السيسي يحذر من تداعيات خطيرة حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران    محافظ الأقصر يقود جولة تفقدية ليلية بكورنيش النيل لمتابعة النظافة والتجميل    عقوبات أمريكية جديدة تستهدف وزير الداخلية الإيراني وقادة بالحرس الثوري    شوط أول سلبي بين المقاولون والبنك الأهلي في الدوري    ليلة زفافة إصابة عريس واثنين من المعازيم إثر انقلاب ملاكي بقنا    من تونس إلى القاهرة.. تجربة آدم فتحي الشعرية في حوار مفتوح بمعرض الكتاب    أحمد الفخراني يوقع أعماله بجناح دار الشروق في معرض الكتاب    كتاب «جُحر الديب» يكشف التاريخ السري لأرض المتحف المصري الكبير    هيئة «الرعاية الصحية» تجرى 135 ألف عملية جراحية بمحافظة الإسماعيلية    حسام موافي: الأنيميا المزمنة لا أعراض لها ولا تكتشف إلا بالتشخيص المعملي    زد يفوز على فاركو بهدفين في الدوري    خسارة 6000 جنيه فى سعر الجنيه الذهب خلال 24 ساعة    إحباط تهريب 1500 سماعة أذن بحوزة راكب في مطار سفنكس (صور)    الأمن يكشف حقيقة خطف طفل بالشرقية بعد تداول مقطع فيديو للواقعة    إصابة 10 أشخاص في حادث إنقلاب سيارة ميكروباص بالطريق الدولي في البحيرة    برنامج سياحي متكامل لأبطال العرض المسرحي «نور في عالم البحور» بالإسماعيلية    حسن عصفور: المشروع التهويدي الإسرائيلي يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية    إسرائيل تعيد فتح معبر رفح بشكل محدود.. الأحد    الرئيس البرتغالي يمنح حاكم الشارقة أعلى وسام شرف ثقافي سيادي    حسن عصفور: الشاباك الإسرائيلى هو من تآمر لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلى سابقا إسحاق رابين    اتفاق شامل بين دمشق وقوات "قسد".. وواشنطن تعتبره "محطة تاريخية"    وزارة «الزراعة»: تحصين 1.7 مليون رأس ماشية ضد «الحمى القلاعية»    برلماني: كلمة السيسي من الأكاديمية العسكرية ترسم خريطة مصر في مواجهة أزمات الإقليم    جنوب إفريقيا تطالب الممثل الدبلوماسي الإسرائيلي بمغادرة البلاد خلال 72 ساعة    توصيات «نقل حوض النيل»: تأهيل مهني وتضامن عمالي عابر للحدود    قلة النوم في شهر رمضان.. تأثير السهر على الجسد والتركيز    فرحة فى الأقصر بافتتاح مسجدين بالأقصر بعد تطويرهما    مناقشة كتاب الفن والمعرفة كيف يثرى الفن وعينا فى معرض الكتاب    وزير الثقافة الروماني: معرض القاهرة للكتاب يمثل مفاجأة ثقافية إيجابية    أهم أخبار الكويت اليوم الجمعة 30 يناير 2026.. انطلاق أعمال المنتدى الإعلامي الإماراتي الكويتي بمتحف المستقبل في دبي    محافظ القاهرة يتابع إزالة كوبري السيدة عائشة ويكشف محور صلاح سالم البديل    رئيس رابطة التعليم المفتوح: تعديل اللائحة التنفيذية لتنظيم الجامعات جاء مخيبا لآمال الطلاب    السيسي يكشف الهدف من زيارة الأكاديمية العسكرية    وزير الصحة يتابع المرور الميداني على 29 مشروعا صحيا جاريا في 10 محافظات    منى عبد الكريم تعلن انتقال حمزة إلى برشلونة بعد توقيع العقد الثلاثى مع الأهلي    الداخلية المصرية والشرطة الإيطالية تنظم ورشة العمل الختامية لبروتوكول تدريب الكوادر الأفريقية    الحكومة تكشف حقيقة ما تم تداوله بشأن استيراد مصر للتمور الإسرائيلية    عالم بالأوقاف يكشف ل مدد سبب انتشار الزواج فى مصر على مذهب الإمام أبى حنيفة    ضبط 576 متهما بحيازة أسلحة نارية ومخدرات وتنفيذ 84 ألف حكم قضائي خلال 24 ساعة    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    الجيش الإسرائيلي يعلن موعد فتح معبر رفح جزئيا    رغم ضعف الراتب، الأفريقي التونسي يرفض التعاقد مع كهربا    الذهب في الإسلام... قيمة ربانية بين التشريع والاقتصاد..بقلم:د. هاني فايز حمد    استئناف منافسات البطولة العربية للشراع مصر 2026    حماة المال العام.. "الأمن الاقتصادي" يضبط 6 آلاف قضية متنوعة في 24 ساعة    انطلاق منافسات فردي الناشئات بكأس العالم لسيف المبارزة    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 30يناير 2026 فى محافظة المنيا    حالة الطقس.. ارتفاع بحرارة الجو يصل 3 درجات وأجواء دافئة نهارا    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ينظم عددًا من الفعاليات الفنية    بعد تطهيرها، تحرير محضر ضد سيدة ألقت فراخ نافقة في ترعة بالدقهلية    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    محافظ قنا: 18.5 مليون جنيه لتغطية ترعة الخطارة بنقادة بطول 900 متر    الليلة.. الأهلي يواجه سموحة في دوري سوبر السلة    تعليم مطروح: نتيجة الشهادة الإعدادية الثلاثاء المقبل    فحص 20.6 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة    آدم وطني يوضح موقفه من أزمة إمام عاشور: لا علاقة لي بما حدث    الهيئة العامة للكتاب تنفي شائعات غلق معرض القاهرة وتؤكد انتظام الزيارة والفعاليات اليوم    شاركت باعتقال مادورو.. مقاتلات أمريكية في طريقها للمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسجد إشبيلية الجامع .. درة على جبين إسبانيا
نشر في الفجر يوم 18 - 05 - 2013

"إشبالي" المدينة المنبسطة، هو الاسم القديم لهذه المدينة العريقة قبل أن يعرِّبه العرب إلى "إشبيلية"، وهي مدينة كبيرة عظيمة كانت أيام المسلمين من أعظم مدن الأندلس، وتعدُّ اليوم من أكبر وأجمل مدن إسبانيا، وهي عاصمة منطقة الأندلس.. ومحافظة إشبيلية في جنوب إسبانيا، وتقع على ضفاف نهر الوادي الكبير.

عدد سكانها في عام 2007م حوالي 700 ألف نسمة، مما يجعلها رابع أكبر مدينة في إسبانيا في السكان، بعد مدريد وبرشلونة وفالنسيا، ويُنسب إليها خلق كثير من أهل العلم، تقع إلى الجنوب الغربي من قرطبة بالقرب من المحيط الأطلسي.

قال ياقوت الحموي في معجمه: "وإشبيلية.. قريبة من البحر، يطل عليها جبل الشّرف، وهو جبل كثير الشجر والزيتون وسائر الفواكه، ومما فاقت به غيرها من نواحي الأندلس زراعة القطن، فإنَّه يحمل منها إلى جميع بلاد الأندلس والمغرب، وهي على شاطئ نهر عظيم، قريب في العظم من دجْلة والنيل، متيسر فيه المراكب المثقّلة، يقال له وادي الكبير".

وقال الحميري في كتابه (الروض المعطار في خبر الأقطار): "ويطل على إشبيلية جبل الشرف، وهو شريف البقعة، كريم التُّربة، دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضًا، لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه، واشتباك غصونه...".

بدأت إشبيلية عصرها الجديد المشرق عندما فتحها المسلمون، وارتفعت أعلام الإسلام على الأندلس، وتقدَّمت جيوش طارق بن زياد (ت 102ه) تفتتح المعاقل والحصون عام 93ه، ثم قدمت موجة أخرى من الفاتحين بقيادة موسى بن نصير عام 97ه، فأتم فتح المدن التي لم يفتحها طارق بن زياد، وآلت إشبيلية إلى المسلمين بعد حصار دام شهورًا عدة؛ لحصانة أسوارها ومناعتها، واختارها موسى بن نصير حاضرة للأندلس لوقوعها على البحر، وارتباطها بطرق مع سائر المدن الأندلسية الأخرى، وسهولة اتصالها ببلاد المغرب -قاعدة الجيوش الإسلامية- في حالة قيام الأندلس بالثورات، ولكن إشبيلية لم تتمتع بهذا التفوق، إذ تحولت العاصمة إلى قرطبة عقب مقتل عبد العزيز بن موسى عام 98ه.

أصبحت البلاد مسرحًا للفتن والفوضى، بعد أن انبعث الصراع القبلي بين عدد من الولاة الأمويين، وبقي الأمر بينهم كذلك حتى دخل الأمير عبد الرحمن بن معاوية الأندلس (ت 172ه)، وأنقذها من الفتن التي شملتها، فقضى على مظاهر الفوضى المستحكمة بها، وكوّن دولة عربية إسلامية تعدّ امتدادًا للدولة الأموية.

لم يحدث كبير تغير بعد الفتح الإسلامي لإشبيلية، غير ذلك الذي حدث في الجانب الديني والاجتماعي، ووفد إلى إشبيلية عدد من العرب وسكنوها، إلا أنهم آثروا النزوح إلى العاصمة قرطبة، ولما استقر فيها جند حمص عام 124ه، نزلت بإشبيلية قبائل عدّة عربية مثل: بني موسى، وبني زهر، وبني حجاج، وبني الجد، وبني خلدون، وتحوَّل كثير من النصارى إلى الإسلام؛ لحسن معاملة المسلمين لهم.

وفي عام 158ه، اعتلى عبد الرحمن بن معاوية (عبد الرحمن الداخل) سرير الملك بقرطبة، فتمتعت إشبيلية في عهده -ومن خلفه من بني أمية- بازدهار شامل في حياتها، وأقام فيها أمراء بني أمية المنشآت العظيمة الخالدة، وكان عصر عبد الرحمن الأوسط العصر الذي اتصلت فيه إسبانيا الإسلامية بالمشرق العباسي لأول مرة اتصالاً مباشرًا، ذلك أن إسبانيا في عهدها الإسلامي الأول، وخاصَّة في عهد عبد الرحمن الداخل، كانت تحافظ على مُثُلِها وتقاليدها الشَّاميَّة.

استولى المعتمد بن عباد (ت 488ه) على مقاليد الأمور بإشبيلية عام 433ه، وجعلها حاضرة لمملكته الصغيرة، وشهدت إشبيلية في عصر بني عباد ازدهارًا لم تشهده من قبل، ووصل بها الأمر أن أصبحت أعظم مدن إسبانيا الإسلامية، بعد أن تخلت لها قرطبة عن الزعامة، ولكن سرعان ما بدأت عظمة إشبيلية بالتلاشي، خاصة عندما توالى عليها عدد من خلفاء الموحدين الضعفاء، حتى وصل الأمر إلى دخول جيوش قشتالة إليها بعد حصار دام 17 شهرًا، كان ذلك في سنة 645ه.

الحياة العلمية في إشبيلية
تُعدُّ إشبيلية مركزًا من مراكز الثقافة الأندلسية العريقة، حيث يوجد بها جامعة قديمة ترجع إلى قرنين من الزمان، تحتوي على كليات للآداب والحقوق والعلوم وكلية مستقلة للطب، وتدرس العربية قليلاً بكلية الآداب، وينسب إليها خلق كثير من أهل العلم.. منهم في العلوم الشرعية أبو عبد الله بن عمر بن الخطاب الإشبيلي (ت 276ه) وهو قاضيها.

وفيها من اشتهر بالطب وتوارثوه جيلاً بعد جيل، وهم بنو زهر، وأشهرهم أبو العلاء بن زهر بن أبي مروان (ت 525ه)، كان من علماء الطب بالمغرب وتُوفي بإشبيلية، وأبو بكر بن زهر الحفيد, محمد بن أبي مروان بن أبي العلاء بن زهر، ولد سنة 507ه، وكان أوحد زمنه في صناعة الطب، وكذلك كان من أعلم أهل زمانه باللغة العربية.

كما اشتهر منها من علماء الزراعة أبو العباس أحمد بن محمد بن الخليل المعروف بابن الرومية (ت 637ه) عالم النبات الأموي المشهور، وكان عالمًا محدثًا تلقى عنه الكثير من التلاميذ العلوم الشرعية، وأبو زكريا يحيى بن محمد بن العوام الإشبيلي (ت 575ه)، وهو أوَّل من عرف وحدد الترب على أساس نوعها، والنباتات التي تختص بتربة دون غيرها.

إنشاء مسجد إشبيلية
بلغت إشبيلية ذروة مجدها وعظمتها في عهد الموحدين، وخاصة في عهد أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (ت 580ه)، وابنه أبي يوسف يعقوب المنصور (ت 585)، وأصبحت بحق حاضرة الأندلس وازدهرت فيها الحضارة والعمارة.

ومن معالم إشبيلية الحضارية الحي العربي القديم، حيث الشوارع الضيقة التي لا تسمح إلا بمرور السيارات الصغيرة، والهدوء العجيب الذي تنعم به الشوارع نهارًا، وجداول الماء التي في أفنية البيوت، والجدران التي تحمل نقوشًا عربية منقولة بأشكالها المعروفة في القصور والمساجد، وأكثرها يكرر جملة (لا غالب إلا الله).

وأُنشِئ في المدينة منذ تأسيسها في العصر الإسلامي مسجدان جامعان..
الأول: مسجد ابن عديس، الذي بناه الأمير عبد الرحمن الأوسط عام 213ه، وما زالت بقاياه ظاهرة حتى اليوم، وإن كانت تقوم عليها كنيسة سان سلفادور، وكانت قد أصيبت مئذنة المسجد في عام 757ه بأضرار جسيمة؛ نتيجة لزلزال عنيف هدم الجزء العلوي منها، وأقيم مكانها طابق النواقيس الحالي، ثم هدم المسجد بأكمله عام 1081ه باستثناء المئذنة والبهو، وبنيت مكانه الكنيسة الجديدة.

لما ضاق مسجد ابن عديس -بعد مضي ثلاثة قرون على إنشائه- على المصلين من أهل إشبيلية، وكانوا يصلون في رحابه وأقبيته، وفي حوانيت الأسواق المتصلة به، فيبعد عنهم التكبير بالفريضة.. أمر الحاكم الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ببناء مسجد جامع بالقصبة.

الثاني: المسجد الجامع بالقصبة الذي أسسه أبو يعقوب يوسف، وهو منارتنا في هذا البحث.

عمارة جامع إشبيلية
بدأ العمل المبارك في بناء هذا الصرح في شهر رمضان المبارك عام 567ه، وعُهد إلى شيخ العرفاء أحمد بن باسة الإشبيلي -وهو من أبرز خبراء البناء والتصميم والتخطيط وتنفيذ المشاريع الموحدية الكبرى والبناءين من أهل إشبيلية ومراكش وفاس- بذلك، وقد حفر المهندسون أساسه حتى وصل الحفر إلى الماء، ثم وضع أساسه من الآجر والجير والجص والأحجار، وأسست دعائمه تحت مستوى سطح الأرض.

استمرت عملية البناء من غير توقف ولمدة أربعة أعوام، حتى وصل البناء إلى التسقيف، وشابه -إلى حد كبير- مسجد قرطبة الجامع من حيث الاتساع والفخامة، واهتم العرفاء ببناء قبة المحراب، وأودعوا فيها كل عبقريتهم.

منبر جامع إشبيلية
صُنع للمسجد منبر من أغرب ما قدر عليه من غرابة الصنعة، اتخذ من أكرم الخشب مفصلاً منقوشًا مرقشًا محكمًا بأنواع الصنعة والحكمة في ذلك، من غريب العمل، وعجيب الشكل والمثل، مرصَّعًا بالصندل، مجزَّعًا بالعاج والأبنوس، يتلألأ كالجمر بالشعل، وبصفائح من الذهب والفضة، وأشكال في عمله من الذهب الإبريز يتألق نورًا، ويحسبها الناظر لها في الليل البهيم بدورًا.

ثم أقيمت له مقصورة أحاطت بالمحراب والمنبر لصلاة الخليفة، وبُني ساباك يربط بين المسجد والقصر؛ حتى يتسنى للخليفة أن يمشي فيه أثناء خروجه من قصره إلى الجامع للصلاة، وكان المسجد يشتمل على سبعة عشر رواقًا عمودية على جدار القبلة، البلاط الأوسط منها أكثر البلاطات اتساعًا، وعقود الجامع منكسرة تستند إلى دعائم من الآجر، وكان يدعم جدران الجامع الخارجية دعامات ضخمة لتدعيم الجدران، وافتتح الجامع في احتفال حضره الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وولي عهده الناصر، وجميع بنيه وأشياخ الموحدين، والقاضي وأعيان المدينة، وخُطبت أول جمعة من على منبره بتاريخ 24 ذي الحجة سنة 577ه.

منارة جامع إشبيلية الشامخة
بعد الافتتاح المبارك، أمر الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ببناء مئذنة شامخة للمسجد، إلا أنه تُوفي في هذه السنة فتوقف العمل، ولما تولى ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور الذي خلف أباه؛ أَمَرَ والي إشبيلية بالإشراف على إتمام مشروع أبيه، وإكمال بناء مئذنة تجاوز في ارتفاعها مئذنة قرطبة..

ولم توضع اللمسات الأخيرة النهائية بتعليق التفافيح الذهبية بأعلى الصومعة إلا بعد فراغ هذا الخليفة من غزوة "الأراك" أو "الأرك" في شهر شعبان من سنة 591ه، وارتفعت المئذنة في رشاقة مشرفة على سهول إشبيلية، لا صومعة تعدلُها في جميع مساجد الأندلس، تظهر للعين على مرحلة من إشبيلية مع كوكب الجوزاء، تثير إعجاب المسلمين والنصارى فيما بعد على السواء.

وصف مسجد إشبيلية الجامع
تخطيط الجامع هو عبارة عن مساحة مستطيلة يتبع طراز المسجد التقليدي، وهو الصحن الأوسط والأربع ظلات المحيطة به، ويُدخل إليه عبر خمسة عشر بابًا، سبعة منها في الضلعين الشرقي والغربي، والباقي في الضلع الشمالي، والباب الرئيسي يُعرف ب"باب الزعفران"، وما زال يحتفظ بمصراعيه.

وصحن الجامع عرضي عُرف باسم "بهو البرتقال"؛ لكثرة أشجار البرتقال المزروعة بأرضيته، ويحيط بالصحن بائكات الظلات الأربعة، وظلة القبلة تشغل ثلثي مساحة الجامع، وتتكون من سبع عشرة بلاطة تسير عقودها عمودية على جدار القبلة، أما الظلتان الجانبيتان فتتكون كل منهما من بلاطة واحدة.

إشبيلية .. النهاية الحزينة
لما سقطت إشبيلية في يد "فرناندو الثالث" ملك قشتالة سنة 646ه، قام بتحويل المسجد الشامخ إلى كنيسة أسماها كنيسة "سانتا ماريا"، وحفظت بها رفات فرناندو الثالث ملك قشتالة، وشُيِّد بالجامع قبر للرحالة "كريستوفر كولومبس" مكان مربع المحراب، وظل المسجد قائمًا على تلك الحال دون أن تصيب عمارته أضرار جسيمة، وتلاحقت عليه بعد ذلك المصائب على إثر الزلازل التي ضربت البلاد، فاضطر المجلس الكنسي بإشبيلية إلى اتخاذ قرار بهدمه وبناء كاتدرائية إشبيلية مكانه.

وبالفعل هدمت الجهة القبلية للجامع، ووضع حجر الأساس في البناء الجديد عام 804ه، وظل بهو الجامع المعروف ب"بهو البرتقال" محتفظًا بسلامته إلى حد كبير، حتى تهدمت مجنبته الغربية عام 1026ه. ولم يتبق من جامع الموحدين إلا دعامات البائكتين الشمالية والشرقية المطلة على الصحن، وعدة عقود تطل على بهوه من جهتي الشمال والشرق، ومن بين هذه العقود عقد الباب المعروف بباب الغفران، ومصراعا الباب المصفح بالبرونز وكتاباته الكوفية.

أما المئذنة فقد تحولت بعد سقوط إشبيلية إلى برج للأجراس ملحق بالكنيسة، ثم أزالت إحدى الصواعق الجزء العلوي من المئذنة عام 899ه، كما سقط جزء آخر منها في زلزال عام 909ه، وأقام الأسبان مكان هذا الطابق العلوي طابقًا جديدًا من البناء عام 974ه، نُصب في أعلاه تمثال من البرونز يدور مع الرياح، ومن هنا أطلق عليه اسم "خيرالدة" أو "دوارة الهواء"، وتحول هذا الاسم إلى "خيرالدا"، وأصبح يطلق منذ أوائل القرن الثامن عشر على البرج بأكمله.

ولا يخفى على الزَّائر أنّ "الخيرالدا" اليوم هي إحدى معالم إشبيلية الخالدة، لدرجة أنها جرت في وجدان وتراث الإشبيليين، حتى كادت تضاهي سمعة نهرها (الوادي الكبير) الذي يحمل اللفظ العربي نفسه.

خاتمة
سقطت قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وكبرى قواعد الأندلس، ومثوى العلوم والآداب.. بعد أن ملكها المسلمون أكثر من خمسمائة عام، وكان سقوطها عام 633ه ضربة قاسية، وكارثة جسيمة في العالم الإسلامي كله، وعُدَّ سقوطها نذيرًا مهددًا بخضوع معظم البلاد إمّا عاجلاً وإما آجلاً، وتبعها بالسقوط بلنسية عام 636ه، ودانية عام 641ه، وجيان عام 643ه، وشاطبة ومرسية عام 664ه، وإشبيلية عام 646ه.

استولى النصارى على آخر المدن الإسلامية (غرناطة)، وخفق علم النصرانية فوق مآذن جوامعها، وطُويت صفحة الأمجاد والبطولات بأصابع الخيانة والذل، وانتشرت أخبار مذابح الصليبيين في الممالك الإسلامية، وقد وصف الشاعر أبو الفداء الرندي (ت 684ه) أفعالهم بقصيدته المعروفة:

لكلِّ شيء إذا ما تم نقصانُ *** فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتهأا دُولٌ *** من سرَّه زمن ساءته أزمان
فاسأل بلنسيةً ما شأنُ مرسية *** وأين شاطبةٌ أم أين جيَّان
وأين قرطبة دار العلوم فكم *** من عالم قد سما فيها له شان
حيث المساجد قد صارت كنائسَ *** ما فيهم إلا نواقيسٌ وصلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ *** حتى المنابرُ ترثي وهي عيدان

وتقف مئذنة مسجد إشبيلية الجامع، ويبدو الشموخ عليها واضحًا رغم وضع الأجراس فوقها، وكأنها تقول: "هأنا ما زلت مسلمة، وسيرجع إليَّ المسلمون في يوم ما؛ ليملئوا سمائي نورًا وتكبيرًا".

غربت شمس الإسلام عن بلاد الأندلس، بعد أن أنارت هذه البلاد لقرون، أقاموا خلالها أروع حضارة عرفها الغرب، وكان من أثر حضارة الإسلام أن فتحوا أدمغة الغرب إلى العلم والحضارة، وأحيوا فيه إنسانيته، بعد أن عاش تحت الأوهام والخرافات قرونًا.

وبقيت حضارة المسلمين شاهدة وناطقة على المجد التليد الذي شيَّده المسلمون، فها هو جامع إشبيلية وجامع قرطبة وقصر الحمراء والزهراء، معالم حضارية تحكي قصة المسلمين في الأندلس المفقود، قال أحدهم متألمًا:

وقفت بالزّهراء مستعبرًا *** معتبرًا أندب أشتاتا
فقلت: يا زهرا ألا فارجعي *** قالت: وهل يرجع من ماتا؟
فلم أزل أبكي وأبكي بها *** هيهات يغني الدمع هيهاتا

المراجع:
1- المسجد الجامع بقصبة إشبيلية، د. عماد عجوة.
2- معجم البلدان لياقوت الحموي.
3- العمارة الإسلامية في المغرب الإسلامي، د. محمد محمد الكحلاوي.
4- العمارة الإسلامية في المغرب والأندلس، د.أحمد التوني رستم.
5- لماذا غربت شمس الإسلام عن الأندلس، د. أبو النور أحمد الزعبي.
6- الأعلام، لخير الدين الزركلي.
7- ابن العوام الإشبيلي، د. محمد هشام النعسان.
9- المساجد والقصور في الأندلس، د. عبد العزيز سالم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.