قبل أيام خرج آلاف المواطنين إلى شوارع وميادين العاصمة الكورية الجنوبية سيول على أنغام البوب، مطالبين بتنحي الرئيسة "بارك كون هيه"؛ بسبب استغلال النفوذ وتورط صديقتها تشوي في قضايا فساد، الأمر الذي أدى لإقالتها والتحقيق معها، فيما وصفته القوى السياسية المعارضة بالفضائح السياسية المسؤولة عنها. بدأ الأمر في الظهور عندما خرج الآلاف إلى الميادين في التاسع من نوفمبر الجاري، منادين باستقالة الرئيسة الفاسدة بحسب وصفهم، وأن «دولة ديمقراطية كدولتهم ترفض الفساد واستغلال النفوذ»، وأعقب هذا التحرك الشعبي لأول مرة في تاريخ كوريا الجنوبية إعلان النيابة العامة في سيول أنها ستخضع الرئيسة المنتخبة للتحقيق، على خلفية هذه الاتهامات التي وراءها صديقتها المقربة. والاتهامات الموجهة ل«تشوي» تتعلق باستغلال علاقتها بالرئيسة بارك لممارسة نفوذها في شؤون الدولة وتسريب مستندات الرئاسة وتعيين كبار الموظفين الحكوميين وإجبار عدد من الشركات الكبرى على التبرع لصالح مؤسسات رياضية تستغل تشوي أموالها لأغراض شخصية، فيما حاصرت هذه الاتهامات إدارة بارك إثر الغضب الشعبي من نفوذ صديقتها التي طلبت الرئيسة منها النصح حول قضايا حكومية، على الرغم من أنها ليس لديها أي منصب رسمي. وبينما انتاب الشعب الكوري الجنوبي حالة من السخط الشديد بسبب هذه الاتهامات، كُشِفت أمور أخرى عن هذه القضية، فبعد اعتقال تشوي للاشتباه في أنها تتلاعب بالشركات للتبرع، من أجل ضخ 80 مليار وان (70 مليون دولار) لاثنتين من المؤسسات التي تسيطر عليها، أمر المدعي العام بحبس اثنين من المساعدين السابقين للرئيسة، واللذين يعتقد أنهما نقلا أسرار الدولة إليها، الأمر الذي ساعدها على جمع الأموال، كما داهمت النيابة مكاتب للشركة العملاقة سامسونج في كوريا الجنوبية، على خلفية تلك الفضيحة، ويشتبه أن سامسونج هي التي قامت بتمويل مؤسسات تشوي. واعترفت بارك ب«خطورة الوضع»، لكنها قالت إنها ستواصل «إنجاز واجباتها كرئيس للبلاد»، رغم أن الأرقام واستطلاعات الرأي أصبحت تؤكد أنها الرئيس الأقل شعبية في تاريخ هذه الدولة، إذ أصبحت نسبة مؤيديها أقل من 5%، وتصل هذه النسبة إلى صفر بين شريحة الشباب، الذي كان يترأس مظاهرات عدة، خاصة التي احتشد فيها نحو مليون شخص في العاصمة سيول، في 12 نوفمبر الجاري، والتي اعتبرت أكبر تظاهرة تحدث في العاصمة منذ عام 1987، عندما حدثت احتجاجات كبيرة ضد الحكم العسكري، والتي أدت إلى أول حكم ديمقراطي انتخابي في البلاد. وبينما قدمت بارك، التي بقي 15 شهرًا على نهاية فترة حكمها، البالغة خمس سنوات، اعتذارها مرتين للأمة، وقبلت التحقيق في تصرفاتها، لم تُرضِ هذه الجهود الشعب والمعارضة لتخفيف حدة التوتر في البلاد، فعمدت إلى طرد مساعدين لها، وفي لفتة أخرى لإرضاء المعارضة، قامت بتعيين رئيس حكومة جديد، كان يعمل لدى رئيس الدولة السابق الليبرالي روه مون – هايون، لكن البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة رفض قبوله، واضطرت بارك إلى إلغاء تعيينه، وتركت البرلمان يختار بديلًا عنه. وعلى واقع تزايد دعوات المطالبة برحيل بارك، وتجدد الاحتجاجات أكثر من مرة في البلاد، استغلت المعارضة هذا الأمر، وعقد عدد من أعضاء البرلمان من حزب رئيس الجمهورية «سائنوري» المعارض اجتماعًا طارئًا لمناقشة رحيل الرئيس بارك، وتعهد مون جاي – مرشح «الحزب الديمقراطي المتحد والرئيس السابق لحزب المعارضة الرئيسي «مينجو»، والذي يأمل في أن يصبح رئيسًا للجمهورية، بالبدء «بحركة على مستوى الدولة، تهدف لطرد الرئيسة بارك من المنصب»، واتفق الحزبان – إضافة إلى مجموعة صغيرة في المعارضة – على إجراء تحقيق من قِبَل جهة مستقلة؛ للوقوف على الادعاءات بارتكاب تشوي أخطاء، بالتوازي مع التي تحقيقات المدعي العام. وفي الوقت الذي تستغل فيه المعارضة هذا الحادث لاكتساب نفوذ سياسي على الأرض، اتهمت السلطات الكورية الجنوبية جارتها الشمالية بأنها تحاول إثارة الاضطرابات الداخلية في البلاد وزعزعة الثقة بالحكومة الكورية الجنوبية، من خلال استغلال الفضيحة التي تورطت فيها صديقة الرئيسة الكورية، وقالت وزارة الوحدة الجنوبية إن كوريا الشمالية تحاول تحريض الرأي العام ضد الحكومة الجنوبية، وذلك انطلاقًا من اعتقادها بأن إثارة الأوضاع الداخلية في الجنوب مفيدة لها. وتربط حكومة كوريا الجنوبية بالولايات المتحدةالأمريكية علاقات وطيدة، حيث تثير التطورات الأخيرة في كوريا الجنوبية القلق بشأن تحول ما قد يحدث في هذا البلد الحليف والصديق لواشنطن، والذي يتمركز فيه أكثر من 28 ألف جندي أمريكي لمواجهة تهديدات كوريا الشمالية، وهو ما جعل اسم الأمين العام للأمم المتحدة الكوري الجنوبي بان كي مون يطرح كثيرًا في الفترة الأخيرة في الأوساط الأمريكية الداخلية لخلافة بارك إذا ما أنتهت التحقيقات بإدانتها. وبقول مراقبون إن المعارضة الكورية الجنوبية ليس لديها مرشح قوى للرئاسة، فإذا استقالت بارك أو تمت إقالتها، يتعين أن يتم انتخاب خليفتها في غضون شهرين، وعلى الرغم من أن نسبة تأييد الرئيس وصلت إلى الحضيض، إلا أن ذلك لم يشكل أي مكتسبات للأحزاب المعارضة، وليس هناك أي مرشح يحظى بالإجماع. يقول الخبير الأمريكي في الشؤون الخارجية أندرس كور إن الأمين العام للأمم المتحدة المنتهية ولايته بنهاية هذا العام بان كي مون يمكن أن يكون رئيسًا جيدًا لكوريا الجنوبية، مشيرًا إلى أن بان يعتبر مرشحًا رئاسيًّا في بلده، لما يملكه من خبرات دولية واسعة وقدرات في الإنجاز، اكتسبها خلال توليه زمام الأمور في الأممالمتحدة لفترة 10 سنوات.