قالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أمس، يبدو أن الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط تبتعد عن الطريق الصواب، ولكن حتى الآن، تظهر تونس على أنها الدولة العربية الوحيدة التي نجحت في عملية انتقال السلطة نحو التعددية دون الخروج عن القضبان. وأضافت الصحيفة أنه في ظل العديد من الاضطرابات والكوارث السياسية في مصر وليبيا وتونس، فإن تجربة الربيع العربي في تونس تتجه نحو التعددية، في ظل محاولات حزب النهضة الحاكم التعايش مع العلمانيين، ولكن الدعم الشعبي للديمقراطية في تضاؤل مستمر. وأشارت إلى أنه منذ إشعال "محمد بوعزيزي" البائع المتجول، النار في نفس منذ نحو ثلاث سنوات، بدأت الانتفاضة ضد حكم "زين العابدين بن علي"، وبعدها تناثرت العقبات في طريق تونس، حيث يشن المتطرفون حربا ضد الثقافة العلمانية للدولة، وكذلك يحملون السلاح ضد الحكومة المركزية. ولفتت الصحيفة إلى أنه قبل سبعة أشهر، أغتال مسلحون زعيم المعارضة التونسية البارز"شكري بلعيد" مما أشعل الأزمة السياسية التي أسقطت رئيس الوزراء "حمادي الجبالي"، وفي يوليو الماضي، اغتيل المعارض اليساري "محمد البراهمي"، مما أثار الاحتجاجات ضد الحكومة المستوحاة من الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وأوضحت أن الجهود تعثرت للانتهاء من الدستور الذي من شأنه تمهيد الطريق لانتخابات جديدة، فبعد محاولة للتوصل لاتفاق بين الحكومة والمعارضة، خرجت أكبر النقابات العمالية وأعربت عن سخطها، هذا الأسبوع. ويقول"حسين العباسي" زعيم الاتحاد التونسي للشغل:" تم إهدار وقت ثمين وتعميق الأزمة والاستقطاب السياسي وسط حالة من عدم الثقة بين الخصوم السياسيين، وصبر الشعب بدأ ينفذ". وذكرت الصحيفة البريطانية أنه لا يزال هناك عدم ثقة بين المعارضة العلمانية والحكومة، فبعد أن عرض حزب النهضة حل الحكومة الشهر الماضي لعدم قدرتها على إكمال الدستور، رفضت جبهة الإنقاذ الوطني الليبرالية، ودعت لمزيد من الاحتجاجات في الشوارع مع احتمال حدوث قلاقل، وفي نفس الوقت تستخدم حركة النهضة شبح السيناريو المصري لحشد مؤيديها، حيث إن هناك مخاوف من تكرار ما حدث في مصر. ولفتت الصحيفة إلى أنه على عكس مصر وسوريا، بقيت القوات المسلحة التونسية بعيدة عن الساحة السياسية، ولكنها أظهرت بوادر قليلة تدل على رغبتها في إقحام نفسها في المعارك الأيديولوجية، وعلى أيه حال، فإن الانقسامات بين حزب النهضة والمعارضة ليست حادة كما هو الحال في بعض البلدان العربية الأخرى. ويقول "صلاح الدين الجورشي" المحلل السياسي في تونس:" حزب النهضة ليس ضد جميع الأحزاب الليبرالية، فقد وقف مع بعض منهم، في حين أن الإخوان المسلمين في مصر لم يقدروا على الاندماج مع الأحزاب الليبرالية"، مضيفا:"الانقسام الذي كان في مصر ليس بنفس الدرجة هنا، ولذلك فإن الاحتكاك والتوتر ليس بنسبة مرتفعة". ومع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي في مارس الماضي أن 54% من التونسيين، يعتقدون أن العملية الديمقراطية تسير بشكل إيجابي، مقارنة ب63% العام الماضي، بالإضافة إلى ارتفاع المخاوف بشأن الاقتصاد، فالأغلبية يقولون إن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءا بدون رجل قوي ك"زين العابدين بن علي"، هذه المشاعر قد تكون قابلة للتآكل، حال زوال الأسس الديمقراطية الهشة والصراع السياسي الداخلي. واختتمت الصحيفة باستطلاع للرأي قام به مركز بيو، يظهر أن هناك تراجعا حادا لدعم الديمقراطية بين الطبقة المتوسطة، والذين تأثروا ماديا خلال السنوات القليلة الماضية، كما أن مخاطر الاقتصاد المتدهور قد تلقي بكل شيء خارج المسار، فتونس بحاجة ماسة للاستثمارات الغربية لدعم اقتصادها وعلى رأسها المؤسسات السياسية الوليدة.