هذا وعد من رسول الله لأمته بعدم الضلال أبدًا إن هي تمسكت، واعتصمت بكتاب الله وسنة نبيه .
كثيرًا ما تضل الأمة وتضطرب، وتدخل في متاهات لا نهاية لها، والسبب هو التخلي عن بند من بنود الشريعة، والإعراض عن أصل من الأصول التي جاءت في الكتاب والسنة.
إن الله حفظ لهذه الأمة دستورها، ووعد باستمرار حفظه إلى يوم القيامة، وهذا لخيرها، وخير الأرض بكاملها.
كم تخسر الأرض، وكم يخسر العالم بأسره، وكم يخسر المسلمون، وغير المسلمين بتغييب شرع الله عن واقع الناس!!
كثيرًا ما يُفتن المسلمون، بمناهج الأرض الوضعية، فينبهرون تارة بشيوعية، وتارة برأسمالية، وتارة بعلمانية، ينبهرون بهذه المناهج الأرضية، وينسون أن لديهم منهجًا حُقَّ لأهل الأرض جميعًا أن ينبهروا به، ذلك منهج رب العالمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
والشرع الإسلامي صيغ بدقة فائقة؛ ليناسب كل زمان، وكل مكان، وبه من المرونة الكافية ما يسمح بتطبيقه في أي ظرف، والشرع الإسلامي شرع شامل، ما ترك صغيرة، ولا كبيرة إلا غطاها، ولا تقوم دولة إسلامية قيامًا صحيحًا بغير تطبيق للشرع في سياستها، واقتصادها، وحروبها، ومعاهداتها، وقوانينها، ومناهجها، وكل أمورها، دستور كامل متكامل، يقول الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
وحرام على من يمتلك الذهب أن يزهد فيما يملك، ويرغب في التراب! وحرام على من كان عليه أن يقود الناس ويُعلمهم أن ينقاد إلى غيره ويطيع! وحرام على من كان بيده قرآن وسنة أن يدعهما وينظر إلى غيرهما.
لذلك حرص على التأكيد على هذا المعنى في أيامه الأخيرة، ففي موقف آخر من حياته الأخيرة ذكر مثل هذا المعنى بوضوح، روى الحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إنها موعظة مودِّع، فأوصنا.
فقال : "إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَبِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ".
فهذه أهم وصايا حجة الوداع، وأهم وصايا الرسول ؛ لأن النجاة الحقيقية فعلاً في كتاب الله وفي سنته ، وكل الوصايا التي ستأتي بعد ذلك سيكون لها أصل في الكتاب والسنة، ومن هنا كانت هذه الوصية جامعة شاملة فيها خير الدنيا والآخرة.
ولا يفوتنا أن نذكر أن رسول الله نهى عن كل القوانين المخالفة للإسلام، حتى لو كانت هذه القوانين شديدة الترسخ في المجتمع، فقال في منتهى الوضوح: "أَلا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ".
وكذلك وضع الربا، ومع تأصل الثأر والربا في المجتمع إلا أنه يُنبذ؛ لأنه يتعارض مع القرآن والسنة.
الوصية الثانية: الوَحْدة والمساواة بين المسلمين
وصية في غاية الأهمية وتأتي مباشرة في الأهمية بعد الاعتصام بكتاب الله، وسنة نبيه ، وهي الوحدة بين المسلمين، ومع كثرة التوصيات بالوحدة في كل حياة رسول الله ، إلا أنه كان لا بد من إعادة التوصية في الأيام الأخيرة، وإعادة التركيز عليها والتذكير بها.
إن الأمة المتفرقة لا تقوم أبدًا، لا ينزل نصر الله على الشراذم، يقول في خطبة في حجة الوداع: "تَعْلَمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُخْوَةٌ".
إنه التأكيد على حقيقة حرص عليها رسول الله من أول أيام الدعوة، في فترة مكة، وفي فترة المدينة، واذكروا عتق العبيد في مكة، واذكروا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، واذكروا الميثاق بين الأوس والخزرج، لقد كانت علاقة مُمَيِّزة فعلاً للدولة الإسلامية أن الجميع فيها أُخْوة؛ الحاكم أخو المحكوم، والقائد أخو الجندي، والكبير أخو الصغير، والعالم أخو المتعلم، إنها أخوة حقيقية بلغت إلى حد الميراث في أوائل فترة المدينة، ثم نسخ الحكم وبقيت الأخوة في الدين.
ثم إنه التأكيد على معنى آخر من معاني الأخوة كان واضحًا في خطبة الوداع، وهو أن هذه الأخوة ليست خاصة بعرق معين، أو نسب معين، أو عنصر معين، أو قبيلة، أو دولة، أو طائفة؛ إنها المساواة بين المسلمين جميعًا من كل الأصول، قال رسول الله : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلاَ لَعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى".
الله أكبر! هل في العالم مثل ذلك؟!
مهما تشدق المتشدقون، ومهما تكلم المتكلمون، ومهما حاولوا التجميل والتزيّن، تبقى الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهو أن الطبقية ما زالت متفشية في كل أركان الأرض تقريبًا، مهما سُنت القوانين المانعة لذلك في أمريكا، وفي فرنسا، وفي إنجلترا، وفي روسيا، وفي ألمانيا، وفي كل مكان، الأبيض أبيض، والأسود أسود، الغني غني، والفقير فقير، العنصر والجنس والطائفة علامات مميزة لا مهرب منها.
أما الأمة الإسلامية، فهي خليط عجيب من شتى أجناس وعناصر الأرض، إنها الأمة الوحيدة التي تجتمع على عقيدة، وهذا من أهم أسباب نصرها.
ويوم تستبدل الأمة الإسلامية هذه العقيدة السليمة الرابطة بينها بقومية معينة، أو عنصرية خاصة - تسقط الأمة الإسلامية لا محالة.
لقد فتحت الدولة الإسلامية (فارس)، فما مرت شهور قلائل، أو سنوات على الأكثر، إلا وأصبح الفرس من المسلمين، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، ذابوا ذوبانًا طبيعيًّا تمامًا في المجتمع المسلم، وما شعروا بأي غربة عن المسلمين من الأصول العربية، وخرج منهم البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم، وغيرهم، هذه هي عظمة الإسلام التي أكد عليها الرسول الكريم في خُطَبِه في حجة الوداع.
ولقد أفك قوم قصروا هذه الوحدة على العرب، دون غيرهم من منطلق القومية العربية، أو على الأتراك، دون غيرهم من منطلق القومية التركية، أو على البربر، دون غيرهم من منطلق القومية البربرية، أو على أي عنصر، أو قبيلة، أو دولة، لقد سمَّى رسول الله ذلك جاهلية، فقال فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجاهلية (أي فخرها وتكبرها) وَفَخْرَهَا بِالآبَاِء، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ".
وها هو ذا في خطبته ينهى عن الجاهلية تمامًا بكل صورها: "أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ".
ألا ما أجمل الإسلام!!
الوصية الثالثة: العدل
وآهِ لو ظَلَمَتْ دولة ممكَّنة في الأرض! سلطانها ظاهر، وكلمتها مسموعة، إن دوائر الظلم تتسع في هذه الحالة حتى تشمل أحيانًا الأرض بكاملها.
الظلم كارثة إنسانية، الظلم ظلمات يوم القيامة، الظلم مهلك للأمم في الدنيا مهما كانت قوية، قال الله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ} [الأنبياء: 11].
لقد كانت نصيحة رسول الله لأمته بالعدل واضحة تمامَ الوضوح: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلَقْوَنْ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا".
ينهى الرسول أمته عن التساهل في الدماء، وعن التساهل في الأموال والممتلكات، إن سفك الدماء حرام، وإن نهب الأموال بأي صورة من الصور حرام، هو حرام مهما تفننت الدولة في تجميله أو تسميته بغير اسمه، سيظل الظلم ظلمًا، وسيبقى الحرام حرامًا، وصدق ابن تيمية رحمه الله حين قال: "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".
وقد حرص رسول الله في هذه الخطب على ترسيخ معنى العدل في كل دوائر الحياة الإسلامية والمجتمع المسلم، فليس العدل في إطار التعاملات الدولية، أو في إطار الحدود والحرب، والقضايا الضخمة فقط، إنما العدل في كل الأطر حتى في إطار الأسرة الصغيرة، ومع أقرب الأقربين لك، لا يجوز لك أن تظلمه، ومن هنا جاءت الوصية العظيمة بالنساء، فالقوي المُمَكَّن قد يَغترّ بقوته فيظلم الضعفاء، فينقلب الرجل على زوجته، أو ابنته، أو أخته، فيظلمها في معاملة، أو في ميراث، أو إنفاق، أو في غير ذلك من أمور.
كما أن الوصية كذلك للنساء، لا تظلموا أزواجكم بمنع حقهم، فالله مطلع ومراقب، ويحصي أعمالكما معًا.
يقول في توازنٍ رائع: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا".
ويوم يسعى كل طرف إلى الحفاظ على حق الطرف الآخر، يوم تسعد الأسرة فعلاً، ليس في الدنيا فقط، ولكن في الآخرة أيضًا.
الوصية الرابعة: التحذير من الذنوب
يحذر الرسول أمته من أمر مهلك آخر شديد الخطورة، وهو الذنوب، ويذكر لهم أن الشيطان قد يئس من أن يعبده الناس، ولكنه مع ذلك لم ييأس من إضلالهم، وسيكون ذلك عن طريق الذنوب، بل عن طريق الذنوب الصغيرة التي يحتقرها عامة الناس لصغرها في نظرهم.
"إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إِنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ".
والحرب بين الإنسان والشيطان أبدية، فقد وعد الله الشيطان بالانتظار إلى يوم القيامة، ونبه الإنسان بوضوح: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].
والشيطان ما نسي مهمته قَطُّ، ومهمته باختصار هي إغواء أولاد آدم ، وقيادتهم إلى جهنم، وبئس المهاد، وهو يتتبع في ذلك طرقًا شتى، وأساليب مختلفة، حتى لو كانت دفع الإنسان إلى ذنب صغير، فهذه خطوة ستتبع بعد ذلك بخطوات؛ لذلك يقول الله : {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168].
والذنوب التي يدفعنا الشيطان إليها مهلكة، وما أكثر ما ذكر ربنا ذلك في كتابه، فقال تعالى: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام: 6]. وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشُّورى: 30]. وقال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]. وقال : {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40]. وقال سبحانه: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59]. وقال تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11].
وهو كثير في القرآن، ويصعب إحصاؤه، وهو كذلك كثير في السنة النبوية، بل يشير تصريحًا أن الذنوب التي يستحقرها الإنسان لصغرها في نظره، قد تكون مهلكة له، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله قال: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ".
وهكذا جاءت هذه الوصية الخالدة، لتحذر المسلم من عدوه الأكبر، الشيطان، ومن الذنوب جميعًا كبيرها وصغيرها، عظيمها وحقيرها، ولا تنظر أبدًا إلى صغر الذنب، ولكن انظر إلى عِظَم من عصيت.
الوصية الخامسة: الاقتصاد الحلال
فمن كل الذنوب التي من الممكن أن ترتكب، يختار ذنبًا خطيرًا على الأفراد، وخطيرًا على الأمم ليحذر منه، وهو ذنب الربا، قال : "وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ".
وفي رواية: "قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لا رِبَا".
والدولة التي يقوم اقتصادها على الربا، هي دولة في حرب مع الله ورسوله.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278، 279].
وليس لأحد بحرب الله طاقةٌ، فالله يسلط من يشاء من جنوده على من يشاء من عباده، ولا يدري العبد من أين تأتيه الكارثة؛ فقد تكون زلزالاً، وقد تكون جرادًا، وقد تكون أنفلونزا للطيور، وقد تكون غرقًا لسفينة، وقد تكون حرقًا لقطار، وقد تكون هبوطًا للعملة، وقد تكون اختلاسًا للمليارات، وقد تكون فشلاً لمشروع زراعي، وقد تكون عدوًّا من الكافرين، فقد يسلط الله الكفار على المسلمين إذا عملوا بمعاصي الله، وقد سلط الله المجوس على اليهود وهم أهل الكتاب لما أفسدوا في الأرض، فليس لأحد بحرب الله طاقة، وأهل الربا في حرب مع الله ورسوله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.