في الوقت الذي يحاول فيه الرئيس الفرنسي الجديد، إيمانويل ماكرون، ترتيب البيت الفرنسي مجددًا، ورأب الصدع والانقسامات الداخلية، والتحضير لتشكيل حكومة قوية، والحشد لانتخابات برلمانية جديدة، من المقرر إجراؤها في الفترة ما بين 11 و18 يونيو المقبل، ينظر ماكرون بعين الاهتمام أيضًا لعلاقات فرنسا الخارجية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي والدول الكبرى مثل أمريكا، حيث يحاول ترتيب أوراق بلاده السياسية بما يتوافق مع سياسته الوسطية المستقلة الجديدة. لقاء فرنسي أمريكي مرتقب أكدت مصادر سياسية في البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سيلتقي نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في غداء طويل في 25 مايو الجاري، بالعاصمة البلجيكية بروكسل؛ "للمقارنة بين آرائهما"، بحسب المصادر، حيث أضافت أن البيت الأبيض يرى أن مواقف الرئيس الفرنسي الشاب ونظيره الأمريكي السبعيني ليست متباعدة جدًّا، على الرغم من شائعات أفادت أن ترامب كان يفضل فوز مرشحة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، مارين لوبن. وأكدت المصادر أنهما "آخر رئيسي دولتين وصلا إلى الساحة الدولية"، وأشارت إلى أن الاتصال الهاتفي بينهما جرى بشكل جيد جدًّا، ولفتت إلى أن ترامب أعجب جدًّا بماكرون، مضيفة أن "الرجلين لا يتقاسمان بالضرورة الأفكار نفسها، لكن كلا منهما جديد على الساحة السياسية، وتجاوز الحواجز السياسية التقليدية"، وأوضحت المصادر أن فكرة دعم ترامب لمنافسة ماكرون في الانتخابات "مارين لوبان" مبالغ فيها، وتستند فقط إلى تغريدة حول الحدود، وإلى مرور زعيمة الجبهة الوطنية على برج ترامب في نيويورك. نقاط تنافر وتقارب لا شك أن استراتيجة كلا الرئيسين مختلفة بشكل كبير، فعلى الرغم من أن ماكرون أظهر لنفسه خلال الانتخابات الفرنسية بأنه مرشح وسطي مستقل، إلا أنه بالتدقيق في سياساته نجد أنها تميل إلى اليسار بعض الشيء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، حيث يؤمن ماكرون بضرورة حماية أوروبا وجعلها قوة صامدة في وجه محاولات الهيمنة الأمريكية، خاصة أن الرئيس الأمريكي أظهر كثيرًا عدم الاهتمام بالقارة العجوز، وانتقد مرارًا الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ناهيك عن أنه شجع بريطانيا على الانفصال عن الاتحاد، ويعتقد ماكرون أنه على القوى الأوروبية الكبيرة أن تملأ الفراغ الذي أحدثته أمريكا في القوى العالمية بانسحابها التدريجي، كما يريد ماكرون أن تكون فرنسا قوة أوروبية مستقلة متحضرة، خاصة بعد أن أصبحت العضو الأوروبي الوحيد الذي يمتلك حق الاعتراض في مجلس الأمن، مما سيعطي فرنسا قوة وفرصة فريدتين؛ لتثبت مكانتها، مما قد يترتب عليه معارضة واشنطن في بعض القضايا، خاصة أن ترامب يميل إلى تطبيق سياسة مصالح أمريكا أولًا. هذه الخلافات الاستراتيجية والأيدلوجية ظهرت خلال الانتخابات الفرنسية وبعد ظهور النتائج، حيث كانت زعيمة حزب الجبهة الوطنية، اليمينية المتطرفة، مارين لوبان، تحظى بالدعم القوي من قبل أمريكا ورئيسها، الذي أثنى عليها ووصفها ب"المرشح الأقوى للتعامل مع ما يجري في فرنسا، والأقوى فيما يتعلق بقضايا الحدود"، وانتقد ماكرون سياسة الرئيس الأمريكي المتعلقة بالانسحاب من الاتفاقيات التي عقدها أسلافه ونهجة الاقتصادي الذي رأى فيه ماكرون أنه سيضر بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة الأمريكية. بعد فوز ماكرون احتفل الديمقراطيون في الولاياتالمتحدة بانتصار المرشح الوسطى، واعتبروا أن فوزه يمثل رفضًا لنموذج الرئيس الأمريكي وسياسته المتطرفة الكارهه للأجانب، وأن انتصار ماكرون عبارة عن خسارة ل"مرشحة ترامب"، مارين لوبان. هذه الخلافات من المؤكد أنها ستلقي بظلالها ليس فقط على العلاقات بين البلدين، ولكن على المحيط السياسي الدولي والعالمي وطريقة معالجة الأزمات والقضايا المشتركة بينهما، لكن في الوقت نفسه يتفق ماكرون مع أمريكا في الأزمة السورية، حيث عبر الرئيس الفرنسي مرارًا عن رغبته في الإطاحة بالرئيس السوري، بشار الأسد، وأعرب عن موافقته على مشاركة فرنسا في عمليات عسكرية ضد النظام السوري، لكنه يحرص على أن تكون هذه المشاركة في إطار مجلس الأمن الدولي، وليس بصفة أحادية مثلما فعل "ترامب". على الرغم من الاختلافات بين الرئيسين الأمريكي والفرنسي، إلا أن بينهما العديد من نقاط التشابه في الحياة السياسية، أولها أن الرئيسين لم يشغرا وظيفة منتخبة من قبل، ولم يتوليا مناصب سياسية أجبرا من خلالها على اتخاذ قرار ما لحل مشكلة معينة، ولم يسبق لهما أن أجبروا على التعامل مع دول أخرى وإدارات مختلفة التوجهات والسياسيات والأيديولوجيات، أي أن الرئيسين يتشاركان في أنهما غير مخضرمين سياسيًّا، إلا أنهما يملكان خلفية تجارية واقتصادية كبيرة، حيث كان ترامب رجل أعمال ناجحًا بشكل كبير في بلاده، فيما تنقل ماكرون بين الوظائف المالية لفترة كبيرة قبل مزاولة مهامة السياسية، حيث عمل مفتشًا عامًّا للمالية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل بعد ذلك ليعمل في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي، والتحق بمصرف "روتشيلد أند سي" في فرنسا، وفي عام 2012 عمل مستشارًا اقتصاديًّا للرئيس فرانسوا هولاند الذي عينه وزيرًا للاقتصاد عام 2014. هل تعود العلاقات الفرنسية الأمريكية؟ يضع الكثيرون آمالًا كبيرة على ماكرون في أن يعيد العلاقات الأمريكية الفرنسية إلى سابق عهدها، خاصة أن ماكرون شدد مرارًا على أهمية التعامل الوثيق مع أمريكا، حيث شهدت العلاقات بين البلدين فترة من الركود ما بين عامي 2003 و2008، بعد رفض الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، غزو الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، للعراق، وبعد تولي الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، انتهى شهر العسل سريعًا بينه وبين الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولاس ساركوزي، عندما فضّلت أمريكاألمانيا على فرنسا، معتبرة إياها الجهة الرسمية المسؤولة عن التحدث عن الجانب الأوروبي، الأمر الذي يُلقي على عاتق كلا الرئيسين الحاليين مسؤولية كبيرة في عودة العلاقات بين بلديهما إلى ما كانت عليه.