إذا ما سمعت قياديًا إخوانيًا يتحدث، يداهمني شعور بالغثيان، وأحس أني بحاجة ماسة، إلى نصف ليمونة، أو كأسًا من الفوّار للقضاء على اضطرابات المعدة! معروفٌ أن ارتباطًا وثيقًا بين الإخوان والليمون، وهو ارتباط يعرفه الذين منحوا أصواتهم لمرسي، ثم لطموا الخدود، وشقوا الجيوب، بعد أن عصروا الليمون، كي يستسيغوه رئيسًا، ولإسقاط شفيق.. ذلك يوم استيقظت ثورة مصر، بطريقة ما، أو بمؤامرة ما، على كابوس الاختيار، بين جماعة سرية، ملطخة يديها بالدماء، وبين بعث نظام المخلوع الساقط. أيًا ما يكون.. إن مبعث شعوري بالاشمئزاز من أحاديث الإخوان، سواء الذين على قمة هرم الجماعة، أو الذين في الدرك الأسفل منها، يعود في المقام الأول، إلى أن عباراتهم تخلو من الجمال، ومنطقهم متهافت، وألفاظهم خشبية، ونبرات أصواتهم باردة ثلجية. تقول العرب: إن أقدار الرجال تعرف بما يقولون، والإخوان وفقًا لهذه المقولة، في أسفل سافلين، فهم يتحدثون قبحًا ناقعًا، ويتفوهون بهرطقات عبثية، وتندلق منهم تصريحات، مخزية مضحكة مبكية في آن. أفهم أن حفظة القرآن الكريم، يتذوقون البلاغة بحس مرهف، ويتمتعون بقدرة استثنائية على الإقناع والتأثير في سامعيهم، وقد قرأت عددًا يسيرًا من مقالات ودراسات قصيرة، حول الإعجاز البلاغي في النصي القرآن، وهي قراءات منحتني فيما أحسب، ذائقة لغوية مختلفة، وكثيرًا ما أقف أمام آية ما، منبهرًا أقرأ، وأعيد القراءة، مرة تلو أخرى، أتمتم بصوت مسموع، كي أتواصل مع الموسيقى الداخلية والخارجية، أتأمل استخدامات المفردات، ومواضع الكلمات، ولا أنتهي من تأملاتي، إلا مرددًا قوله تعالى: «قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي». سورة مريم بالتحديد، تدخلني حالتي خشوع وانتشاء، أحب موسيقاها، وأنفعل وجدانيًا بما فيها من صور تنبض، وحين أرتلها تستحضر مخيلتي خير نساء الأرض، فأراها تسعى بين الصفا والمروة، في حيرة من أمرها، تبحث عن الماء، وقد أنهكها ألم المخاض، تساءل ربها: «أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًا» حتى يتفجر زمزم تحت رجليها، فتهز جذع النخلة فتساقط عليها رطبًا جنيًا، فتأكل وتشرب وتقر عينًا، ولا تنتهي الصورة عندئذ، فالمسيح عليه السلام، يتكلم في المهد صبيًا، فيبرئ أمه التي اصطفاها الله وطهرها وطهرها. صورة لغوية ممتدة، ذات قدرة على استثارة الخيال، فيما الموسيقى الحزينة، التي توحي بها الياء ومن بعدها المد بالألف، تعمق الشعور، وتجعل القارئ كلما أعاد النظر، يكتشف طبقات أعلى للمعاني والمفردات، وهكذا كل القرآن.. فكيف تنحط لغة هؤلاء؟ ألا تساهم قراءة كتاب الله في ترقيق منطقهم ومنحه شيئًا من عذوبة؟ هم يقولون بأنهم «بتوع ربنا»، وأنهم يسبحون الله أطراف الليل وآناء النهار، لكن حظهم مما يقرؤون، لا يزيد، فيما يظهر، عن حظ حمار يحمل حمولة ثقيلة من الكتب، فلا يناله منها إلا وجع الظهر. قواميسهم فيها مفردات أعجب من العجب، وأحط من الانحطاط، منها على سبيل المثال، مصطلحات رئاسية، كالحارة المزنوقة، والقرد الذي مات، والقرداتي الذي يبحث عن وظيفة.. وتلميحات جنسية لوزير إعلام تولى منصبه «على غفلة»، من دون أن نسمع به أو له أو عنه، فضلاً عن تصريحات دعاة، يزعمون أن الإسلام دخل مصر لمجرد أن مذيعة، ارتدت الحجاب، هذا ناهيك عن الألفاظ النابية، التي يستخدمونها لدى الحديث عن الأقباط! ألم تتأثر ثقافاتهم اللغوية بالقرآن الذي يزعمون أنهم يقرؤون؟ ألم يتخلقوا بأخلاق هذا الكتاب الذي يمكن وصفه بالأخلاقي أكثر مما يوصف بأنه كتاب في العقائد والشعائر؟ ثمة طريقتان للقراءة.. أي قراءة. أن تقرأ وتتمعن وتتدبر وتفكر وتأخذ العبرة، فتتشرب نفسك الثقافة، وتمتص خلاياك، في عملية أشبه ما تكون بالتمثيل الضوئي لدي النباتات، العناصر النافعة والضرورية لبقاء العقل حيًا، أو أن تقرأ وكفى.. بغير تدبر ولا تفكير، وتقديري أن عناصر الإخوان -إلا من رحم ربي- يقرؤون بالطريقة الثانية، فلا يأخذون إلا قشورًا جافة، تزيد عقولهم جفافًا وأدمغتهم تصحرًا. إنهم ليسوا ينتمون إلى التفكير، ولا يؤمنون بالعقل، وإلا ما بايعوا مرشدًا عامًا، يتنازلون له طوعًا عن إراداتهم الفردية، ويصبحون بين يديه، كما يقولون، كالميت بين يدي مغسله. هل ثمة تعبير أكثر فجاجة وابتذلاً ولزوجة وسطحية؟ الميت والمغسل.. تشبيه يليق بحانوتي.. يخلو من أدنى درجات الذوق وتذوق الجمال. ميتون عقلاً وإرادة، وهذا أسوأ من الموت الإكلينيكي، فيما المرشد يتولى غسلهم، وقد أصبحوا كالأشباح، يستحضرهم «فضيلته» بتعاويذ سحرية، فإذا بهم ينفذون الأمر مثل «أجهزة الروبوت»، فيتكدسون في الحافلات، ثم يحتشدون في الميادين تأييدًا لقرار، وما هي إلا بعض أيام، وربما ساعات حتى تكون الرئاسة، أو بالأحرى الجماعة، تراجعت عن القرار، فيتكدسون مرة ثانية، ويحتشدون مرة ثانية لتأييد التراجع، مرةً ثانية.. وهم في هذي الحالة أو تلك لا يغضبون. يسيرون في قطيع واحد، لا يفكر أحدهم في الخروج عن المسار، قيد أنملة، لكنهم سرعان ما ينتفضون للهجوم على من يصفهم بالخرفان! الخروف قد ينطح إن شعر ظلمًا، لكن عناصر الجماعة، لا يفعلون.. الخروف لديه شيء من الإرادة، يغضب إذا أمعن الراعي في إيذائه، لكن «الميت بين يدي مغسله» لا يتحرك، ولا يعرف ماهية الإرادة، فقد انقطعت صلاته بالقدرة على الفعل! منطقي إذن.. أن لا نرى منهم إبداعًا، ولا نجد فيهم مبدعًا، ولا تنجب بطون نسائهم، مبتكرًا قادرًا على التفكير، فهم نبت بيئة جمود، وخريجو مدرسة ركود، وأبناء تنظيم بليد، يقولب أفراده في قوالب حجرية بلا روح، أو يضعهم في أكفان، وهم على قيد الحياة. يحفظون الكتاب، هذا صحيح، لكنهم يحفظونه كما تحفظ أجهزة التسجيل المواد الصوتية، على شرائط ممغنطة، أو اسطوانات مدمجة. هل ثمة ما يستدعي بعدئذ الحديث عن وزارة قنديل بعد التعديل؟ هل ثمة ما يستدعي الاستغراق في تحليلات حول المتوقع والمأمول من هذه الوزارة الإخوانية؟ هذه وزارة لا يجدي معها، إلا أن نعزي في وزرائها مقدمًا، وأللهم اجعلها آخر الإخوان! [email protected]