فقدت الساحة الثقافية المصرية والعربية، اليوم، واحدًا من أهم الأصوات الشعرية، الشاعر محمد سليمان، ذلك الشاعر الذي حمل على كاهله عبء القصيدة ونقاء المعنى لأكثر من أربعة عقود. والذي يعد رحيله لحظة فاصلة في تاريخ الشعر المصري الحديث. وُلد محمد سليمان في مصر عام 1946، في مرحلة كانت فيها مصر تمر بتحولات كبيرة على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي. هذه التحولات المبكرة، إضافة إلى صدمة نكسة 1967 التي شكلت لحظة مفصلية في وعي الشباب المصري، تركت أثرًا واضحًا في تكوين محمد سليمان ورؤيته للشعر ومسؤوليته تجاه اللغة والعالم. منذ أواخر الستينيات، بدأ سليمان كتابة الشعر، متأثرا بتجارب الشعراء المصريين الكبار، لكنه لم يكن نسخة عن أحد، لقد كان يبحث دائما عن صوته الخاص، عن لغة تعكس رؤيته للعالم، عن نصوص تحمل هاجس النظر الطويل في ما يحيط به من عالم لا يكف عن التغير والدوران دون هوادة. ينتمي سليمان إلى جيل السبعينيات الذي حاول إعادة بناء الشعر المصري، ذلك الجيل الذي حاول التحرر من قيود التقليد، واستكشاف مساحة جديدة للقصيدة، مساحة تسمح للغة بأن تقول ما في جعبتها بحرية، وأن تتجاوز حدود الوزن الصارم والقافية التقليدية. ضمن هذا السياق، انخرط سليمان في جماعات أدبية مثل "إضاءة 77"، لكنها لم تكن أكثر من منابر للتجربة، إذ ظل شاعرًا مستقلًا في رؤيته، مؤمنًا بأن الشعر الحقيقي يبدأ من الانفراد والعزلة الإبداعية، لا من الانتماء لخطابات جاهزة أو تيارات محددة. بدأت شهرته مع صدور ديوانه الأول "أعلن الفرح مولده" عام 1980، الذي عكس ميله إلى لغة شعرية صافية، وموسيقى داخلية للنص، ونبرة هادئة تركز على الإنسان في ذاته. تلاه ديوان "القصائد الرمادية"، ثم "سليمان الملك"، الذي اعتُبر من أهم أعماله، ومن ثم دواوين أصغر لكنها محمّلة ببصمته الخاصة مثل "هواء قديم". تتميز نصوص سليمان باللغة الصافية والهادئة حيث حرص على الابتعاد عن التزيين اللفظي، والبحث عن الكلمات التي تطل على معنى الإنسان وحياته. طوال مسيرته كتب سليمان عن الإنسان كما هو، بلا رتوش، بلا شعارات، بلا تزويق زائف. لقد كتب عن لحظات الحزن والفرح العابرة، عن مشاهد الحياة اليومية التي يتحرك فيها الإنسان بحيرة. هذا التركيز على الإنسان نفسه جعله شاعرًا يكتب من قلب التجربة، لا من علو المنبر أو الأفكار الكبرى. يصفه النقاد بأنه شاعر الهدوء العميق، الذي لا يهاب الصخب لكنه يختار عدم المشاركة فيه. في ندوة أقيمت في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وصفه أحد الأدباء بأنه شاعر "يكتب الإنسان كما هو، بلا تزييف، بلا مبالغة، بلا تصنع"، وهو ما يلخص تجربته الشعرية بأكملها. سليمان كان يرى الشعر ممارسة للمعرفة، ومساحة للنظر الطويل أكثر من كونه وسيلة للتأثير أو الشهرة. لهذا السبب، لم تكن نصوصه مكتظة بالمواقف السياسية أو الاجتماعية، كانت تركز على الإنسان واللحظة والتجربة الذاتية، وهو ما جعلها خالدة وقادرة على التفاعل مع كل قارئ في أي زمان ومكان. تجربة محمد سليمان تركت أثرًا واضحًا في الشعر المصري الحديث، حيث أضاف صوتًا مختلفًا عن الأصوات الزاخرة بالبلاغة الفارغة. لقد منح الشعر مساحة جديدة من الجمال، وحرر اللغة من قيود الزخارف التقليدية، وجعل من النص مساحة للحياة نفسها. رحيله اليوم يترك فراغًا في المشهد الثقافي، فراغًا لن يسده سوى قراءة نصوصه ودراستها، لأن الشعر الذي تركه حيّ بين السطور، وفي كل بياض يتبعه معنى. محمد سليمان لم يغادرنا تمامًا؛ فهو ما زال حاضرًا في نصوصه، وفي جمال دواوينه التي تعلمنا كيف يكون للحياة معنى.