حزب الله اللبناني يعلن استهدف مقر الوحدة البحرية الإسرائيلية "شيطيت 13" جنوب حيفا    فيديو | حزب الجبهة الوطنية يناقش تداعيات التصعيد العسكرى فى الشرق الأوسط    جولة ليلية لنائب محافظ الفيوم بمجمع مواقف أبشواي لمتابعة التزام السائقين بالتعريفة الجديدة    الجيش الكويتي: إصابتان وأضرار مادية في هجوم بطائرة مسيرة استهدف عمارة سكنية جنوب البلاد    تزحف الآن، الأرصاد تحذر هذه المناطق من أمطار وشيكة    السيطرة على حريق داخل محل بمنطقة البساتين    خبير اقتصادي: العالم يستهلك 114 مليون برميل يوميًا.. وأي اضطراب يرفع الأسعار    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الخميس 12 مارس    العقود الآجلة لخام برنت ترتفع 9% إلى 100.38 دولار للبرميل    إطلاق صواريخ متزامنة من لبنان وإيران باتجاه شمال ووسط إسرائيل    ضبط المتهمين بالتعدي على أمين شرطة منعهما من السير أعلى الرصيف| فيديو    هاني شاكر يطير إلى فرنسا لاستكمال الفحوصات الطبية    فيدرا: لا أعرف رامز شخصيًا وبرامجه مرفوضة بالنسبة لي    ما أنسب وقت لإخراج زكاة الفطر في رمضان؟ عضولجنةالفتوى بالأزهر يجيب ل«الفجر»    الصحة: استراتيجية وطنية جديدة للتعامل مع الأمراض النادرة    مصطفى كامل يكشف تفاصيل الحالة الصحية لهاني شاكر وسفره إلى فرنسا    استشهاد 8 أشخاص وإصابة 17 في غارة إسرائيلية على قضاء بعلبك شرق لبنان    رمضان.. طلب المغفرة    وزير الصحة: المنظومة الصحية عنصر أساسي في حماية الاستقرار الوطني    إنبي يوقف سلسلة انتصارات الزمالك ويحرمه من معادلة رقمه القديم    كارولين عزمي تكشف حقيقة ارتباطها بأحمد العوضي    ترامب يُهدد إيران: نستطيع تدمير محطات الطاقة خلال ساعات    حقيقة الحكم ضد شيرين عبد الوهاب.. محامى الفنانة: الدعوى غير مقبولة لوجود شرط التحكيم    الفنان أحمد عبد الله: الجمهور تعاطف مع «علي كلاي» وهاجمني شخصيًا    «ملتقى الفكر الإسلامي» يستعرض «تاريخ الوقف والقضاء والإفتاء»    الحرس الثوري: هجوم الليلة على إسرائيل تم بالتنسيق مع حزب الله    محمد الشناوي يكسر صمته ب«القانون»: صور البلوجر رنا أحمد مُلفقة والزواج السري محض خيال    جريمة هزت القليوبية.. إحالة أوراق ميكانيكي للمفتي لاتهامه بالاعتداء على قاصر    إنقاذ حياة طفلة حديثة الولادة بعملية دقيقة وتحويل مسار بالأمعاء بمستشفي طوخ المركزي    جوارديولا: نتيجة مباراة ريال مدريد لا تعكس أداء مانشستر سيتي    تعرف على نتائج الجولة الثالثة من الدور النهائي لدوري السوبر للكرة الطائرة    أحمد فتحي: الشريعي رفع الضغوط عن لاعبي إنبي وحفزهم بمكافآت للفوز على الزمالك    د. محمد راشد يكتب: إيمانًا واحتسابًا    المكتب الإعلامي لحكومة دبي: السيطرة على حريق محدود إثر سقوط مسيرة في دبي كريك هاربور    البنتاجون يخبر الكونجرس أن الأسبوع الأول من الحرب على إيران كلف واشنطن أكثر من 11.3 مليار دولار    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الثانية والعشرين في المساجد الكبرى    أمسية رمضانية لتكريم حفظة القرآن الكريم من طلاب مدارس هابي هوم ببني سويف    أحمد فتحي: الشريعي وعد لاعبي إنبي بمكافآت كبيرة للفوز على الزمالك    الدوري المصري - تعرف على الترتيب بالكامل بعد خطف إنبي بطاقة مجموعة اللقب    وكيل صحة دمياط: تطوير أنظمة المستشفيات ورفع كفاءتها ب1.3 مليون جنيه    حجز شقيق رنا رئيس 24 ساعة على خلفية اتهامه بحيازة مواد مخدرة وسلاح أبيض    مع اقتراب عيد الفطر.. "كحك العيد" ينعش البيوت والأسواق فى القرى المصرية    باريس سان جيرمان يكتسح تشيلسي بخماسية في ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا    ياسمين عبد العزيز.. وحملات التشويه    صبري عبدالله يكتب: صرخة الخواجه جي بي تي    أخبار × 24 ساعة.. إجازة عيد الفطر 2026 من الخميس 19 مارس حتى الاثنين 23 مارس    رئيس برلمانية حماة الوطن: ندرك حجم التحديات ونتابع تداعيات زيادة أسعار المحروقات    تموين سوهاج: توزيع 66867 أسطوانة بوتاجاز بجميع المراكز خلال أسبوع    تكريم 43 من حفظة القرآن الكريم المعلمين ببني سويف.. صور    مستشفيات جامعة عين شمس تحذر العاملين بها من هذا الأمر (مستند)    فتح باب التظلم على نتيجة مسابقة وظيفة عامل مسجد بالأوقاف عبر بوابة الوظائف الحكومية    رئيس جامعة القاهرة: دورنا لا يقتصر على التعليم بل يمتد لتنمية وعي الطلاب    إحالة 3 من مديري المدارس وموجه ومعلمين للتحقيق لعدم الانضباط في قنا    وزارة الصحة توضح أفضل مواعيد تناول أدوية الغدة الدرقية خلال شهر رمضان    أسباب الفتق الإربي عند الأطفال وأعراضه    بعد معركة قانونية طويلة.. أحكام نهائية لصالح شركة للإنتاج الفني ضد شيرين عبد الوهاب    موعد إجازة عيد الفطر المبارك 2026    مجلس جامعة الدلتا التكنولوجية يقر إنشاء مجلس استشاري للصناعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شيخ الأزهر : أدعوكم إلى البعد بالشعائر الدينية عن الصراعات السياسية المتقلبة
نشر في صدى البلد يوم 17 - 06 - 2016

حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، كانت أعظم حجة في التاريخ وأفضلها، أقام فيها شعائر الله تعالى، وعظّم حرماته، وصدع بدينه، وبين للناس مناسكهم، وخطب ينذرهم ويعلمهم ويبشرهم.
أذّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما عزم على الحج في الناس به، فتجهزوا للخروج معه، وسمع ذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله مدّ البصر.
جاء ذلك في حديث جابر رضي الله عنه في وصف حجة النبي -صلى الله عليه- فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَصْنَعُ؟، قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي"
فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ.. » أخرجه مسلم [1905-1907-1908-1909]، وابن ماجه [3074]).
وطاف من حضرها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت، ووقف معه في عرفة، وفي المشعر الحرام في مزدلفة، وشاركه في الهدي وفي الجمار، وبات معه في منى، واستمع إليه وهو يخطب في الناس يعلمهم مناسكهم ودينهم، ويحضهم على ما فيه فلاحهم، وينهاهم عما يضرهم. فلو كان الأمر بالاختيار لاختار كل المسلمين أن يحجوا معه عليه الصلاة والسلام، ولكن ذلك فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لماذا سميت حجة الوداع؟!
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع» (رواه البخاري [4141] وأحمد [2-135]، وأبو يعلى [5586]).
وفي رواية: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا، وقال: «هذا يوم الحج الأكبر»، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أشهد، وودع الناس»، فقالوا: "هذه حجة الوداع" -هذه رواية للبخاري [1655]). قوله: "ولا ندري ما حجة الوداع" كأنه شيء ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فتحدثوا به، وما فهموا أن المراد بالوداع وداع النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقعت وفاته صلى الله عليه وسلم بعدها بقليل، فعرفوا المراد، وعرفوا أنه ودّع الناس بالوصية التي أوصاهم بها: أن لا يرجعوا بعده كفارًا، وأكد التوديع بإشهاد الله تعالى عليهم بأنهم شهدوا أنه قد بلغ ما أرسل إليهم به، فعرفوا حينئذ المراد بقولهم حجة الوداع (فتح الباري لابن حجر [8-107]).
عدد خطبه صلى الله عليه وسلم في حجته:
ذكر العلماء أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خطب ثلاث مرات في حجة الوداع: الأولى: يوم عرفة بعرفة، والثانية: يوم النحر بمنى، والثالثة: أوسط أيام التشريق بمنى.
خطبته صلى الله عليه وسلم بعرفة:
وقف عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة في عرفة، وخطب في الناس خطبة عظيمة بليغة بين فيها الحقوق والحرمات، ووضع فيها مآثر الجاهلية تحت قدميه، وأوصى بالنساء، ودل الناس على سبيل العصمة من الضلال، ثم أشهدهم على بلاغه فشهدوا في ذلك الجمع العظيم شهادة ما اجتمع حشد مثله يشهدون على مثل ما شهدوا عليه، فقال عليه الصلاة والسلام في تلك الجموع العظيمة: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة.
وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت"، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم أشهد، اللهم أشهد» ثلاث مرات (رواه مسلم [1218] وأبو داود [1905] وابن ماجه [3074] والدارمي [1850]).
وترشد هذه الخطبة إلى تحريم الدماء والأموال، وجعل حرمتها كحرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام، ويوم عرفة، وتأمر بإلغاء شعائر الجاهلية وشعاراتها، وإبطال الثارات التي كانت بين القبائل في جاهليتهم.
ونبعت الخطبة إلى وضع الربا الذي كان منتشرًا بينهم، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس؛ وذلك ليكون قدوة في هذا الشأن يبدأ بنفسه وآله في تنفيذ الأوامر الربانية، فإن ذلك أدعى لقبول الناس، وتلك هي طريقة الأنبياء عليه السلام كما قال شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِ‌يدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِ‌يدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88].
وأوصت الخطبة بالنساء وبيان مالهن من الحقوق، وما عليهن من الواجبات، وكيفية التعامل مع الناشز منهن، كما أوصت بكتاب الله عز وجل ولزوم التمسك به، ومن لوازم التمسك بالكتاب: العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى في القرآن قد أحال على السنة في آيات كثيرة
خطبته يوم النحر:
خطب عليه الصلاة والسلام خطبة عظيمة بليغة يوم النحر؛ كما جاء ذلك في أحاديث عدة منها: حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة أثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أيُّ شهر هذا؟» قلنا: "الله ورسوله أعلم"، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: "بلى"، قال: «أيُّ بلد هذا؟» قلنا: "الله ورسوله أعلم"، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس البلدة؟» قلنا: "بلى"، قال: «فأي يوم هذا؟» قلنا: "الله ورسوله أعلم"، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: "بلى"، قال: «فإن دماءكم وأموالكم -قال محمد وأحسبه قال- وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلال يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ألا هل بلغت ألا هل بلغت» (رواه البخاري [5230] ومسلم [1679]).
وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «ألا، أيُّ شهر تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: "ألا، شهرنا هذا"، قال: «ألا، أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: "ألا بلدنا هذا"، قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: "ألا، يومنا هذا"، قال: «فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟» ثلاثًا، كل ذلك يجيبونه: "ألا، نعم"، قال: «ويحكم أو ويلكم، لا ترجعنَّ بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (رواه البخاري [5230] ومسلم [1679]).
وورد حديث جابر رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: «أي يوم أعظم حرمة؟» فقالوا: "يومنا هذا"، قال: «فأي شهر أعظم حرمة؟» قالوا: "شهرنا هذا"، قال: «أي بلد أعظم حرمة؟» قالوا: "بلدنا هذا"، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلغت؟» قالوا: "نعم"، قال: «اللهم أشهد» (رواه أحمد [3-371]).
وأخرج الترمذي حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع للناس: «أي يوم هذا؟» قالوا: "يوم الحج الأكبر"، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أيس من أن يُعبد في بلادكم هذه أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح [2159-3087] وابن ماجه [1851] وأحمد [3-426]). وفي رواية: «ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه» (هذه الرواية للترمذي وقال: حسن صحيح [3087]).
وجاء حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح [616] وأحمد [5-215] وصححه ابن حبان [4563]).
وتأمر الخطبة هذه بتحريم الأشهر الحرم، وبيان عظمه يوم النحر، وحرمة مكة، وبينت أن الدماء والأموال والأعراض محرمة كما حرمت الأشهر الحرم ويوم النحر والبلد الحرام، وهنت عن الاختلاف والافتراق الذي ينشأ عنه التهارج والاقتتال.
وأكدت الخطبة أن كل إنسان يؤخذ بذنبه، ويتحمل تبعات عمله، ولا يؤخذ غيره بذلك؛ خلافًا لما كان يفعله أهل الجاهلية من تحميل الأسرة أو القرابة أو القبيلة جريرة واحد من أفرادها.
وحذرت من طاعة الشيطان فيما يُحتقر من الأعمال صغيرها وكبيرها، وأكدت الأخوة في الدين، وعدم استحلال المسلم لأخيه المسلم في نفسه أو ماله أو عرضه.
وأوصت الخطبة بالتقوى، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وطاعة ولاة الأمر، وبيان أن ثواب ذلك الجنة، الأمر بحمل العلم وتبليغه لمن لم يحضره؛ فقد يكون أفقه ممن حضره، سؤالهم هل بلغ رسالة ربه إليهم، وإشهاد الله - تعالى -على إقرارهم له بالبلاغ.
خطبة أيام التشريق:
خطب النبي صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة عظيمة دل عليها حديث سراء بنت نبهان رضي الله عنها قالت: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: «أي يوم هذا؟» قلنا: "الله ورسوله أعلم"، قال: «أليس أوسط أيام التشريق؟» قال أبو داود، وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي: "إنه خطب أوسط أيام التشريق".
وفي لفظ أنه عليه الصلاة والسلام قال: «هل تدرون أي يوم هذا؟» قال: وهو اليوم الذي يدعون يوم الرؤوس قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: «هذا أوسط أيام التشريق، هل تدرون أي بلد هذا؟» قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: «هذا المشعر الحرام»، ثم قال: «إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت»، فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلًا حتى مات (رواه أبو داود [1953] والبيهقي والرواية الثانية له [5-151])
وتضمنت خطبته تلك ما يلي: لتأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض؛ كحرمة أيام الحج وشهره وبلد الله الحرام. وهذا المعنى تكرر في خطبته بعرفة ويوم النحر؛ مما يدل على عظيم العناية به وأهميته.
ومن رأى ما وقع في الأمة عقبه عليه الصلاة والسلام من الاختلاف والفرقة التي أدت إلى الاقتتال بظهور الخوارج على عثمان وعلي رضي الله عنهما وما استتبع ذلك عبر القرون والدول علم أن النبي صلى الله عليه وسلم نصح لأمته أشد النصح.
وحذر الرسول -صلى اله عليه وسلم- الناس من ذلك أشد تحذير في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام. وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام: أن يحذر من هذا الأمر العظيم ثلاث مرات في حجته، ثم يقع عقبه؛ مما يدل على علمه بما سيؤول إليه حال أمته، أو أنه توقع حدوث ذلك، فكرره وأعاده؛ ولكن قدر الله تعالى نافذ، ومشيئته ماضية.
وتوجد في الخطبة الإشارة إلى توديعهم بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا».
وبين الرسول -صلى الله عليه وسلم في الخطبة أن الناس سيرجعون إلى ربهم، وسيسألون عن أعمالهم، واختتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتبليغ وصاياه من لم يحضرها من الناس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.