لم يدر بخلد أحد من رجال القانون أن يؤول الغرياني شيخ القضاة إلي ما آل إليه بل ولم يخطر في ذهن أشد أعدائه رغم أن مِثلُه لا عداوة له أو معه فماضيه يزكيه وينزهه ولكن حاضره أصبح مدعاة للتأمل. فقد كان الغرياني على رأس اللجنة التأسيسية للدستور وهذا جعلنا أن نتصور في الحد الأدنى أن يخرج مشروع الدستور أكثر ضمانة واستقلال للقضاء وهيبته بصرف النظر عن باقي جهات الدولة وأن كانت لها جلالتها واحترامها. ولكن هذا الحد الأدنى لكفاية استقلال القضاء وهيبته لم يتوافر فيما ورد في مشروع الدستور حيث نص هذا المشروع على أهدار استقلال القضاء كلية وبذلك يكون أخر عمل قام به الغرياني هو الانتحار الأدبي مع سبق الإصرار والترصد ويتبين ذلك من الأتي: أولا: لقد جعل مشروع الدستور من النيابة العامة نيابة صورية ليس إلا خالية من المضمون وسلبها كل اختصاصها وهي التحقيق وإصدار الأوامر الجنائية وبذلك جعل الغرياني رجل الضبط القضائي أعلي هامة من رجال النيابة إلا أنه يملك في أحوال التلبس القبض والتفتيش الذي لا تملك النيابة الصورية طبقا لمشروع الدستور، وبذلك أصبحت النيابة مثل الممثل السينمائي الذي يقوم بتأدية الدور الذي يمليه عليه كل من المؤلف والسينارست وكاتب الحوار والمخرج فهم الذين يحددون دور الممثل السينمائي. وهو نفس الأمر الذي أخرجه الغرياني في مشروع الدستور حيث سلبها سلطة التحقيق ومنعها من إصدار أوامر القبض والضبط والإحضار والتفتيش والحبس الاحتياطي والمنع من التنقل أي أن عضو النيابة يصبح منفذاً لما يمليه عليه قاض التحقيق ليس إلا راضخا لتحقيقاته مصغيا لتعليماته منفذا لأوامره. لذلك قُلّ النيابة الصورية ولا تقُلّ النيابة العامة. ومن ناحية ثانية فقد ارتكب الغرياني مخالفة لقواعد المساواة في الدستور لأن المعروف عالميا أن المواطنين أمام الدستور سواء ولا يجوز تمييز طائفة عن غيرها حيث جعل الغرياني مدة النائب العام أربعة سنوات يبدأ تنفيذها عليه فور صدور الدستور وجعل مدة رئاسة الجمهورية أربعة سنوات لا تطبق إلا بعد انتهاء فترة الرئيس الحالية ومن جانبنا نتساءل إذا لم يكن هذا تمييز لطائفة على أخري فماذا يكون أذن وما سببه. ومن ناحية ثالثة نقل مشروع الدستور النيابة العامة من السلطة القضائية إلي فرع آخر في الدستور لتصبح مع النيابة الإدارية والمدنية وهيئة قضايا الدولة رغم أن رجالها ورجال القضاء جسدا واحدا لا يتجزأ. ثانيا: لم يقف الغرياني عند اعتدائه على استقلال وهيبة القضاء في المشروع فحسب بل تعدي ذلك وأصبح يعمل ما يقول حيث ساهم ولو بقدر ضئيل في مشروع إقالة النائب العام أو حتى التستر على الإقالة في حين أنه وأن لم يصح عدم مشاركته أو تستره على الإقالة فإن واجبه الأساسي أن يعلن رفضه ودفاعه عن منصب النائب العام لأننا في دولة القانون ولا يجوز فيها أن تتدخل السلطة التنفيذية في عمل السلطة القضائية ولنا أن نتساءل أين دوره في الذود عن النيابة العامة وعن من ويمثلها قولا وفعلا. ثالثا: لم يقف الأمر عند هذا الحد لقد بلغ الشطط بمشروع الدستور مبلغا حيث قضي على استقلال القضاء بأكمله من حيث سماحة للسلطة التنفيذية بتعيين مستشاري المحكمة الدستورية ولنا أن نتساءل هل يوجد بعد ذلك محكمة دستورية. أن هذا الأمر الجلل يجعلنا نقف صامتين عما يحدث من شيخنا الفاضل الغرياني لأن ماضيه يزكيه ويحول بيننا وبينه أن نسئ الظن به وندعو الله له بأن يحفظ للقضاء والقضاة والنيابة قدرها ومقامها واستقلالها وهيبتها قدر استطاعته اللهم استمع وتقبل يا نعم المولي ونعم النصير.