كسيرة جُلِّ سلاطين بني عثمان كانت سيرة معظم ولاتهم على مصر ..سلب ونهب وسفك للدماء بلا وازع من دين أو ضمير، كان أول ولاتهم على مصر هو خاير بيك، أو كما أسماه المصريون آنذاك "خائن بيك" الذي كان نائبا على حلب من قبل المماليك، واستطاع سليم الأول استمالته وشراءه، هو ونائب حماة جان بردي الغزالي، بعد أن وعد سليم خاير بك بولاية مصر والغزالي بولاية الشام، ويذكر عمر الإسكندري أن سليم عين أكبر وزرائه "يونس باشا" واليا على مصر طوال فترة إقامته فيها، والتي امتدت لعدة أشهر، ثم اصطحبه عند عودته، وخلَّف خاير بك مكانه. بقي خاير بك في الولاية خمس سنوات، أبغضه فيها الشعب كل البغض وعزفوا عن معاونته، فقرب إليه اليهود والقبط وأخذ يناصرهم؛ فكانوا أداته في القهر والبطش وجمع الضرائب، ويذكر المؤرخون أنه عندما مرض وأحس بدنو الأجل أفرغ سجون القاهرة ممن كان قد اعتقلهم، وأنفق المال على أصحاب الحاجات والمدارس الدينية؛ لكن الأجل المحتوم كان أسرع إليه فمات ودفن بمسجده قرب باب الوزير. ويُذكر أن اللصوص والسرَّاق قد كثر عددهم واستفحل خطرهم حتى صارت القاهرة مرتعا لجرائمهم، وكان ذلك في فترة ولاية حسين باشا الذي عرف بالفساد والرشوة، وكان مسلكه هذا من أهم عوامل انتشار التشكيلات العصابية في البلاد، إذ كان يتلقى المال في مقابل الإفراج عن اللصوص، فلما كان العام1574، عزله السلطان وأرسل إلى القاهرة واليا يدعى مسيح محمد باشا الخادم، وكان دمويا لا يقبل شفاعة أحد فيمن اتهم، فدامت ولايته خمس سنوات وخمسة أشهر أعاد فيها الأمن للبلاد لكنه قتل من اللصوص والأشقياء وغيرهم ما يربو على العشرة آلاف، ومما يذكر له أنه كان مريدا للشيخ نور الدين القرافي الذي بنى له مسجدا وجعله وقفا عليه ولأبنائه من بعده كما خصص له راتبا سنويا، وما يزال مسجده قائما إلى يومنا هذا بشارع صالح بحي السيدة عائشة بشرق القاهرة، ويطلق عليه العامة مسجد المسيحية! بائع السيوف في سوق السلاح بالقاهرة أعقب مسيح باشا في الولاية رجل من أفسد الولاة وأكثرهم قبولا للرشوة والهدايا هو حسن باشا الخادم خازندار السلطان مراد الثالث، فكانت ولايته ثلاث سنوات إلا شهرين دأب فيها على اختلاس الأموال والغلال وكل ما طالته يداه، فلما عُزل هرب من القاهرة ليلا خوفا من انتقام الناس، لكن خلفه إبراهيم باشا شكّل لجان جرد وتحقيق في المظالم والشكايات المقدمة ضده، واستطاع أن يثبت عليه جريمة اختلاس 1004 أردب قمح بيعت في الأسواق لحسابه، واستولى على ثمنها، فأرسل تقريرا مفصلا مدعوما بالأدلة يحوي المخالفات إلى السلطان الذي أمر بإلقاء القبض على حسن باشا، وإعدامه شنقا. في العام 1622، ولي مصر رجل يدعى قُرَّة مصطفى باشا فسار أول ولايته سيرة حسنة وأظهر البأس للخارجين عن النظام كما تولّى أمر القضاء في الجنايات بنفسه، لكن السلطان مراد الرابع عزله بعد عام، وأرسل آخر يدعى علي باشا الجِشْنَجِي الذي أخر أعطيات الجند؛ فوثبوا عليه وعزلوه، وأعادوه إلى الأستانة، وطالبوا بتولية قُرَّة مصطفى باشا مجددا؛ فأجابهم السلطان إلى طلبهم وأعاده؛ لكنه لم يعد سيرته الأولى، فلقد استغل ظهور الوباء في البلاد ليستولي على كل ما يتركه المتوفون من أموال ومتاع يغتصبه اغتصابا؛ حتى كثرت بحقه الشكايات؛ فعزله السلطان واستدعي إلى القسطنطينية وضربت عنقه. ويورد جورجي زيدان في كتابه مصر العثمانية خبر سيطرة اللصوص وقطاع الطرق على القاهرة، مجددا عام 1564، بعد تولي علي باشا الصوفي الذي كان حاكما على بغداد وعرف بمجانبة الحق وزيغ الحكم والخيانة، وكان توغل تلك العصابات في المدينة حتى منطقة الجامع الأبيض، فاضطرت الحكومة لبناء سور من قنطرة الحاجب حتى الجامع منعا لتقدمهم. لوحة تصور جانبا من الحياة الاجتماعية في مصر العثمانية للفنان الهولندي يوهانس فيرمير وتبع هذا الخائن والٍ يدعى محمود باشا، وهو آخر ولاة مصر في عهد السلطان سليمان الملقب بالقانوني، ويروى أنه حضر من الأستانة بموكب عظيم إلى ميناء الإسكندرية، وقد جمع هدايا عظيمة وهو في طريقه إلى القاهرة، فلما وصلها وجد الأمير محمد الدفتردار متولي الصعيد في انتظاره، وقد حمل معه في قارب نفائس من صنوف شتى قدمها إلى الوالي الجديد مع خمسين ألف دينار، فما كان من الوالي محمود باشا إلا أن أمر بقتله خنقا عند خروجه من مجلسه، كما أمر بقتل القاضي يوسف العبادي خنقا لأنه لم يخرج للقائه وتقديم الهدايا له، وفي العام التالي لولايته توفي أمير الحج الأمير إبراهيم الدفتردار؛ فاستولى الوالي على تركته من مماليك وجواري ومبلغ من المال تجاوز المئة ألف دينار، وروي أنه كان يخرج إلى شوارع القاهرة رفقة رئيس الجلادين فإذا أشار إلى شخص سارع الجلاد بإزهاق روحه فورا؛ حتى قيل أنه قتل غالبية أعيان القاهرة.. وكان هذا الوالي يرسل بالهدايا الثمينة إلى رجال الدولة في الأستانة استرضاء لهم؛ حتى يبقى في مصر لأطول فترة إلا أن القدر لم يمهله إذ استطاع أحد الناقمين عليه، اغتياله أثناء مرور موكبه الاعتيادي بمنطقة البساتين، ولم يحقق في الأمر بشكل جدي فلم تعرف هوية قاتله.. وتبعه سنان باشا قادما من باشوية حلب، وهو صاحب المسجد الشهير ببولاق. ثم كانت ولاية موسى باشا في نحو عام1634، فسار في الناس أول أيامه بالسوية، ثم انقلب لصا جشعا لا يشبع من النهب والسلب والاختلاس، وقاتلا سفاكا للدماء فقتل عددا كبيرا من أكبر رجال مصر، وترصد الأغنياء تحينا لفرصة سلبهم؛ وبلغ به التهور أنه اختلس أموال حملة أمره السلطان بتجهيزها من جند مصر لمحاربة الفرس؛ فلما جمعت الأموال عن طريق فرض ضرائب فاحشة تحت مسمى إعانة حربية، وكان قيطاس بك قائد الحملة هو من تولى أمر جمع المال- دفعت الأموال إلى موسى باشا فاختلسها وأرسل إلى السلطان رسالة يبلغه فيها أن مصر لن تستطيع تجريد تلك الحملة لضعف ماليتها، ونصحه قيطاس بالعدول عن الأمر وتجريد الحملة؛ لكنه لم ينتصح بل تآمر عليه وقتله. علماء الأزهر وقضاة المذاهب الاربعة شاركوا في عزل موسى باشا فاجتمع السناجق والأمراء والقضاة وكبار الموظفين وكبار علماء الأزهر الشريف- في مسجد السلطان حسن، وأقروا عزل موسى باشا، وأرسلوا برسالتين إلى السلطان الأولى بالتركية وقع عليها السناجق والأغوات وكبار الضباط، والأخرى بالعربية وقع عليها القضاة وكبار العلماء؛ فأجابهم السلطان إلى ما طلبوا وأرسل لهم واليا جديدا يدعى خليل باشا استقال بعد عامين فقط، وكانت الأمور قد تحسنت خلالهما على نحو ما. هذا غيض من فيض وقليل من كثير فما ارتكبه ولاة بني عثمان في مصر من مخازٍ وفظائع يجل عن الحصر، وما كانوا فيما فعلوا بدعا من ولاة بني عثمان في بقية الأقطار والأمصار، لكن الدولة التي تأسست على العدوان والغدر واجتياح البلاد الآمنة، ومنها بعض ديار الإسلام، ما كان يرجى الخير منها أبدا، فكما هو معروف فقد كان ديدن سلاطين بني عثمان سفك الدماء حتى دماء أقرب الأقربين من الأبناء والأخوة، فلا يزعمن زاعم أنهم كانوا عدولا أو أنهم ساروا في الناس بما يرضى الله، فالتاريخ يشهد أنهم لم يرعوا حرمة الدم في الأقربين وهم أولى بالمعروف كما جاء في الكتاب الكريم؛ فكيف بما فعلوه في البلدان التي استباحوها؟ لقد أعملوا السيف في الرقاب، والنهب في الأموال والممتلكات، والهتك في الأعراض فما ردهم عن ذلك وازع من دين أو ضمير أو رحمة، ولما ولوا على الناس اختاروا شر الناس، ولم تكن هذه السيرة المشينة في صغار الولاة بل كانت فيمن وصلوا لأعلى المناصب في الدولة، فمنهم من تولى منصب الصدر الأعظم، فما أعجب أمر من يتباكون على هذه الدولة الظالمة! وما أغرب جهل من ظن يوما أنها دولة الخلافة الإسلامية!.