تطورات ونغيرات وتحولات تشهدها حركات الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط من آن لآخر، لاسيما في أعقاب ثورات الربيع العربي، والتي برزت فيها هذه الحركات متمثلة في أغلب دول المنطقة في جماعة الإخوان المسلمين، لكن هذه الحركات لم تصمد في وجه مقاوميها ومناهضيها، فاهتزت بصورة واضحة خلال الخمسة أعوام الماضية؛ لتشهد انقسامًا داخليًّا، طالما كان صامتًا منذ النشأة، وصل في تلك الفترة إلى أوجه، حيث رأت مجموعة أنه لابد من تغيير الأيدولوجية والرؤية المنطوية لها منذ زمن، فبعدما كان جميع أعضاء تلك الحركات يتحركون بمبدأ واحد يتمثل في تحكيم شرع الله، والعيش في ظلال الإسلام والدعوة إلى قيام دولة إسلامية دون النظر إلى حدود أو وطن، ظهرت الكثير من القيادات التي نادت بمراجعات وتحويل هذه الحركات من نشأتها الدعوية والدينية إلى أحزاب سياسية خالصة، تنطوي تحت راية الوطن، وتدخل في نسيجه الاجتماعي من خلال مقاربات مع الأنظمة والحكومات، حيث رأى هذا التيار الإصلاحي أن المراجعة والتقرب من الحكومات أفضل لعدم الإقصاء ولتصفير المشاكل ، لكن تيارًا آخر يرى أن المواجهة والتمسك برؤية النشأة هي الصحيحة، وهو تيار أكثر تشددًا، ويريد السير في نفس الطريق المعادي للحكومات. وهذه الحركات انقسمت بشكل واضح في الأردنوتونس ومصر. مصر.. وخلافات ما بعد 30 يونيو بدأ سرطان الانقسامات والخلافات الذي ضرب جماعة الإخوان في مصر بعد سقوطهم من السلطة عام 2013، حيث بدا جليًّا أن هناك أزمة داخلية في الجماعة بين رؤيتين مختلفتين، الأولى تدعي أنها جماعة إصلاحية شاملة لم تلجأ إلى العنف، وتلتزم السلمية التامة، مع عدم التنازل عن مطلب «عودة الشرعية»، والثانية ترى استكمال المسار الثوري والقصاص من النظام المصري القائم ومحاسبة كل من جاء في السلطة بعد ثلاثين يونيو. يضم الطرف الأول أعضاء مكتب الإرشاد، في مقدمتهم محمود عزت نائب المرشد والقائم بأعماله، والأمين العام للجماعة محمود حسين، والأمين العام للتنظيم الدولي إبراهيم منير، فيما يضم الطرف الثاني المكتب الإداري للإخوان خارج مصر، والذي تشكل في منتصف عام 2014 برئاسة عضو مجلس شورى الجماعة أحمد عبد الرحمن، وعضو مكتب الإرشاد المستقيل مؤخرًا محمد كمال وكذلك طه وهدان. وبدأت الخلافات تظهر إلى العلن عندما أطلق كل طرف بيانات وتصريحات مختلفة عن الآخر؛ باعتباره الممثل الرسمي للجماعة، حيث أعلن الطرف الأول في بيان صادر عن مكتب الإخوان المسلمين في لندن إقالة المتحدث باسم الجماعة محمد منتصر من مهمته، وتكليف طلعت فهمي المقيم خارج مصر بدلًا منه، ولم تمضِ ساعات قليلة على القرار، حتى صدر بيان من اللجنة الإدارية العليا لجماعة الإخوان تؤكد فيه أن «محمد منتصر لا يزال متحدثًا إعلاميًّا باسم الجماعة، وأن إدارة الجماعة تتم من الداخل وليس من الخارج». وفي ضوء هذا الخلاف بدأت صفحات تابعة للطرف الثاني تشوه القائم بأعمال المرشد محمود عزت، في حرب أشبه بتكسير العظام، إلا أن عزت حاول استيعاب طوفان الخلاف، وأعلن موافقته على إجراء انتخابات داخلية للإخوان وتعديل اللائحة الداخلية والتصويت عليها، لكن سرعان ما ظهرت رغبة الطرف الثاني في الإطاحة بكل الإصلاحيين من الجماعة، وبدأ عزت الضغط عليهم وقطع الدعم المادي عنهم؛ ليتقدم بعد ذلك محمد كمال باستقالته من الجماعة في مايو الماضي، وتستمر الخلافات بين الجانبين. المملكة الهاشمية وعلاقتها بالإخوان كانت المملكة الهاشمية من أكثر البلاد التي ظهرت فيها انقسامات وخلافات داخل جماعة الإخوان، بعدما سقطت الجماعة في مصر، حيث اتسعت هوة الخلافات بعد الحراك الذي شهدته صفوف جبهة العمل في الأردن التي تتبع الإخوان، إذ أعلن عدد من قياديي ما يسمى بمبادرة الشراكة والإنقاذ (الحمائم) نيتهم إنشاء طيف سياسي بديل للجبهة المحظورة في الأردن. وتأسست جماعة الإخوان المسلمين في الأردن عام 1945 بالتنسيق مع الإخوان المسلمين في مصر، لكن ظل التنظيم في الأردن مختلف نسبيًّا عن نظرائه في البلدان العربية الأخرى؛ إذ لم تشهد العلاقة بين الإخوان والنظام الملكي في عمان طيلة العقود الماضية تدهورًا بنفس درجة السوء التي وصلت لها في الأنظمة العربية الحاكمة الأخرى، فمعظم قيادات التنظيم ومراقبيها في عمان ينتمون إلى قبائل شرق الأردن، الأمر الذي أبقى على نوع من العلاقات الودية مع النظام الحاكم، إلا أنه بعد ظهور ثورات الربيع العربي انقسمت الجماعة داخليًّا إلى قسمين: أحدهما "حمائم" القريب من النظام الملكي، والآخر "صقور" لديه أصول فلسطينية، وتتحرك فيه النزعة الثورية، ويرفض سياسات الأنظمة العربية، وله علاقات حميمة بالجماعة الأم في مصر. وفي العامين الماضيين ظهرت الخلافات بشكل واضح، حتى خرجت الأزمة الداخلية إلى العلن ديسمبر الماضي، بعد تقدم عبد المجيد ذنيبات، الأب الروحي لتيار الحمائم في الجماعة، وعدد من الشخصيات المتفقة معه، بطلب لتصويب الوضع القانوني للجماعة وإعادة ترخيص حركة الإخوان المسلمين من جديد؛ لتجنيبها الحظر والملاحقة والأمنية والقانونية، الأمر الذي اعتبرته قيادة الصقور تهديدًا وجوديًّا لها، وفصلت كل القيادات المشاركة في تلك الخطوة، قبل أن تفاجأ بموافقة الحكومة على طلب المنشقين عن الجماعة، الأمر الذي ترتب عليه خلاف قانوني على المقرات والممتلكات بين قيادات الجماعة المنشقة في الحمائم والصقور. وفي الشهرين الماضيين وفي مشهد يوحي بتأزم وضع صقور جماعة الإخوان المسلمين بالأردن واستغلال النظام الملكي الخلاف الداخلي، أغلقت السلطات الأمنية المقر الرئيسي للجماعة في العاصمة الأردنية، والذي كان يتبع لغير المرخصين (الصقور)، وهو ما أعطى إشارة بقرب تفكيك الحركة ذاتيًّا. حيث اعتمدت المملكة على تصفية الحسابات مع الجماعة على خلفية مشاركتها في ثورات الربيع العربي، والتي طالت في وقت منها الأردن بالعديد من المظاهرات، واستلغت الأردن الأدوات الداخلية والخلافات العميقة التي تعيشها الجماعة بين تيار يراه البعض متشددًا ويتبع الجماعة الأم في مصر، وتيار تدعمه الحكومة، ويقدم نفسه على أنه أكثر انفتاحًا وقربًا من الأردنيين، وأنه لن يتعامل من تحت الأرض، وهو ما ساعد في نجاح السلطات الأردنية في تحجيم دور الجماعة وحصر نشاطها، بحلحلة الخلافات الداخلية وإضعافها في الفترة الأخيرة. تونس وتغير وجه الغنوشي لم تبتعد الخلافات التي تشهدها حركة النهضة التونسية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين عن الانقسامات التي ضربت حركات الإسلام السياسي كافة في الوطن العربي، ففي تونس انتقلت عدوى الانقسام، وظهرت بوادره في مؤتمر النهضة الأخير، حيث ظهرت في الكواليس تطورات جديدة على الصحف والوكالات، ربما تشير إلى وجود خطر على مستقبل الحركة في هذا البلد الذي شهد أول موجات ما يعرف ب«الربيع العربي». فبعد أن ادعى المؤسس راشد الغنوشي أن حركته اعتزلت العمل الدعوي وأنها ملتزمة كمكون تونسي ووطني بالعمل السياسي، تظهر في الأفق خلافات وانشقاقات واسعة داخل الحركة الإسلامية في تونس على غرار ما يحدث في المنطقة العربية، فعلى الرغم من إعلان "النهضة" مرارًا وتكرارًا خروجها من السرب الإخواني في المنطقة العربية، مفندة أسبابًا عدة، أهمها أنها تلتزم بالخط الوطني التونسي، إلا أن هذه الخلافات التي ضربتها مؤخرًا تؤكد أن انقسامات ما يعرف بالصقور والحمائم لم تبتعد كثيرًا عما حدث في الأردن ومصر. وفى تونس تعالت أصوات الخلافات داخل حركة النهضة خلال المؤتمر الأخير، وذلك بعد مساعي الصقور والموصوفين بالمتشددين داخل الحركة، والذين يرفضون فصل العمل السياسي عن الديني، إلى تشديد الخناق على "الغنوشي"، وذلك من خلال انتخاب المكتب السياسي للحركة من قبل التيارين، فيما رفض الفصيل الآخر الذي يدعى الحمائم ويترأسه الغنوشي هذا الأمر، حتى انتزع تفويضًا من الأغلبية مكَّنه من اختيار تركيبة المكتب السياسي بنفسه بعد انتخابه رئيسًا للحركة قبل أيام، إلا أن هذا الأمر لم يمر مرور الكرام، حيث أثار تمسك مؤسس الحركة بمطالبه غضب كثيرين داخل الحركة، وأفرز انتفاضة من قِبَل قيادات ذات نفوذوأغلبية كانت ترى أنها الأحق في انتخاب تركيبة المكتب السياسي، وعلى رأسهم على العريض رئيس المؤتمر العاشر المنتخب حديثًا. هذا الفصيل الغاضب من سيطرة "الغنوشي" على الحركة، لا يخفى على أحد تموضعه وتمركزه داخل النهضة، حيث يتشكل أغلب قياداته من المتشددين داخل الحركة، والذين بسبب قوتهم لم يكن بمقدرة الغنوشي إقصاؤهم من الحركة، فأبقاهم في شكل جمعيات خيرية ومنظمات بالمجتمع المدني؛ لممارسة عملهم الدعوى داخل إطار النهضة، ولكنهم بقوا متخوفين من أن يستغل الغنوشي سيطرته هذه باتجاه تزكية قيادات مقربة منه، تتبنى نفس سياساته، تساعده خلال المرحلة القادمة على إدارة شؤون النهضة بأريحية بعيدًا عن ضغوط قيادات تحاول "التخفيف" من سطوته السياسية والتنظيمية، وتتوجس من سقف التنازلات مع الدولة التونسية. هذه التنازلات يراها معارضو الحركة من العلمانيين مواءمة سياسية يضعها الغنوشي ضمن العديد من الاعتبارات، أهمها كسب تعاطف الشعب في الانتخابات المقبلة، سواء كانت البلدية أو الرئاسية، لكن لم يتفهم المتشددون داخل الحركة هذه الاعتبارات؛ لتستمر الخلافات داخل الحركة، وتنهش في جسدها.