فى لحظة مفصلية تمر بها مصر قد تودى بها إلى غياهب الظلمات وإلى بحور من الدماء وإلى فتن لا يحمد الله عقباها أو إلى بداية لمشروعية دستورية تؤسس لممارسة ديمقراطية وليدة تقول فيها لا أو نعم. من الواجب على كل مواطن قادر على الفهم والتعقل والتبصر (وليس الإنقياد إلى رأى أو آخر دون علم بالمحتوى والمضمون) ، أن يقرأ مشروع الدستور بموضوعية ثم يصوت بلا أو بنعم ، فقول نعم فى إنسياق مع فريق دون تبصر خطيئة وقول لا دون علم وبصيرة خطيئة أكبر. إن الوطن فى خطر والسعار الإعلامى يموج بأهواء متضاربة قليلها غير حزبى ضيق ينظر إلى مصلحة الوطن وكثير منه متعصب أو مأجور والقضاء كما هو المجتمع المصرى فيه الصالح وفيه الطالح وفيه من ينحاز إلى الحق وفيه من ينحاز إلى مصلحته الشخصية وتلك طبائع البشر فالكمال لله وحده. فى أيام نرى فيها من كان مؤيداً لفاسد ومساهماً فى تزوير إرادة الناخبين ومعادياً للثورة قائداً للثوار فذلك هو عصر العجب العجاب. فعلى كل مواطن أن يقرأ نصوص مشروع الدستور ويستمع إلى شرحها -إذا ما كان من غير المتخصصين- حتى لا نقاطع دون تبصر أو نقول نعم دون بصيرة وحتى لا تزج البلاد فى بحور من الفوضى.
نرى الآن فى كل معسكر قليل من العقلاء وكثير من الموتورين وبعض أصحاب المصالح والأحزاب الكرتونية التى كانت صنيعة النظام السابق الفاسد والأصل أن ننظر إلى مشروع هذا الدستور بموضوعية ولا نقول لمن يقول لا أنه فاسق أو لمن يقول نعم أنه منساق فالكل مصرى من حقه التعبير عن رأيه بحرية.
إن المخاطر الداخلية والخارجية قد تضطر من يقوم على إدارة البلاد إلى إتخاذ إجراء إستئنائى موقوت حماية لما تبقى من مؤسسات منتخبة من الشعب ذلك أن الشعب هو مصدر السلطات وإذا كنا قد قبلنا بالديمقراطية فإننا لابد أن نحتكم إلى الصندوق. عليه ومن منطلق غير حزبى (حيث لست عضواً بأى حزب أو منتمياً لأية جماعة سياسية وبعد 38 عاماً من ممارسة المحاماة والعمل المجتمعى) وبعد قراءة متأنية لنصوص مشروع الدستور رأيت أنه لزاماً على أن أقولها بصراحة أنه ليس هناك مشروع دستور مثالى وأن مجمل ما ورد فى مواد وأبواب هذا الدستور يحقق تطلعات الثورة من الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية حيث أفاض الدستور فى باب الحريات والحقوق وقلص من سلطات رئيس الجمهورية التى يقتسمها مع رئيس مجلس الوزراء وأوجد الأجهزة الرقابية المستقلة وأطلق حرية إنشاء الأحزاب والنقابات أما القول بأن به مادة قد تؤدى إلى نشوء ما يسمى جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فهو قول غير دقيق حيث أن الدساتير والقوانين فى أعرق الديمقراطيات الأوروبية تنص على ضرورة حماية الآداب العامة والنظام العام الذى تتفاوت معاييره نسبياً من مجتمع لآخر وفى مشروع الدستور الجديد تتولى ذلك أجهزة الدولة المختصة تحت رقابة القضاء وليس جهات أهلية. إن مشروع الدستور هذا ليس نصاً إلهياً مقدساً فقد تضمن مشروع الدستور آليات تعديله بوضوح حيث نص على أنه يمكن لنسبة الخمس من مجلس النواب أن تتقدم بإقتراح لتعديل الدستور فى أى فصل تشريعى ، ولا أرى أن المقاطعة نافعة ، ولنرجع إلى التاريخ حيث ذاع فى مصر بمناسبة دستور عام 1923 أنه قد وضع من قبل لجنة الأشقياء وكان من أفضل الدساتير. إن مشروع هذا الدستور نتاج عمل إمتد لشهور عدة شاركت فيه قوى مختلفة وأفصحت عما تراه صالحاً لمصر ثم رأى البعض الإنسحاب بعد شهور طويلة من العمل والتوافق على الكثير والإختلاف على القليل وهذا حقهم ، والرأى عندى هو المشاركة وإبداء الرأى بلا أو بنعم بعد الدراسة المتأنية وإذا قال البعض أنه يفضل جر البلاد إلى إعتراك دموى يعقبه إنقلاب عسكرى أقول له إحرص على مصلحة الوطن ولا تعد بنا 60 سنة إلى الوزراء.
إن ما حدث من تخبط فى المرحلة الإنتقالية كنتيجة لنقص الخبرة وضعف الكفاءة فى حين أو بسوء نية فى حين آخر ثم قيام المحكمة الدستورية بإبطال مجلس تشريعى منتخب بحكم يصدر فى مدة صاروخية (لم يحدث مثلها فى ظل إبطال البرلمانات السابقة حيث صدرت الأحكام بعد سنوات من إقامة الدعاوى) وحيث أن صحيح القانون كان مؤداه إبطال إنتخاب نسبة من أعضاء مجلس الشعب وليس إبطال المجلس كله قد جر البلاد إلى غياب لسلطة التشريع ثم إلى تخبط ركز المجلس العسكرى كنتيجة لذلك سلطة التشريع وسلطة التنفيذ فى يده ثم ورثها عنه رئيس الجمهورية بعد أن أزاح حكم العسكر عقب فضيحة شهداء سيناء.
الرجاء البعد عن الإنسياق وراء الأصوات العالية التى قد تقول باطلاً أو حقاً والرأى عندى أن السياسة الإعلامية الرسمية وليس سوء النية أو سوء القصد هو الذى أدى إلى إخراج الإعلان الدستورى الأخير عبر وسيط إعلامى غير مناسب فكان الأصل أن يوجه خطاب السيد الرئيس إلى الأمة عبر وسائل الإعلام الرسمية وليس فى محفل معين لكن هذا الخطأ الإعلامى لا يشوب المضمون اللازم الذى إستوجبته الضرورة وللضرورة أحكام.
بعد قراءة متأنية لمشروع الدستور سوف أقول نعم لأن فى ذلك خطوة إلى الأمام فلدينا سيارة ليست هى بالمثالية (فالكمال لله وحده) لكنها أفضل كثيراً من سابقتها وما لا يدرك كله لا يترك كله فإذا كانت السيارة موجودة وقابلة للسير فالسؤال يكون عن جودة المنتج وليس عن أسلوب الإنتاج لا تقاطع وقل بعد تروى لا أو نعم. حفظ الله مصر ،،،