يمر الزعماء والحكام الديكتاتوريين فى دول العالم الثالث بدورة حياة تشبه دورة حياة الحشرات والطفيليات والفيروسات، وتتكون دورة حياة الديكتاتور من ست مراحل متعاقبة، تبدأ بمرحلة التكوين، وهى المرحلة الطويلة التى تسبق وصوله إلى الحكم، ولأن معظم الحكام الديكتاتوريين فى العالم الثالث قد وصلوا إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية فغالبا ما يكون الديكتاتور رجلا ذو خلفية عسكرية، وليس شرطا أن يكون جنرالا كبيرا فى الجيش، فبعض الحكام الديكتاتوريين وصلوا إلى الحكم وهم فى سن صغيرة ورتب صغيرة، مثل العقيد معمر القذافى، الذى وصل إلى الحكم وهو فى السابعة والعشرين من عمره. والخلفية العسكرية تلك تجعل الديكتاتور، طوال الجزء الأول من حياته العسكرية، لا يعرف شيئا سوى طاعة الأوامر وتنفيذها بدقة وبدون نقاش أو تفكير، وتجعله أيضا طوال الجزء الأخير من حياته العسكرية يصدر هو نفسه الأوامر بدون أن يستشير أحد أو يعارضه أحد، ولذلك تجد أن الديكتاتور الذى تربى وعاش على هذا النحو، بالضرورة، لا يفهم معنى الديمقراطية والتعددية واختلاف الآراء، بل يكرهها ويكره من يطالبون بها، فالإنسان عدو ما يجهل. وقد يتعرض الديكتاتور لبعض المؤثرات السلبية فى طفولته، كأن يشعر بالحرمان مثلا نتيجة الفقر الشديد، وقد يمر بتجارب مؤلمة، كأن يغتصب من بعض زملائه الأكبر سنا فى المدرسة، وتظل تلك الأحداث المؤلمة عالقة فى ذهنه، تشغل تفكيره، وتؤثر فى القرارات التى يتخذها عندما يصل إلى الحكم. والمرحلة الثانية تسمى مرحلة الصعود، وتبدأ بنجاح الديكتاتور فى الوصول إلى السلطة والجلوس على كرسى الحكم منفردا، إما عن طريق انقلاب عسكرى مباشر وصريح، بمعنى أن يفاجأ الشعب بخلع الرئيس السابق فى ليلة مظلمة بدون مقدمات تسبقها، أو انقلاب عسكرى غير مباشر، بمعنى أن يتم دفع جماهير الشعب إلى القيام بثورة شعبية مفتعلة ومدبرة من الأجهزة المخابراتية ضد الحاكم السابق، تنتهى فى غضون أيام معدودة بانقلاب عسكرى يبدو فيه الجنرال وكأنه قد استجاب لغضب الجماهير وتطلعاتها إلى الحرية، كما فعل الجنرال أوجستو بينوشيه، ديكتاتور تشيلى السابق، عندما أطاح بالرئيس المدنى المنتخب سلفادور ألليندى فى إنقلاب عسكرى عام 1973، بعد سلسلة من الاضطرابات المدبرة. وفى تلك المرحلة المبكرة يلزم أن يظهر الديكتاتور أمام الشعب فى صورة الرجل القريب من الناس، المهموم بمشاكلهم، الحريص على مصالحهم، فيكثر من الأحاديث التليفزيونية الموجهة إلى البسطاء، ويتكلم بهدوء وبصوت ناعم مشحون بالحنان، للتأثير على قلوبهم وعقولهم، وقد يستقبل أحيانا فى قصره الجمهورى بعض الفقراء من عامة الشعب أو يزور طفلا مريضا بالسرطان فى المستشفى، ليظهر أمام الرأى العام وكأنه أب طيب وحنون. تلك اللقطات والمشاهد تخلق هالة من الزعامة، وتجعل الجماهير تستجيب لقرارات زعيمهم المحبوب بسهولة، وهنا تلعب أجهزة الإعلام دورا بالغ الأهمية فى الترويج لهذه اللقطات المؤثرة والمشاهد المعبرة. والمرحلة الثالثة تسمى مرحلة التمكين، وهى المرحلة التى يبدأ فيها الديكتاتور فى فرض سيطرته على البلاد وترسيخ مكانته كقائد وزعيم للأمة، وفى تلك المرحلة يصعب الإكتفاء بالترويج لشعبية الديكتاتور وسياساته عن طريق المواقف البسيطة واللقطات المؤثرة فحسب، وإنما لا بد من أعمال ضخمة ملموسة تبرز حرص الديكتاتور على النهوض بالأمة ورفع مستوى معيشة الجماهير، فيبحث الديكتاتور عن مشاريع قومية عملاقة تكتب اسمه فى سجلات التاريخ بأحرف من نور، مثل بناء سد ضخم أو حفر نهر جديد أو زراعة مليون هكتار، أو إنشاء عاصمة جديدة، ويتم الإعلان عن تلك المشاريع فى صورة مفاجأة لجماهير الشعب، بدون نقاش مسبق أو حوار مجتمعى، وحتى بدون دراسات جدوى اقتصادية وبحوث علمية سليمة، فليس شرطا أن يكون المشروع مدروسا بعناية أو مخططا جيدا، المهم هو البروباجندا والدعاية السياسية. ولأن معظم الدول التى يحكمها حكام ديكتاتوريين غالبا ما تكون فقيرة جدا، فأن الديكتاتور يضطر إلى الاقتراض من البنك الدولى أو من الدول الشقيقة الغنية، عشرات المليارات من الدولارات، وقد يضطر أيضا – بحسب درجة وطنيته أو عدم وطنيته – إلى بيع أجزاء من الوطن للدول المجاورة فى سبيل تحقيق أحلامه ومشروعاته الزائفة. على سبيل المثال، إمبراطور روسيا السادس عشر، القيصر ألكسندر الثانى، باع ألاسكا للولايات المتحدةالأمريكية فى عام 1867 بمبلغ سبعة ملايين ومائتى ألف دولار. من يتصور اليوم أن ولاية كبيرة بحجم ألاسكا، غنية بالبترول والثروات المعدنية، قد بيعت بهذا الثمن البخس. والمرحلة الرابعة تسمى مرحلة التعظيم، والتى قد تتداخل فى بعض الأحيان مع المرحلة الثالثة أو تسبقها بحسب شخصية الديكتاتور ودرجة ميله إلى تعظيم وتفخيم ذاته، وفى تلك المرحلة وبعد أن تستقر الأمور فى يد الديكتاتور ويشعر أخيرا بالأمان من غدر الأعداء، يبدأ فى الظهور فى صورة القائد الملهم العظيم، الزعيم الضرورة الذى لا يمكن أن يستقر وينهض الوطن بدونه، ويبدأ الديكتاتور فى تلك المرحلة بالتحدث عن نفسه كثيرا وعن قدراته الفذة، وكيف أن العالم كله ينتظر قراراته ويتشوق لسماع خطبه وأفكاره الثمينة، وفى تلك المرحلة نادرا ما يغامر الوزراء وكبار رجال الدولة بالتعبير عن آرائهم الحقيقية أمامه، وإنما يظلون دائما فى انتظار تعليماته وتوجيهاته، فكل ما يفعله الديكتاتور أو يقوله أو حتى يفكر فيه، قمة الحكمة والشجاعة والعظمة. ويستلزم من وسائل الإعلام فى تلك المرحلة الترويج لفكرة أن الديكتاتور وحده هو الذى يعمل ويكد ويتعب فى الدولة، وأن الحكومة ليست على مستوى عظمة الديكتاتور، بل أن الشعب نفسه ليس على مستوى عظمة الديكتاتور، وأن السبب فى تأخر إحساس الناس بثمار المشروعات القومية العملاقة التى أقامها الديكتاتور العظيم هو ضعف أداء الحكومة وتكاسل وخمول أفراد الشعب، ويصبح تغيير مواد الدستور التى لا تسمح بامتداد حكم الديكتاتور إلى فترات أخرى، مطلبا شعبيا واسعا. والمرحلة الخامسة تسمى مرحلة العزلة، وفى تلك المرحلة يعيش الديكتاتور فى عزلة تامة عن حياة مواطنيه ولا يعرف حقيقة ما يحدث فى البلاد. فبعد سنوات طويلة من الحكم والحياة المترفة للزعيم وحاشيته، والتى تكون بعيدة تماما عن معيشة الناس العادية، يفقد الديكتاتور إحساسه بالفقراء الذين كانوا بمثابة نور عينيه فى البداية، إلى جانب أنه لا يعايش الحياة الحقيقية أبدا، وإنما تنتقل إليه صورتها عن طريق تقارير ترفعها إليه أجهزة أمنية مختلفة. وهذه الأجهزة ترى من مصلحتها دائما تخفيف الصورة القاتمة للأوضاع فى البلاد تفاديا لغضب الديكتاتور. يقال أن جوزيف ستالين كان يطبع نسخة خاصة من جريدة البرافدا ليقرأها الزعيم الروسى فلاديمير لينين وحده على فراش المرض، وكانت لا تحوى سوى الأخبار الجيدة فقط. وكثيرا ما تتصارع هذه الأجهزة فيما بينها على ثقة الديكتاتور فتكتب تقارير متضاربة، وتختلق أحيانا مؤامرات وهمية تزعم أنها قضت عليها لتقنع الديكتاتور بأهميتها. أضف إلى ذلك أن الوزراء الذين يعملون مع الديكتاتور، لا يهمهم على الإطلاق رأى الناس فيهم، لأنهم ليسوا منتخبين، وإنما ينحصر اهتمامهم فى الحفاظ على رضا الديكتاتور الذى عينهم ويستطيع إقالتهم فى أية لحظة، وبالتالى لا يواجهون الديكتاتور بالحقيقة أبدا وإنما يقولون له دائما ما يعجبه ويرضيه. وهكذا تكتمل عزلة الديكتاتور عن الحقيقة حتى يفيق فى النهاية على بشائر المرحلة السادسة. والمرحلة السادسة والأخيرة، تسمى مرحلة السقوط، وهى أقصر المراحل وأعنفها وأكثرها خطورة، وفيها تنهار الأوضاع الاقتصادية وتتدهور أحوال الشعب، فتتزايد القلاقل والاضطرابات فى البلاد، فيستيقظ الديكتاتور من عزلته ويلجأ إلى استخدام القوة والعنف لإسكات المعارضين، وقد يضطر أحيانا إلى أن يقتل بعضهم، ولكن بالتدريج يفقد الديكتاتور القدرة على السيطرة على الأمور، ويتخبط فى إدارته للدولة، وتهتز السلطة تحت قدميه. وتتعدد وتختلف صور السقوط من ديكتاتور إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، فبعض الحكام الديكتاتوريين تنتهى دورة حياتهم بانقلاب عسكرى جديد يطيح بالديكتاتور من على كرسى الحكم، وقد يقتل فى هذا الانقلاب أو يتمكن من الهرب إلى إحدى الدول المجاورة إذا حالفه الحظ. وبعضهم تنتهى دورة حياتهم بثورة شعبية عارمة، فيقبض عليه من قبل السلطة الجديدة ويتم تقديمه إلى محاكمة عاجلة، والتى عادة ما تحكم عليه بالسجن مدى الحياة أو الإعدام، كما جرى مع الديكتاتور الرومانى نيكولاى تشاوشيسكو الذى قدم إلى محاكمة استثنائية عاجلة لم تتجاوز مدتها ساعتين، أمام قضاة عسكريين، مثل المحاكم الصورية التى كان يعقدها لمعارضية، فذاق من نفس الكأس، وحكم عليه هو وزوجته بالموت، بتهم ارتكاب جرائم ضد الدولة والإبادة الجماعية وتدمير الاقتصاد الرومانى. وفى يوم المحاكمة نفسه، اقتيد مع زوجته معصوبى الأعين إلى أحد معسكرات الجيش الرومانى خارج العاصمة بوخارست، وأعدما رميا بالرصاص أمام عدسات المصورين. وقد تتمكن جماهير الشعب الغاضبة من الوصول إلى الديكتاتور قبل القبض عليه، وتقوم بالانتقام منه بنفسها، كما جرى مع العقيد معمر القذافى أو مع الديكتاتور الإيطالى بينيتو موسولينى وعشيقته كلارا، اللذين تم تعليق جثتهما مقلوبين من أرجلهما مع جثث خمسة قادة فاشيين آخرين فى ساحة عامة فى مدينة ميلانو. وكانت هذه الطريقة فى الإعدام مخصصة للخونة فى روما القديمة التى حاول موسولينى إعادة أمجادها. وجاءت الجماهير تشتمهم وتبصق عليهم وترميهم بما فى أيديهم، وفقد بعض الجماهير الثائرة السيطرة على أنفسهم فأخذوا يطلقون النار على الجثث وركلها بالأقدام. وبعض الحكام الديكتاتوريين تنتهى دورة حياتهم بهزيمة عسكرية مخزية، أو بكارثة اقتصادية مفجعة، أو بانهيار اجتماعى كبير. وفى معظم الأحوال تنتهى دورة حياة الديكتاتور بمآساة بشعة كبرى. ملحوظة: كتبت هذا المقال ووضعت تلك المراحل بناء على قراءة تجارب عدد من الحكام الديكتاتوريين فى أوروبا وأمريكا اللاتينية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، وبالتالى لا علاقة للمقال بحكامنا الديمقراطيين فى عالمنا العربى على الإطلاق.