حوار: ممدوح عبدالستار «أكتب وكأننى الناجى الأخير من لعنة الآخرين، والنص الجديد لعبةُ تخفٍّ».. بهذه الكلمات يختصر الشاعر دخيل الخليفة علاقته مع القصيدة هو الذى لم تسرقه الصحافة (مهنة المتاعب) من رهافة المجاز، رغم مسيرته الطويلة ظلّ يحرس «الجهة الخامسة» بعيداً عن ضيق الاتجاهات الأربعة، محولاً وجع الهوية إلى نصٍّ عصيٍّ على الاكتمال، ولنكتشف كيف استطاع أن يطوّع التفعيلة لتكون رئةً بديلة، تتنفس «ورداً أسمراً» يملأنا بالدهشة. دخيل الخليفة لا يكتب ليوثق الواقع، بل ليدعونا إلى «إعادة النظر فى المقبرة»، و«صاعداً إلى أسفل البئر» بحثاً عن الذات وسط عالم يقتات على الذاكرة المهزومة. معه، نقتفى أثر خطاه بين عوالم مجموعته الكاملة، لنتحدث عن الشعر بوصفه فعل مقاومة للمحو، وعن النسيان كقارب نجاة، وعن القصيدة التى تباغت الشاعر كحالة مرضية أو سهوٍ جميل. ويحدثنا عن اللحظة العربية المشتعلة، من توترات الإقليم واحتمالات الصدام إلى عودة العالم لمنطق القوة، متأملاً قدرة القصيدة على أن تبقى شهادة إنسانية حين تضيق اللغة أمام السلاح. يفتح لنا «الناجى الأخير» أبواب مخيلته، ليشخص جرح القصيدة العربية الراهنة، فى مكاشفة تمزج بين الانكسار والانتماء الجارح. فى ظل التوترات المتصاعدة بين إيران ودول الخليج، وما يلوح من احتمالات صدام أوسع، كيف ترى تأثير هذه اللحظة على الإنسان فى المنطقة؟ وهل ما زال الشعر قادراً على لعب دور مقاوم فى زمن تتقدم فيه لغة القوة على لغة الثقافة؟ فى هذه المنطقة لا يحتاج الإنسان إلى نشرة أخبار كى يعرف أن شيئاً ما يشتعل يكفى أن يراقب براءة الناس وتساؤلاتهم، أن ينظر فى عيون أطفاله، فى ارتباك الطرق، فى ارتعاشة الدعاء حين يخرج من فم أمٍّ تخاف أن يتحول الغد إلى دخان. التوتر بين إيران ودول الخليج ليس بياناً سياسياً عابراً، إيران منذ 1979 جعلت المنطقة مشروعاً قابلاً للانفجار، كون حلمها توسعى يعتمد على تصدير الثورة وحين تتقدم رغبة العنف تتراجع اللغة، فالشعر لا يوقف صاروخاً ولم يعد يقود تظاهرة. أؤمن بأن الشعر فى زمن الصخب يصبح أكثر همساً وتزيد رقابته على تفاصيل الواقع المأزوم إنه نافذة يفتحها إنسان ليزيل الرماد عن إنسان آخر وحين يعلو صوت القوة على الشعر أن ينحاز للطرف المسالم بوصفه جهة للحب والطمأنينة. الشعر لا يغيّر موازين القوى لكنه يرصد التعسف والطغيان ليحيله إلى أسئلة وجودية إيران منذ 1983 وحتى اليوم سجلت أكثر من 500 اعتداء على دولة الكويت، أشرسها محاولة اغتيال أمير البلاد فى 1985، وتفجيرات المقاهى الشعبية ووقوع عدد كبير من الضحايا فى العام نفسه، واختطاف طائرة الجابرية فى 1988 وقتل 2 من ركابها، إلى أن وصلنا للاعتداءات الحالية بقصفها لدول الخليج كافة. ولا ننسى كذلك دورها فى تدمير سوريا ولبنان واليمن والعراق. حين يعود العالم إلى منطق القوة، وتلوح الحروب كقدرٍ، هل يشعر الشاعر بأن صوته يضيق؟ أم أن هذه اللحظات تمنح القصيدة ضرورة جديدة، لتكون شهادة إنسانية فى وجه الخراب؟ وهل يستطيع الشعر أن يحمى الإنسان حين تتقدم الجيوش وتتراجع المعانى، أم أن الأزمات الكبرى تعيد للشعر وظيفته بوصفه صوتاً مضاداً للعنف وذاكرة تحفظ ما قد تمحوه السياسة والحرب؟ حين يعود العالم إلى منطق القوة، يكون الشاعر فى مختبر خاص الصوت إذا كان مأهولًا بالأسئلة يتمدد فى الشقوق، يدخل من بين ركام المدن، ويكتب على الجدران التى لم تسقط بعد. فى لحظات الخراب، يصبح الشعر شهادة على الألم والدم وليس ترفاً ثقافياً. بالمعنى المباشر، لا يتحول الشعر إلى جندى أو خندق، لكنه يمنع تحول الإنسان إلى حجر، يحاول تفسير الخراب لئلا يكون طبيعيًا. لغة الصواريخ والطائرات المسيّرة تئن فى السماء بينما القصيدة تخط حروفها الأولى فى الروح. السياسة قد تكتب الوقائع كما تشاء، لكن الشعر يحتفظ بما يسقط من السرد الرسمي: صرخة الجندى، ارتباك الطفل والمرأة من الدوى، تساؤلات الرجل المسنّ. هكذا أزمات تجعل الشعر صوتاً مضاداً للعنف عبر الإنصات لما يتكسّر فى الروح، ذلك أن القصيدة تفضح عنف البارود. فى الحروب يصبح الشعر ذاكرةً حيّة، وإذا فقدناها فقدنا معنى الحياة. تحمل مجموعتك الكاملة الصادرة عن دار «كلمات» أخيراً عنوان «بحثاً عن جهة الخامسة» هل تمثل هذه الجهة أفقاً دلالياً سابقاً النصوص؟ أم أنها نتاج بنية داخلية تكشفت عبر مسار الكتابة؟ ليست «الجهة الخامسة» خيمة غرست أوتادها بانتظار قدوم النصوص، بقدر ما كانت شعوراً غامضاً بضرورة الانجذاب نحو منطقة غير محددة، لأن حلول بعض القضايا تتدثر بالغموض. ومع تراكم الكتابة وتبلور التجربة، تكشّفت هذه الجهة تدريجياً تعبيراً عن فرار لجهة مجهولة تولدت من معاناة فردية وجماعية فى آنٍ معاً، ونتجت عن الاحتكاك بين التجربة واللغة ضمن حالة تشوّه الهوية وما أنتجته من قلق يومى يكاد يجعلك تفر دون اتجاه من الخارطة كلها. كنت أكتب بدافع البحث، والحاجةٍ الغامضة إلى تسمية ما لا اسم ولا جهة له. مكان بلا ملامح، هو الكوخ والظل حين تضيق الاتجاهات وتفقد معناها، وحين يصبح الشعر هرولة فى الفراغ. إلى أى مدى يمكن الحديث عن تحوّل حقيقى فى صوتك الشعرى عبر هذه الأعمال؟ شهدت هذه الأعمال تحوّلات واضحة فى الشكل واللغة والإيقاع والمضمون أيضاً، وإن كانت التجربة يربطها خيط فكرى وخطابى شفاف، تحولات فرضتها لحظات متباينة، غير أن هذا التحوّل ليس قطيعة مع ما سبق، فقد ظلت الرؤية حاضرة، عبر الاشتغال على واقع هش ومرير فى الوقت ذاته أفرزه الضياع الداخلى. هناك خط تصاعدى لزاوية النظر وأدوات التعبير بحكم الخبرة وتصاعد التجربة، فضلاً عن بروز أسئلة تفرزها مستجدات جرح الهوية، لذلك يمكن الحديث عن تطوّر فى اللغة والأسلوب وحفر فى التجربة بحثاً عن المغاير عبر الاقتراب من الجرح، وكيفية جعل الشعر نازفاً فى عالم لا يمنح إجابات نهائية، رغم أن السؤال ظلّ واحداً، يغيّر قميصه فقط ومع أن هذه التجربة تعمّقت إلا أننى ما زلت أتعلّم كيف أصغى إلى نفسى كما أفكك تحوّلات الآخرين. عنوان ديوانك «ورد أسمر يملأ رئتي» يحمل مفارقة بصرية وحسية قوية. هل يمكن أن تحدثنا عن قصة هذا العنوان؟ وكيف يرتبط هذا «الفعل الجمالي» باختيارك الواعى لشعر «التفعيلة المدورة» تحديدًا، هذا الشكل الذى يتنفس بإيقاع خاص، كوعاء لهذه التجربة؟ أعيش العنوان كحالة شعرية أيضاً، أفكّر به طويلاً وكأنه ختام تجربة، أضع أكثر من عنوان، ثم أختار الأقرب لى وللمضمون، قد يكون اختناقاً جميلاً؛ الورد يُستنشَق ليعيد ترتيب الذات، والشعر توازن للذات، المفارقة البصرية هى أن يكون الورد أسمر، أى خارج الحياد؛ ربما لون الأرض، العِرق، وربما المعاناة الجميلة. حين قلت «يملأ رئتي» كنت أريد أن أتنفسه كمغامرة جديدة. هذا الديوان خطّطت له مبكراً أن يكون من «التفعيلة المدوّرة» كونى أحبها وأستطيع التنويع فى كتابتها، فهكذا شكل يتضمن لغة مكثفة وغنية ويحتاج صوراً حسية ومكراً فى الصياغة، ولهذا النمط لذة خاصة إن ما تفعله قصيدة التفعيلة تنفّس متلاحق، شهيق وزفير يتساويان فى بث كمية الأوكسجين فقط (لا النيتروجين) ولا يناقضان بعضهما هذا الشكل يسمح للنص أن يرقص، ويأخذ الآخرين لممارسة التزلج بين عوالم المفردات؛ والتفعيلة هنا رئة أخرى وليست إيقاعاً فحسب. عند القراءة الأولى، قد يظن المتلقى أن الديوان من قصيدة النثر بسبب شكله الطباعى، هل كان هذا «الإيهام البصري» مقصوداً منك؟ وهل ترى أن شعر التفعيلة اليوم بحاجة لارتداء «أقنعة» حداثية ليتواصل مع القارئ؟ حين أبدأ بجر النص من أصابعه لا يهمنى المتلقى، ولا أفكر فى إيهامه عن قصد، لديّ مشروعى فى الكتابة الشعرية، يتطلب منى أن أواجه سادة هذا الملعب حاملاً شعلة من نار. هناك تجارب ثرية سبقتنى، وأخرى تجايلنى، عليّ أن أصافحها عن قرب وأقيس قامتى بها. والمتلقى الحقيقى هو من يعيد صياغة النص بقراءته الواعية وعمق معرفته كونه شريكاً فى الحالة. الشكل الطباعى للقصيدة المدوّرة قد يتشابه مع النص المفتوح فى قصيدة النثر، لكن التفعيلة مختلفة بإيقاعها الساحر، وهى أحق بهذا الشكل من قصيدة النثر، لأن عملية بنائها تستدعى اشتباكاً عروضياً بين الكلمة وما يليها أو ما يسبقها. والنص كى يكون غنياً ومتماسكاً الآن وغداً يجب أن يكون حمّال أوجه ولا يكتفى بالصور الواقعية السهلة، بل أن يكون منبع مجاز ولعبة تخفٍّ وانتقال من معنى إلى آخر؛ وكل هذا يحتاج إلى معرفة بخفايا اللغة. وعلى المتلقى أن يدخل النص بلا يقينٍ شكلى ولا قناعات نهائية، أن يتعثر قليلًا قبل أن يكتشف أن الإيقاع يعمل فى الخفاء لا أؤمن بالشكل بوصفه هوية ثابتة، فهو حيلة جمالية أيضاً. إيقاع التفعيلة فى ديوانك يتميز بالهمس والتدفق أكثر من الصخب والخطابية كيف تشتغل على موسيقى قصيدتك؟ وهل تبدأ القصيدة عندك من فكرة وصورة، أم من «رنّة» إيقاعية أو تفعيلة تلح عليك أولاً؟ لا أظن أن أحداً يدرك مسبقاً كيف ينسلّ النص إلى مخيلته أو كيف يباغته، كأنه يخرج من اللاوعى، من السهو، من هروب عن الزمان والمكان؛ يبدأ بشرود وفكرة مختلفة قادرة على توليد صورة مغايرة ولغة خارج سياق المعتاد. تباغتك جملة شعرية غريبة كأنها تطرق زجاجاً داخلياً فى الروح. الإيقاع يتسرب معجوناً باللغة والمعنى، لأن الشكل ذاته يتولد أثناء لحظة الكتابة، إنه جزء ينغمس فى بنية النص. أحياناً الإيقاع يُكتشف، لكنه لا يشغلنى لأننى أُصغى إلى نفسى، إلى ترددات الذات وكيميائها، إلى جمل شعرية مفاجئة. القصيدة فى رحلة بنائها تدخلنى فى حالة مرضية، خصوصاً تلك القصائد الطويلة. تتكرر ثيمات الوطن والغربة والمنفى ما مفهوم الوطن عند دخيل الخليفة؟ هل هو مكان جغرافى، أم هو حالة شعورية بالانتماء قد توجد حتى فى المنفى، أو تُفقد حتى داخل حدود الوطن؟ الوطن ذاكرة جرح أكثر من كونه عشاً دافئاً، أن تكون منفياً فى مكان ولادتك. إنه فقدٌ وسؤال وجودى وأخلاقى وانتظار ضوء خافت فى البعيد، ولنقل إنه نص عصيّ على الاكتمال كلما اقتربت منه يهرب! لذا صارت اللغة بيتًا مؤقتًا وهوية نازفة فى ظل انتماء جارح، تهاجمك أنياب زرقاء تدّعى الثقافة حين تقول: أنا ذرّة من ترابه. لك ديوان بعنوان «أعيدوا النظر فى تلك المقبرة» لماذا اخترت عنواناً يجمع بين الأمر «أعيدوا النظر» والمقبرة؟ وهل المقبرة مكان حقيقي؟ وهل الدعوة إلى «إعادة النظر» موقف شعرى أم موقف وجودي؟ المقبرة هنا مكان افتراضى، معادل موضوعى لحياة تعكس مواتاً مفروضاً نتيجة حياة مرتجلة، وليست حياة مبنية على واقع تقدمى حياة يملؤها الأحياء الموتى، بشر بلا رؤوس، يقتاتون ذاكرة مهزومة، ومستقبلاً لا يعرف غير لغة النار، والفقر، وفقدان الحرية والعدالة الاجتماعية والدعوة إلى «إعادة النظر» تأتى كموقف وجودى، أملاً بحياة خارج المقابر الجماعية التى يتساوى فيها جُحا والمتنبى واللص وعالم الذرّة! لاحظت تكرار شخصيات وأسماء فى الديوان مثل الأصدقاء التسعة فى نهاية الديوان، ما دلالة تخصيص نصوص لهم؟ الأصدقاء جزء من عوالم عزلتى، ووجودهم نوعٌ من فعل مقاومة المحو إن صح التعبير تكرر فى أكثر من مجموعة شعرية، وكأن الحالة تتشابه بيننا فى العلاقة بين الحياة والموت، والهويات المجروحة، وشتات الأجساد فى الخرائط البعيدة. وبهذا المعنى تأتى تلك النصوص مكملة لمناخ الديوان. يبدو عنوان ديوانك «أنام لأتذكر.. أصحو لأنسى» متناقضاَ. هل أصبح الواقع من القسوة بحيث لا يمكن «استعادته» إلا فى الحلم، ولا يمكن «احتماله» إلا بالنسيان عند الصحو؟ وماذا غير ذلك؟ إنه وصف لحياة معكوسة خارج إطار اللعب اللغوى، النوم حلم، حرية ملاحقة للضوء، بحث عن حياة جميلة بلا رقيب لكنها غير متحققة، فيما يشكل الصحو محواً تاماً لكل ذلك، وبحثاً عن نافذة خارج إطار قسوة العالم، وكأن النسيان هنا قارب نجاة أظن أن الشعر يعيش على هكذا تناقض. عنوان ديوانك «صاعداً إلى أسفل البئر» يحمل مفارقة أيضاً: الصعود إلى أسفل هل يمكن أن تحدثنا عن فلسفة هذا التناقض؟ شعرياً.. أفكر أحياناً بما هو خارج المنطق، أن يكون العمق خلاصاً وشكلاً من أشكال الارتفاع! صحيح أن هناك من يرى عتمة القاع انحداراً، ومساراً مجهولاً، لكن فى أعلى البئر ثمة أمزجة مختلفة قادرة على قلب المعادلات لأهواء شخصية، كان نزولاً إلى الذات، لأن المنطق جزء من السطح، أى لا خلاص من دون نزول، بحثاً عن العمق. نلاحظ فى الديوان ذاته حضوراً قوياً للجسد المبعثر/ المجزأ (رأس، قدم، يد، عين). ما دلالات هذا التفتت الجسدى فى نصوصك؟ إنها استعارة تعكس ذاتاً مبعثرة، حالة تشظٍّ لجسد بلا هوية، جسد غير مطمئن، يسعى الواقع القوى إلى تفتيته، حيث يتحول الإنسان إلى دمية لكل جزء هنا وظيفته التى يريد الآخر محوها، والشعر هنا ينتج عن جماليات هذا التفكيك كل بتر سؤال يبحث عن إجابة، وسط عالم لا يعترف بملامح من لا هوية له، ولا دروع تحميه من هوس الآخر بمحاولة كسر الكائن الذى لا يجد جداراً يتكئ عليه! كيف ترى مسار النص الشعرى فى مصر؟ تحولات عدة شهدتها القصيدة فى مصر وهى غنية بالتجارب المهمة فى الأجيال كافة والتى لا يمكن إحصاؤها فى إجابة على سؤال، بدءاً من الجيل الستينى الذى يعد محمد عفيفى مطر وأمل دنقل أهم مبدعيه، ثم ثورة اللغة والفكر والغوص فى الذات التى أفرزتها قصيدة الجيل السبعينى الأهم فى تجربة الحداثة المصرية، حلمى سالم، وعبدالمنعم رمضان ومحمد سليمان ورفعت سلام وجمال القصاص ومحمد فريد لأبو سعدة ومختار عيسى ورأفت السويركى وآخرين.. أما الجيل الثمانينى فتعجبنى تجربة محمود قرنى وغادة نبيل وعاطف عبدالعزيز.. الجيل التسعينى وما تلاه أغلب شعرائه استسهلوا قصيدة النثر، واتكأوا على المشهدية كثيراً، لدرجة تغييب الشعر وقتله بعنصر المباشرة؛ لا أنفى وجود تجارب مهمة كإيمان مرسال ومؤمن سمير والراحل إيهاب خليفة ونبيل أبو زرقتين وفتحى عبدالسميع وعلى منصور وعزمى عبدالوهاب، إلى جانب وسام دراز من الجيل الجديد. لكن ثمة ميل للاستسهال عند كثيرين، دون بحث عن التفرد والعمق، وكأن الحكاية تتلخص فى الهروب من الوزن وليس الحفر فى اللغة والرؤية. تجربة عماد أبو صالح مثلاً جميلة، لكنها على رغم اتساعها تتلخص فى مجموعته «كلب ينبح ليقتل الوقت» كرر صوته الواحد بالسخرية نفسها والغضب نفسه، دون تحولات شعرية واضحة فنياً، نصوصه مباشرة جداً اطمأنت إلى شكلها مبكراً ولم تتصاعد فنياً. أظن أن غياب الاحتكاك بالمشهد الشعرى العربى وخصوصاً فى الثمانينيات والتسعينيات أثر كثيراً على القصيدة المصرية، وكذلك القصيدة اللبنانية، نصوص تجد طريقها إلى النشر، فى غياب تام عن مقارنتها بتجارب تجاوزتها فى بلدان أخرى، ولعل النقاد المصريين مساهمون فى هذا الشتات لأنهم عاشوا العزلة الاختيارية ذاتها.