أقرت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، بأن ما حدث في 30 يونيو هو ثورة شعبية وليس انقلابا عسكريا، وذلك بعد أن أصدرت المحكمة حكما قضائيا هاما أكدت فيه على شرعية عزل الرئيس السابق محمد مرسي بقيام ثورة 30 يونيو وشرعية تولي المستشار عدلي منصور منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت، وأكدت أيضا على أن القوات المسلحة برئاسة الفريق أول عبد الفتاح السيسي قد انحازت إلى الشعب ونفذت إرادته مثلما حدث في 25 يناير، ورفضت كذلك المحكمة إبطال ما نتج عن لجنة الخمسين بحجة تجاوزها مدة ال60 يوما المحددة في الإعلان الدستوري، وأيدت قرار الرئيس بدعوة الناخبين للاستفتاء يومي 14 و15 يناير الجاري. جاء ذلك في دعوى أقامها عدد من المحامين لبطلان قرار رئيس الجمهورية رقم 678 لسنة 2013 بدعوة الناخبين للاستفتاء على تعديلات دستور 2012 ، بحجة أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي قد استولى على مقاليد الحكم في البلاد يوم 3 يوليو الماضي واعتقل الرئيس المنتخب وحل مجلس الشورى واقال الحكومة وعطل العمل بالدستور وعين رئيس غير شرعي للبلاد أصدر إعلانا دستوريا باطلا، وأن المستشار عدلي منصور لا يملك إصدار هذا القرار، كما أن لجنة الخمسين قد تجاوزت الميعاد القانوني لعملها، حيث ردت المحكمة على كافة هذه الإدعاءات.
صدر هذا الحكم برئاسة المستشار محمد قشطه نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية المستشارين عبد المجيد المقنن وسامي درويش نائبي رئيس المجلس.
قالت المحكمة أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات والذي ينشأ الدساتير ويعدلها ويسقطها ويختار الحكام ويعزلهم ويحاسبهم، وحيث يختار الشعب رئيسا في انتخابات رئاسة الجمهورية فهو يمنحه ثقته لكنه لا يرهن لديه إرادته ولا يتخلى له عن سيادته ولا يملك الرئيس الذي انتخبه الشعب تفويضا مطلقا من الشعب .
واستطردت المحكمة بأنه في حالة إن استبداد الرئيس أو طغيانه أو تفريطه في حقوق الشعب أو فشل في إدارة الدولة أو خان أمانة الحكم ولم تفلح آليات الديمقراطية المحددة في الدستور في رده إلى الحق أو في تغييره برئيس جديد ينتخبه الشعب، فإن البديل أم الشعب هو الثورة عليه ولو لم يكمل مدته، فليس الرئيس فوق الشعب ولا توجد قوة يجبر الشعب على أن يرضى بما يأبى أو أن يخضع ويخنع .
أكدت محكمة القضاء الإداري على أن الشعب المصري سبق وأن قام بثورة في 25 يناير 2011 وبعد أن مر بفترة انتقالية باشر فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة اختصاصات رئيس الجمهورية، انتخب رئيسا جديدا استلم الحكم في 30 يونيو 2012 وثارت ضده الاحتجاجات الشعبية وتصاعدت إلى أن تحولت إلى ثورة شعبية في 30 يونيو الماضي بعد أن رفض الاستجابة إلى مطالب الشعب أو الاحتكام إلى الشعب في استفتاء عام على استمراره في الحكم، وقد انحازت القوات المسلحة إلى الشعب ونفذت إرادته مثلما فعلت في الثورة الأولى.
وقالت المحكمة أن الثورة الشعبية تختلف عن الانقلاب العسكري في انها تعبر عن إرادة شعبية من غالبية الشعب تهدف إلى تحقيق مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية عن طريق تغيير الحاكم غلى حاكم جديد يختاره الشعب، وتغيير وتعديل الدستور على وجه يكفل ضمان تحقيق ما يرجوه من مطالب.
أما الانقلاب العسكري فوصفته بالمحكمة بأن يقوم به مجموعة محدودة من العسكريين بهدف الاستيلاء على السلطة بالقوة وإزاحة الحاكم وتولي الحكم دون اعتداد بما إذا كان ذلك وفقا لإرادة الشعب أم لا . ودافعت المحكمة عن شرعية تولي المستشار عدلي منصور منصب رئيس الجمهورية عقب ثورة 30 يونيو ، حيث قالت أن انتقال السلطة في أعقاب الثورات الشعبية يختلف عن انتقالها في ظل الشرعية الدستورية، فبعد الثورات تتعطل أحكام الشرعية الدستورية العادية ومن يتولى الحكم بصورة مؤقتة إلى حين انتخاب رئيس جديد لا يستند في ذلك إلى حكم الدستور الذي يتم تعطيله أو إسقاطه وإنما تكون سلطته فعلية وواقعية بأمر الثورة، وتقوم على أساس مبدأ دوام الدولة واستمرارها وهو الذي يحفظ وجود وبقاء الدولة ويكفل استمرار السلطات العامة في الفترات الانتقالية
ورفضت المحكمة ما ذكره مقيم الدعوى من أن المستشار عدلي منصور رئيس غير شرعي ولا يملك إصدار أية قرارات، حيث قالت أن رئيس الجمهورية المؤقت يباشر الاختصاصات المقررة لرئيس الجمهورية بوصفه سلطه فعلية وأنه أصدر قراراته بتشكيل لجنتي العشرة والخمسين ودعا الناخبين للاستفتاء على التعديلات الدستورية استنادا إلى الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو الماضي الذي منحه هذا الاختصاص.
كما رفضت المحكمة ما ذكره المدعي من أن تعديل دستور 2012 يجب أن يتم وفقا للإجراءات المنصوص عليها في المادتين 217 و 218 منه المتضمنتين تنظيم إجراءات تعديله، حيث قالت " الأصل أن يعدل الدستور وفقا للأحكام المنصوص عليها في صلبه، إلا أن هذا الأصل لا يسري في الظروف الاستثنائية التي تعقب الثورات.
ومنحت المحكمة في حيثيات حكمها تحصينا لأعمال لجنة الخمسين وردت على الجدل الدائرة حول بطلان أعمالها وما انتهت إليه بسبب انتهاء مدة الستين يوما قبل انهاء عملها، فقد أكدت المحكمة على أن الإعلان الدستوري حدد مدة الستين يوما لعمل لجنة الخمسين دون أن يرتب آثر قانوني على تجاوز هذا الميعاد ولم ينص على بطلان عمل اللجنة بعد الميعاد، كما لا يشكل تجاوز الميعاد عدوانا على اختصاص جهة إدارية أخرى ومن ثم فإن الميعاد المنصوص عليه في المادة 29 من الإعلان الدستوري هو ميعاد تنظيمي لا يترتب على مجاوزته أي آثر يؤثر على شرعية قرار رئيس الجمهورية بدعوة الناخبين للاستفتاء على الدستور.
ورفضت المحكمة الدفع بعدم اختصاصها بنظر الدعوى بحجة أن دعوة الناخبين للاستفتاء من الأعمال السيادية، حيث ذكرت أن أعمال السيادة لم تُحدد ولا يوجد لها تعريفا جامعاً مانعاً ، ومتروك الأمر للقضاء لتحديدها، وقرار دعوة الناخبين للاستفتاء على تعديل الدستور يتعلق بممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية وهي أمور تتعلق بحريات وحقوق الأفراد وبمراكزهم القانونية الخاصة وتخضع لرقابة محاكم مجلس الدولة، كما أن الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو الماضي حدد المختص بإصدار هذا القرار وهو رئيس الجمهورية كما نظم قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 إجراءات إعلان القرار ، وبالتالي فهو قرارا إداريا يخضع لرقابة القضاء .
واستندت المحكمة إلى الحكم النهائي الصادر من المحكمة الإدارية العليا باعتبار دعوة الناخبين لانتخاب أعضاء مجلس النواب قرارا إداريا، حيث أكدت على أن أعمال السيادة ليست نظرية جامدة وإنما تتسم بالمرونة وتتناسب عكسيا مع الحرية والديمقراطية فيتسع نطاقها في النظم الديكتاتورية ويضيق كلما ارتقت الدولة في مدارج الديمقراطية.