تعليم القاهرة تواصل الجولات الميدانية لدعم المدارس وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور    خلافات دستورية وسياسية تعطل «الإدارة المحلية».. والنواب يعيدون صياغة القانون من جديد    تعرف على آخر تطورات سعر الذهب اليوم.. عيار 21 ب7200 جنيه    فريد: تعزيز مناخ الاستثمار أولوية لجذب الاستثمارات الأجنبية    «التموين» تواصل إجراءات دعم منظومة الأمن الغذائي    القيد المؤقت ل 6 شركات حكومية بالبورصة المصرية ضمن برنامج الطروحات الحكومية    «القومي للاتصالات» يخريج 972 متدربًا من برنامج «سفراء الذكاء الاصطناعي»    وزير الخارجية يسلم ولي عهد الكويت رسالة خطية من الرئيس السيسى    السيسي يبني جسور السلام.. كيف نجحت جهود مصر في إنقاذ الشرق الأوسط؟    4 طلبات من الأهلي لاتحاد الكرة بعد أزمة مباراة سيراميكا.. شكوى رسمية    الأهلي يصدر بيانا ضد حكم مباراة سيراميكا    قرعة أمم أفريقيا للناشئين: منتخب مصر بجوار المغرب وتونس وإثيوبيا    المدرسة المصرية الحكومية: زيارة تقييم دولية ناجحة من منظمة البكالوريا الدولية    كشف ملابسات تداول فيديو تضمن قيادة طفل سيارة بمحيط مدرسة في الشرقية    الداخلية تكشف تفاصيل واقعة العثور على جثمان معلق بكوبري الساحل    تعرف على أشهر النواويس في المتاحف المصرية    عروض الأراجوز والعرائس تخطف القلوب والأنظار بمحطة مترو العباسية    وزير الصحة يبحث توطين صناعة أدوية الاورام مع شركة «سيرفيه» الفرنسية    دوري أبطال أوروبا الأمل الوحيد، حلم اللقب العاشر يراود صلاح قبل رحيله    إصابة 8 أشخاص في انقلاب سيارة بالفيوم    في واقعة تحصيل رسوم بدون حق بسنورس، النيابة تأمر بتفريغ الكاميرات واستعجال التحريات    ضبط سيارة محملة ب 1800 لتر سولار قبل تهريبها للسوق السوداء بالفيوم    وزير الرياضة يهنئ يوسف شامل بذهبية العالم للسلاح    استثمارات نصف مليار دولار.. شراكة جديدة لتعزيز صناعة الأسمدة في مصر    الملك أحمد فؤاد الثاني يزور قصر الزعفران (صور)    ندوة لإدارة إعلام الفيوم عن الشائعات في عصر السوشيال ميديا    «الصحة» تعقد 3 اجتماعات لتسريع تنفيذ 8 مستشفيات كبرى وفقاً للأكواد العالمية    محافظ الفيوم ورئيس الجامعة يتفقدان المستشفيات    محمد رمضان يثير الجدل بشأن مشاركته في دراما رمضان 2027    خبراء: استقرار الشبكة الكهربائية التحدي الأكبر في التوسع بالطاقة المتجددة    ما حكم عمل فيديو بالذَّكاء الاصطناعى لشخص ميّت؟ دار الإفتاء تجيب    بعد دورها البارز في وقف الحرب.. الحسيني الكارم: مصر الكبرى حين تتكلم الجميع يسمتع لها    إحياء الذكرى ال56 لمجزرة شهداء بحر البقر بالشرقية    استعدادًا لعيد القيامة وشم النسيم.. محافظ الفيوم يعلن حالة الطوارئ ويكثف الرقابة على الأسواق والخدمات    الإمارات تعرب عن خيبة أملها إزاء إخفاق مجلس الأمن في التحرك بشأن أزمة مضيق هرمز    محافظ القاهرة يترأس لجنة المقابلات الشخصية للمتقدمين لشغل وظائف    وزير التعليم العالي يفتتح النسخة الخامسة من الملتقى التوظيفي الأكبر بعين شمس    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم الفنانة السورية سلاف فواخرجي    الأوقاف: تنفيذ خطة المساجد المحورية لتنشيط العمل الدعوي بالقرى والأحياء    مذكرة تفاهم بين وزارتين سعوديتين لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    الصحة: علاج 197 ألف حالة في جراحة العيون وتفعيل مبادرة "الكشف عن الجلوكوما"    صحة المنيا: تقديم 1208 خدمات طبية مجانية بقرية نواى ضمن «حياة كريمة»    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن إجازة شم النسيم    مدافع منتخب البرازيل على رأس 5 غيابات لأهلي جدة أمام الفيحاء    وصول بعثة إيطالية لاستكمال المسح الأثري بمنطقة «أم الدبادب» في الخارجة    60% تراجعا في الطلب على العمالة الوافدة للخليج منذ بدء الحرب.. والسعودية تخالف الاتجاه    مصرع شخصين وإصابة آخر إثر حادث تصادم شاحنتين على طريق الداخلة - شرق العوينات بالوادي الجديد    كتب 400 أغنية أشهرها "حنيت" للهضبة و"أجمل نساء الدنيا" للرباعي، الراحل هاني الصغير    ارتفاع أسعار "بيتكوين" لأعلى مستوى في 3 أسابيع عقب التوصل لتهدئة أمريكية إيرانية    ناقلة نفط قادمة من مضيق هرمز تصل إلى تايلاند    مواعيد مباريات الأربعاء 8 أبريل - مواجهتان ناريتان في أبطال أوروبا.. والدوري المصري    حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟ الإفتاء تجيب    "تقدير الذات كمدخل لبناء الاستراتيجية الشخصية" ندوة بعلوم ذوي الاحتياجات الخاصة ببني سويف    وكالة فارس: خطة التفاوض تضمنت التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووى ومرور سفت عبر «هرمز»    سي إن إن نقلا عن مسؤول في البيت الأبيض: إسرائيل وافقت أيضا على وقف مؤقت لإطلاق النار    دياب: مكافأة التتويج بالدوري ستكون ضخمة خلال الموسم المقبل    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كارم يحيى : من ملف ” العلاقة الحرام ” صحف قومية أم نشرات حزبية
نشر في البديل يوم 09 - 01 - 2011

للحزب الوطني الحاكم جريدة كان أسمها ” مايو ” تحولت الى ” الوطني اليوم “. وهي لمن لا يعرف لا تزال تصدر أسبوعية بدعم مالي سخي و إعلانات وفيرة ، رغم محدودية التوزيع الذي يعكس حقيقة شعبية ومكانة الحزب . ولعل “الوطني اليوم ” هي أقل الصحف الحزبية في مصر شهرة وشعبية لدى قراء الصحف .
كل ذلك طبيعى ومفهوم . وبالأصل فإن القانون يمنح كل حزب حصل على رخصة من لجنة الأحزاب ( شبه الحكومية ) حق إصدار صحيفة أو أكثر . لكن أن تتحول الصحف القومية الى نشرات لأحد الأحزاب ، فهذا أمر يخالف نصوص الدستور والقانون ، فضلا عن فلسفة تحويل كبريات الصحف المصرية في عام 1960 من الملكية الخاصة العائلية الى “صحف الشعب ” مع الاعتراف بتعدد القوى الإجتماعية والتيارات السياسية . و يكفى هنا أن نعيد التذكير بالمادتين 206 و 207 من الدستور وقد أكدتا على استقلالية الصحافة بوجه عام ، والى المادة 55 من القانون 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة ” التي نصت صراحة وعلى نحو خاص على أنه : “تكون الصحف القومية مستقلة عن السلطة التنفيذية وعن جميع الأحزاب ،وتعتبر منبرا للحوار الوطني الحر بين كل الآراء و الاتجاهات السياسية و القوى الفاعلة في المجتمع “.
وواقع الحال أن الصحافة القومية التي لا تزال تتمتع بوضع شبه احتكاري في صناعة الصحافة المصرية تعاني من أزمة شرعية متعددة الأبعاد . وهى أزمة تعود الى ما قبل تغيير قيادات هذه الصحف إنطلاقا من صيف عام 2005 . وقد سعيت الى تشخيص هذه الأزمة في كتاب تضمن ست دراسات موثقة صدر قبل هذه التغييرات. وقلت في مقدمته، بعدما عددت مظاهرها في انخفاض التوزيع وتدهور الأداء المهني وضعف المصداقية وإهدار المال العام وغيرها ، ان أزمة الشرعية هذه تقوم على ” إختطاف هذه الصحف لحساب رئيس الدولة و الحزب الحاكم و نفر من الرجال المعينين في المناصب القيادية بها .. ” و في ” إعطاء إجازة مفتوحة للقانون في العديد من جوانب إدارة هذه الصحف ” . وصولا الى أن ” عباءة الصحف القومية و الصحافة المصرية إجمالا لا تتسع كثيرا للقوى الإجتماعية و السياسية المتعددة في مجتمعنا ” ولا تعكس مصالحها وإهتماماتها .
و الآن مرت اكثر من خمس سنوات على بدء حركة التغييرات في قيادات الصحف القومية . وهي حركة أثارت حينها في أوساط الصحافة المصرية مشاعر مختلطة . فهي كانت قد ولدت ارتياحا من حيث انها انهت الاوضاع غير القانونية للقيادات شبه الإقطاعية التي كانت شاخت في مقاعدها وتجاوزت كثيرا سن التقاعد . لكن هذه التغييرات جرت وفق الأسس المعيبة ذاتها من حيث انعدام الشفافية وغياب المعايير الموضوعية مما يفتح الباب لتحكم أجهزة الأمن ومراكز القوى غير الشرعية في هذه الاختيارات .ولقد طرحت هذه التغييرات أيضا تساؤلات لدى الجماعة الصحفية عن مدى توافر معايير الكفاءة و النزاهة . وفي كل الأحوال كان ملحوظا أن القيادات الصحفية الجديدة في الغالب ان لم نقل جميعها أعضاء في الحزب الحاكم . وفي ذلك تحد للدستور والقانون ولفلسفة انشاء الصحافة القومية . بل شاع أن غالبية القيادات الصحفية الجديدة ممن يصفهم البعض في كواليس الحزب الحاكم نفسه ب ” أولاد لجنة السياسات و صبيان جمال مبارك “.
و لننظر الآن في الحصاد بعد أكثر من خمس سنوات من بدء التغييرات في قيادات الصحف القومية . وسوف نتجنب هنا الانطباعات العامة من قبيل القول ب “المزيد من التدهور في الخدمة الصحفية المقدمة للقراء” و” الأخطاء المهنية اليومية التي يصل بعضها الى حد جرائم نشر يعاقب عليها القانون” و حالة “الإسهال والاستسهال” في تدبيج مقالات متهافته اشبه ب “موضوعات إنشا ” تفتقد الى أي جهد أو عناية أو منطق متماسك ، مما دفع نفر في الجماعة الصحفية الى اطلاق اوصاف ساخرة على كتابها من قبيل ” الإسهاليون الجدد ” . وسوف نتجنب كذلك التأمل في المخالفة الدستورية والقانونية و المهنية في الظاهرة المستحدثة مع تغيير قيادات الصحف القومية في تحول نفر من هذه القيادات الى متحدثين امام وسائل الإعلام باسم الحزب الحاكم .سوف نتجنب كل ذلك ، و نلقى نظرة مجرد نظرة على ملامح من تغطية الصحف القومية الأشهر ” الأهرام ” و ” الأخبار ” و ” الجمهورية ” لمؤتمر الحزب الحاكم الأسبوع الماضي . و نعقب ذلك بمقارنات محدودة لكنها كاشفة .
فعلى مدى ثلاثة ايام ( 26 و27 و28 ديسمبر 2010 ) احتل مؤتمر الحزب الحاكم العناوين الرئيسية للصحف الثلاثة. و علاوة على ذلك خصصت ” الأهرام ” و ” الجمهورية ” اربع صفحات للمؤتمر في اليوم الأول فيما خصصت ” الأخبار ” ثلاث صفحات . لكن ” الأخبار ” عادت ومنحت المؤتمر خمس صفحات لليوم الثاني وثلاث صفحات لليوم الثالث . فيما خصص كل من ” الأهرام ” و ” الجمهورية ” صفحتين لكل من اليومين . أما ” الوطني اليوم ” الصحيفة الحزبية وهي اسبوعية فقد اكتفت في عددها الصادر بتاريخ 28 ديسمبر بتخصيص
أربع صفحات لأعمال المؤتمر علاوة على العنوان الرئيسي لها . و الأمر هنا لا يحتاج تعليق لاكتشاف الفارق بين جريدة الحزب من جانب وبين النشرات الحزبية التي أصبحتها صحافتنا القومية.
ولأنه في النظم الشمولية القائمة على الحزب الواحد و عبادة الفرد و الاندماج بين العائلة و العصبه و بين السلطة السياسية ، يستطيع المراقبون استقراء مراكز القوى الفعلية والصاعدة في النظام من خلال ملاحظة ظهور الشخصيات في الصور المصرح بنشرها في وسائل الإعلام . و قد قمنا برصد ظهور أربع شخصيات في الصور المنشورة بالصحف الأربعة على مدى أيام المؤتمر ، و هي : رئيس الحزب “مبارك الأب” .. و الأمين العام للحزب “صفوت الشريف” .. و الأمين العام المساعد وأمين لجنة السياسات “مبارك الإبن” .. و أمين التنظيم رجل الأعمال واسع النفوذ ” أحمد عز”. وقد تبين أن “مبارك الإبن” ودون منازع هو الشخصية الأولى في الحزب من حيث عدد الصور المنشورة في الصحف ” القومية” الثلاثة. ظهر في ” الأخبار ” في 15 صورة من إجمالي 29 صورة ضمت الشخصيات الأربعة . و في ” الجمهورية ” ظهر في 10 صور من إجمالي 28 صورة . و في ” الأهرام ” 9 صور من إجمالي 24 صورة. بل أن جمال مبارك ظهر في عدد واحد من ” الأخبار ” في 8 صور دفعة واحدة ( عدد 27 ديسمبر ) .و للمفارقة فان الرئيس حسني مبارك ظهر على صفحات نفس الجريدة وكذا في ” الأهرام ” في صورتين فقط ( عدد 26 ديسمبر ) ، وظهر على صفحات ” الجمهورية ” في ثلاث صور عن ذات اليوم . أما الشخصية المفترض انها الثانية في الهيكل التنظيمي للحزب ” صفوت الشريف ” فقد حل تاليا للأمين المساعد للتنظيم ” مبارك الإبن” ، و ظهر على مدى الأيام الثلاثة في 10 صور بجريدة ” الأخبار ” و 8 صور في كل من ” الأهرام “و ” الجمهورية “. وبشأن أمين التنظيم ” أحمد عز” فقد حل ثالثا و ظهر في ” الجمهورية ” في 6 صور ، وفي ” الأهرام ” في 5 صور ، أما في ” الأخبار ” فقد ظهر في صورتين فقط. ومن الأمور المثيرة أيضا ان ترتيب مراكز القوى يختلف بعض الشئ على صفحات جريدة الحزب ” الوطنى اليوم ” . فقد جاء الأمين العام ” صفوت الشريف ” أولا وظهر في أربع صور، فيما حل “مبارك الإبن” ثانيا بثلاث صور ، أما “مبارك الأب” و” أحمد عز ” فقد حلا أخيرا وظهر كلاهما في صورتين . وفي هذه المؤشرات ما يطرح تساؤلات وافتراضات حول سطوة ” مبارك الإبن ” على الصحف القومية بدرجة أشد من سطوته على صحيفة الحزب ذاتها التي لا تزال تعكس ولاءا خاصا لأمينه العام ” الشريف ” . ومرة أخرى فان السؤال الأهم : هل الصحف القومية قد تحولت على أيدى القيادات المستجدة الى نشرات حزبية وإتجهت الى حسم ولائها الأخير لصالح ” مبارك الإبن ” ، وكأنه مركز القوة الفعلي و القادم الى موقع رئيس الحزب و الدولة وفق قراءة الصور ، رغم التصريحات الحزبية عن أن “مبارك الأب ” هو مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة عام 2011 .
هذا عن الصور و ما تطرحه من دلالات و تساؤلات. و لننظر الآن كيف قامت الصحف ” القومية ” و قد تحولت الى نشرات حزبية بتغطية أبرز حدثين في حياة حزب ” الوفد ” خلال عام 2010.وهو الحزب الذي يراه الحزب الحاكم و أبواقه الدعائية القوة الثانية في هذه الحياة الحزبية المريضة والمقيدة أصلا . في 16 إبريل الماضي عقد ” الوفد ” جمعية عمومية طارئة لتغيير لائحته الداخلية .فمنحت ” الأهرام ” الحدث مساحة عمودين في 15 سم بأسفل الصفحة التاسعة بعدد 17 إبريل . أما “أخبار اليوم ” فقد القت بالخبر في منتصف الصفحة الحادية عشرة على مساحة ثلاثة أعمدة . واللافت ان الصفحة الأولى بالعدد ذاته اتسعت لنشر خبر عن الحزب الحاكم بعنوان : ” صفوت الشريف : تقرير للرئيس حول البرنامج الانتخابي للشورى “. و نأتي الى ” الجمهورية ” التي لم يجد القائمون عليها أي أهمية في حدث ” الوفد ” ، فغاب عن عدد الصحيفة الصادر في يوم 17 إبريل تماما . وإن كان الصحيفة ذاتها قد وجدت ما هو أكثر اهمية في خبر يحمل عنوان ” الدكتورة زينب عبد الله : الإشراف القضائي الكامل لا يمنع التزوير ” ومنحته مساحة في صفحتها الأولى بالعدد ذاته . ولمن لايعلم فان ” الدكتورة زينب ” وفق نص الخبر هي رئيس قسم القانون بجامعة الأسكندرية .
أما الحدث الثاني لأكبر قوة سياسية تاليه للحزب الحاكم وفق المنظور الرسمي فقد كان انتخاب الجمعية العمومية لحزب”الوفد” في 28 مايو 2010 لرئيس جديد للحزب ،وقد انطوى الحدث على تداول في المواقع القيادية لا يعرفه تاريخ الحزب الحاكم . وهنا فقد منح “الأهرام ” الحدث مساحة ثلاثة أعمدة في 7 سم بالنصف الأسفل من صفحته الأولى بالعدد 29 مايو و ثلاثة أعمدة أخرى في الصفحة 15 بالعدد ذاته ، و قد احتل خبر مثل رحيل الكاتب أسامة أنور عكاشة ضعف المساحة في الصفحة الأولى بالعدد ذاته. أما ” الأخبار ” فقد اكتفت هي الأخرى بمنح حدث ” الوفد” مساحة عمودين أسفل الصفحة الأولى ، فيما ارتفع بأعلى الصفحة ذاتها خبر لجمال مبارك على ثلاثة أعمدة. وسارت ” الجمهورية ” على نفس النهج ، فوضعت خبر ” الوفد ” في النصف الأسفل من الصفحة الأولى على ثلاثة أعمدة ، فيما منحت خبرا عن المؤتمرات الانتخابية للحزب الحاكم بخصوص مجلس الشورى ضعف المساحة في النصف الأعلى من الصفحة ذاتها. وفي كل ما سبق ما يتناقض مع دعاوى الحزب الحاكم ورئيسه عن تقوية الحياة الحزبية و” الأحزاب المدنية “والتي جرى اطلاقها كمبرر للتعديلات الدستورية غير الديموقراطية في ربيع عام 2007.
و لعله مما يفيد في هذا السياق أن ننظر الى ماض قريب ، لندرك كيف تحولت صحفنا القومية الى نشرات حزبية على ايدي من يطلق عليهم في كواليس الحزب الحاكم نفسه ” أولاد لجنة السياسات” . وأمامي لحسن الحظ دراسة علمية منشورة في “المجلة المصرية لبحوث الإعلام ” الصادرة عن كلية إعلام القاهرة ( عدد اكتوبر / ديسمبر 2002) .والدارسة للباحث ” سلام أحمد عبده ” ، وتحمل عنوان ” معالجة الصحف القومية المصرية اليومية للشئون الحزبية في النصف الأول من عام 2002 “. وقد انتهت الدراسة بعد تطبيق أداة تحليل المضمون على ” الأهرام” و ” الأخبار ” و ” الجمهورية ” خلال هذه الفترة الى ارتفاع اهتمام الصحف الثلاث باخبار الحزب الوطني الحاكم و متابعة نشاطه وانخفاض اهتمامها بمتابعة انشطة أحزاب المعارضة في الأغلب الأعم الا ما يخدم السياسات الحكومية .
وبصرف النظر عن الفروق النوعية و النسبية بين الصحف الثلاثة والتي تفيد بأن “لأهرام ” كان في عام 2002 اكثر اهتماما بالحياة الحزبية و أقل انحيازا للحزب الوطني مقارنة بكل من من ” الأخبار ” و ” الجمهورية ” . فثمة ملاحظتان على ضوء التطورات اللاحقة : الأولى ان ” الأهرام ” في ظل قيادته المستجده قام بالغاء صفحتى ” نواب و أحزاب ” و” حياتنا الحزبية ” ، في اطار سياسية تحريرية ليس مجال مناقشتها هنا الآن. و الثانية ان الدراسة التي نوهت بهاتين الصفحتين كانت قد دعت الصحف القومية الى “التخلى عن انحيازها لوجهة النظر الرسمية و أن تكون قومية بمعنى الكلمة و تبرز الآراء المتعددة حتى لو تعارضت مع وجهة النظر الرسمية “.كما اقترحت الدراسة :” إعادة النظر في تبعية الصحف القومية لمجلس الشورى وأن تكون تابعة لهيئة مستقلة غير حكومية “.
وللعلم والذكرى فان التطورات اللاحقة على هذه الدراسة قد دفعت في شراع العلاقة الحرام بين الصحف القومية والحزب الحاكم بالمزيد من الرياح المسمومة . فلم يقتصر الأمر على التغيير في قيادات الصحف باتجاه ما يطلق عليه” أولاد لجنة السياسات ” اعتبارا من صيف عام 2005 ، بل كان أمين عام الحزب الحاكم قد بدأ يجمع و للمرة الأولى بين موقعه الحزبي و بين رئاسة مجلس الشورى و المجلس الأعلى للصحافة منذ عام 2004 ( وفق توجيه الى الهيئة البرلمانية للحزب الوطني بمجلس الشورى صدر عن الرئيس مبارك خلال رحلته العلاجية لألمانيا في يونيو من العام نفسه ). كما أنه لا يمكن فهم وتفسير الاتجاه الخطير لتحول صحفنا القومية الى نشرات حزبية دون النظر في التطورات الاقتصادية السياسية المرتبطة بصعود رجال الأعمال الجدد على المسرح . وحقيقة ان في سيرة هذا الصعود و تجلياته في مرآة الإعلام والصحافة والحزب ما يدعو للتفكير في أي نمط من الرأسمالية ينتعش ويهيمن في مصر الآن . وبالأصل فان أية محاولة لقراءة هذا المشهد في بلد تصعد فيه الرأسمالية و تسيطر و تهبط فيه مساحة الحريات و تضيق تعيدنا الى قراءة هذا النوع من الكتابات التي بشرت ببناء رأسمالية بلا ليبرالية سياسية او فكرية . وهو نمط من الكتابات أظنه ظهر في صفحات الرأي بخاصة بالصحف القومية منذ عقد الثمانينيات . وكان يبشر صراحة ببناء الرأسمالية بذات المنهج الشمولي التعبوي الفوقي الذي كان سائدا في عهد الحزب الواحد . و إذا ما راجعنا الصحف في هذه الفترة لن ندهش إذا ما اكتشفنا أن هؤلاء المبشرين بهذا النمط السلطوي من الرأسمالية هم ذات الأسماء التي التحقت فيما بعد بلجنة السياسات في الحزب الحاكم ، وتمكنت من السطو على صفحات الرأي في صحفنا القومية . وهي تمارس الآن إحتكارا موزايا للاحتكار الحاصل في مجال الاقتصاد .. إحتكار الرأي . ويكفى احصاء سريع لاسماء الكتاب في أبرز صفحات الرأي في صحفنا القومية، كي نتبين قصة النفوذ المتزايد لأعضاء لجنة السياسات بالحزب الحاكم خلال السنوات القليلة الماضية ، و معها إقصاء الكتاب المستقلين المحترفين و ممارسة فنون شتى من الرقابة والتهميش وقمع تعدد الآراء.
ولكن ماذا عن الصحفيين انفسهم العاملين في الصحف القومية ؟
هنا لا تتوافر الى حينه دراسات علمية . إلا ان ثمة اعتقاد له شواهده بان الغالبية العظمي من هؤلاء الصحفيين ليسوا من أعضاء الحزب الحاكم . وهم في ذلك على عكس ما تدين به قيادات هذه الصحف المنتقاه على خلاف الدستور والقانون . و غالبية هؤلاء الصحفيين شأنهم شأن السواد الأعظم من المصريين غير منتمين للأحزاب المرخصة بقرارات لجنة الأحزاب شبه الحكومية وغير مبالين بها. لكن ثمة ثلاث وقائع كنت شاهدا عليها في الأيام الأخيرة التي اعقبت الانتخابات التشريعية . في الأولى .. أسر زميل بأنه اضطر للالتحاق بالحزب الحاكم اخيرا لأنه أدرك ان الباب بات مغلقا في وجه أي طامح لتولى مسئولية ما في صحيفته القومية إذا لم ينضم للحزب . وفي الثانية أسر زميل آخر بأنه يخجل من انه يوما ما وقع استمارة عضوية للحزب الحاكم و يتمنى أن يستقيل من هكذا حزب ، لكنه يخاف العواقب . فلما سألته : لماذا ؟ . أجاب :” دول .. لا يقبلون بالخروج عليهم”. أما الثالثة فتتعلق بحديث بدأ يعود همسا في أروقة الصحف القومية يشبه ماكان في الأيام الأخيرة للحرس القديم من القيادات الصحفية قبل نحو خمس سنوات .
إنه حديث وقائع فساد و سفه و إهدار للمال العام تشيب لها الرؤوس ، وقد تزامن هذه المرة مع طرح السؤال : هل هي صحف قومية أم نشرات حزبية ؟
مواضيع ذات صلة
1. كارم يحيى : يحيا الهلال مع الجمل
2. كارم يحيى : “حزب كفرة وخونه”
3. كارم يحيى : ذاكرة “الأهرام ” في خطر
4. كارم يحيى : مجزرة الإسكندرية والمسألة المصرية
5. كارم يحيى: “جاسوس في الحزب” رواية تخيلية سياسية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.