متأخرون هم الإخوان المسلمون، دائما متأخرون بخطوات عن الحدث، وذلك لأنهم يريدون وراثة نظام مبارك كما هو، بحيث يضعون أنفسهم بدلا من الحزب الوطنى، وهو أمر مستحيل، لأن مبارك سقط، وقبل أن يسقط انتهت صلاحية نظامه، وطريقته فى الحكم، والآلية التى يدير بها هذا البلد. متأخرون هم الإخوان، وبدلا من أن يتعلموا من تجربة مبارك أن الانفراد بالحكم هو الطريق للهلاك، والانتهاء، تعلموا منه فقط كيف يتم القمع، وهم يظنون أنهم "شاطرون"، مع أن مبارك كان أشطر.
مبارك هو الذى وضع بذرة التحرش، ونظرية كسر العين، عندما حدث، ولأول مرة، تحرش بالمتظاهرات فى استفتاء مايو 2005. وبحكم خبرتى الشخصية، منذ عام 1991، عندما بدأت أسير فى المظاهرات، وأشارك فى أعمال الاحتجاجات، فإن الاعتداء على النساء لم يكن فى قاموس القمع.
عرفنا كل شيء: الغاز، المطاطى، الاستضافة فى أمن الدولة، الحبس، الاعتداء الجماعى بفرق الكاراتيه، كل هذا عرفناه وألفناه، لكن كان هناك تقليد، لم نعرف كسره أبدا، وهو عدم الاعتداء على البنات.
فى مارس 1995، ألقت قوات الأمن القبض على نوارة نجم، ولم تكن وقتها معروفة بالطبع، وزميلتها وردة إبراهيم، وقضيتا فى السجن نحو 45 يوما، لم تتعرض أى منهما للاعتداء. وكان حدثا جللا أن يتم القبض على بنتين.
لكن مبارك قرر كسر القاعدة، واعتدت ميليشياته وزبانيته ورجال أمنه على المتظاهرات، أذكر منهن الراحلة نوال على، وأطلق نساء خارجات عن القانون للتحرش بالبنات والسيدات من المتظاهرات.
لكن مبارك لم يكررها، أو على الأقل لم يصعد هذا الأسلوب، كان يظهر بين الحين والحين، قبل أن يفلت منه الزمام فى النهاية.
ورث الإخوان جبروت مبارك، وقرروا تطوير الآلية، ووصلوا إلى ذروتها فى الفترة الأخيرة. وتحديدا منذ أحداث محمد محمود الثانية، 19 نوفمبر 2012.
مجموعات منظمة تتحرش بالفتيات المتظاهرات، ولا تقيم فرقا بين سيدة كبيرة وبنت صغيرة، محجبة أو غير محجبة، غنية أو فقيرة، وحتى التحرش لا يهدف إلى متعة جسدية للمتحرش، لكنه يهدف إلى كسر عين المتظاهرة، وإبعادها عن السياسة نهائيا، وإرسال رسالة تهديد للأخريات.
لكن ما غاب عن الإخوان هو أن هذا السلاح، هو سلاح قديم، فاسد، تجاوزه الزمن كما تجاوزهم.
ربما كان هذا جائزا قبل أعوام، عندما كانت المرأة التى تتعرض للتحرش أو حتى الاغتصاب أو غيرها من طرق القهر الجنسى، تتعامل كالفضيحة، تخشى الناس، ويخشونها، تحاول أن تصل إلى الستر وكفى به نعمة، وتفرح إذا اكتفى القدر بما جرى لها، فلم يعرف البشر بما جرى لها.
لكننا الآن لسنا فى هذا المجتمع، صحيح أن الصورة ليست وردية، لكنها فى الوقت نفسه، ليست بقتامة الماضى، لقد عرفت الألفية الجديدة نساء مصريات كسرن جزءا من حاجز الخوف، وكل يوم تأتى نساء أخريات، يكسرن جزءا، وقريبا لن يكون هناك حاجز، فقط سيكون أطلالا شاهدة على الأيام الصعبة.
وللمفارقة فإن أول حجر فى هذا الحاجز سقط بعد سنة كاملة من الاعتداء على المتظاهرات فى استفتاء مايو 2005، فبعد 364 يوما بالتمام والكمال، وفى 24 مايو 2006 استطاعت سيدة مصرية اسمها هند الحناوى أن تغير مجرى الأمور تماما.
لم تكن هند وقتها تواجه فقط رجلا استغلها جنسيا حتى حملت منه ثم تبرأ من فعلته كما هى العادة، بل كانت تواجه مجتمعا وطريقة فى التفكير. الأروع كان مساندة والدها الدكتور أحمد الحناوى أستاذ الاقتصاد، الذى وقف معها فى وجه العائلة الفنية: أحمد الفيشاوى ووالديه فاروق الفيشاوى وسمية الألفى. وقتها تحملت الحناوى كل صنوف المعاناة، ونظرات الشك، ولعنات المجتمع الذى يفضل التواطؤ على المواجهة، لكنها انتصرت فى النهاية، وانتصرنا معها.
لم تكن الحناوى سوى ضربة البداية، لكن الهدف الأول أحرزته نهى رشدى، وكان متصلا مباشرة بالتحرش الجنسى.
نهى رشدى هى أول فتاة فى مصر تحصل على حكم قضائى لصالحها فى قضية تحرش جنسى، وتعمل نهى كمخرجة أفلام وثائقية، وهى خريجة كلية الحقوق بجامعة القاهرة وتبلغ من العمر 31 عاماً.
كانت نهى وصديقة لها تسيران فى أحد شوارع شرق القاهرة بمنطقة مصر الجديدة فى شهر يونيو 2008، حيث تعرض لها سائق سيارة نصف نقل (شريف جبريل) متحرشاً بها جنسياً. اقترب حتى أصبح بالقرب منها وأمسك بصدرها حتى سقطت على الأرض، وظلت تصرخ دون أن يغيثها أحد، وكاد المتحرش أن يهرب بسيارته لولا أن سيارة قادمة فى الاتجاه المعاكس أجبرته على التوقف.
بعد محاولات وشد وجذب وبمساعدة أحد الشباب تمكنت نهى من اصطحابه إلى قسم الشرطة الذى حرر محضراً بالواقعة حبس على أثرها الشاب "شريف جبريل" 27 سنة احتياطياً حتى تمت محاكمته. وفى نهاية الجلسة الأولى للمحاكمة التى عقدت سرياً فى 21 أكتوبر 2008 أصدرت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار أحمد شوقى الشلقانى حكمها عليه بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات والغرامة بمبلغ 5000 جنيه.
وقتها، أنجزت نهى إنجازا كبيرا لأن الكثيرين، وعلى غير المتوقع، نظروا للفتاة بشكل كبير من التقدير لشجاعتها وجرأتها وإصرارها على المطالبة بحقها حتى حصلت على هذا الحكم، رغم كونها أعربت وقتها عن شعورها بصدمة من رد فعل الناس الذين شهدوا الواقعة والذى اتسم باللامبالاة.
لكن القضية لم تعد كما كانت، وأشادت صحف عالمية بالحكم الصادر فى هذه القضية لأنه يعتبر رادعاً لظاهرة التحرش الجنسى ومن هذه الصحف «فاينانشيال تايمز» البريطانية و«لوس أنجليس تايمز» و«نيويورك تايمز».
بعد الثورة، التى فتحت كل الملفات، لم يعد ملف التحرش الجنسى كما كان، حالات فردية تنتفض هنا وهناك، وقبل أن يصل الإخوان للحكم، ويتحول الأمر إلى منهج للقمع، فتحت البنات قضية التحرش، وكانت البداية من المدونة شيرين ثابت التى كتبت مجموعة من التدوينات على فيسبوك وتويتر تحت عنوان "موقع إباحي" عرت فيه المستوى الأول من الظاهرة، وردود فعل المصريين عليها.
شيرين حرضت وقتها صديقاتها، فى الواقع وفى العالم الافتراضى، ومن البنات اللاتى استجبن كانت المدونة إيمان عبد الرحيم، ثم انتشرت المقاومة الشعبية.
وقتها، تحملت بنات الحملة عبء السخرية من جانب، والتحرش الإلكترونى من جانب آخر، لكن الحملة نجحت، وانتقلت إلى مستوى ثان، وبدأ فعل فى الشارع، والأهم أن هناك قطاعا عريضا لم يعد يتعامل مع الظاهرة باعتبارها "كسر عين" للبنت. وكلنا رأينا فى الأحداث الأخيرة، كيف أن البنات روين تجاربهن بكل جرأة وانفتاح، وتحملت المخرجة سلمى الطرزى كثيرا من مسئولية التدوين، والحديث إعلاميا عن الأمر، وتنظيم مقاومته فى الشارع. وكتبت أكثر من تدوينة تشرح الموقف بشيء من الجرأة والشجاعة.
سلمى هى المتحدث الإعلامى لحركة "قوة ضد التحرش"
أيها الإخوان المسلمون: لم يعد التحرش فضيحة كما كان، ولن يعود ذلك، تحررت بناتنا جزئيا، وسيتحررن كليا فى الطريق، ولن يكون التحرش سوى جريمة، جريمة تضاف لسجل تجاربكم التى سنحاسبكم عليها قريبا، جملة وقطاعى.