تصور أن المصريين أكلوا مقرمشات مملحة وحلوي وتسالي بقيمة 8 مليارات جنيه عام 1102 وأنهم استوردوا في نفس العام طعاما معلبا للقطط والكلاب بأكثر من 082 مليون جنيه وأجبان وزبد من فرنسا والدنمارك ب 069 مليون جنيه . وطبعا أنا لا أريد أن استفز مشاعرك وأوجع قلبك بقائمة ما يستورده المصريون من سلع كمالية واستفزازية في عام الثورة المصرية لأنك ستشعر عند قراءتها أنك في مجتمع مخملي ينعم بالرخاء والرفاهية! وقد تتساءل هل يمكن لقوائم استيراد سلع من هذا النوع أن تتم في بلد قامت فيه ثورة كبري أطاحت برأس النظام وارادت تصحيح الاوضاع وتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء علي الفساد؟ الأمر المؤكد أنك ستشعر بالدهشة من هذا السرف في الاستيراد لكل ما هو ضروري وغير ضروري لأن هناك شرائح وفئات عديدة في المجتمع لم يحدث في حياتها أي تغير. فما كانت تحظي به وتعيشه قبل الثورة ظل كما هو بعدها.. وفي الوقت النهائي الذي عاني الناس فيه من التوقفات والاحتجاجات والاعتصامات أملا في تصحيح أوضاعهم المعيشية أو زيادة رواتبهم ومعاشاتهم جنيهات قليلة تساعدهم في تلبية مطالبهم كان هناك في نفس اللحظة آخرون لم تؤثر الثورة في حياتهم علي الاطلاق ظلوا يعيشيون علي نفس المستوي إن لم يكن أفضل في طعامهم وشرابهم واسلوب حياتهم ورفاهية عيشتهم. وربما كان لتلبية مطالب هذه الفئة أولوية راعاتها الدولة عندما سمحت للمستوردين الكبار بالوفاء بها.. فلم يحرموهم من طعام كلابهم وقططهم ولم يضنوا عليهم بالمشروبات الكحولية والكافيار والمقرمشات وانواع الاجبان والعطور والملابس التي قد يغمي عليك بصدق عندما تري أرقام أسعارها المكونة من اربعة أرقام!!.. وهكذا نعيش حالة فريدة من التناقض يشبه كثيرا ما كانت عليه مصر في عهد الملكية والذي بسببه قامت ثورة 32 يوليو. والذي بسببه ايضا قامت ثورة 52 يناير!! الفارق بين الثورتين أن الاولي نجحت علي الفور في تحقيق قدر كبير من العدالة الاجتماعية عندما أعطت الفقراء من اموال واراضي الاقطاع والرأسماليين ووفرت لابناء الفقراء بعض ما كان حكرا علي ابناء الاغنياء فقط في الوظائف والتعليم. أما الثورة الثانية فلم تستطع ان تنجز علي الارض مايجعل الناس يشعرون بالتغيير.. وليس في الأمر غموض فالثورة الاولي أمسكت بلجام الأمور وقامت بتوجيهها حيث شاءت، أما الثانية فظلت تحارب كل يوم لتحقيق الاصلاح دون جدوي.. وبقي رجالها وشبابها في التحرير يستهلكون حناجرهم حينا ويبذلون دماءهم احيانا علي أمل تحقيق مطالبهم ايضا دون جدوي!! وفي ختام عام من الثورة انظر الي قائمة الواردات لتعرف حجم الانجازات وزاوية التحول.. وستصعق أن الفارق في ارقام عامين قبل وبعد الثورة لا يصب أبدا في مصلحة الثورة أو التغيير. وإمعانا في المسألة خرج علينا السيد ممتاز السعيد وزير المالية بمجموعة قرارات قال عنها إنها قرارات لفرض التقشف علي الحكومة ووقف إنفاق المال العام في أمور ترفيه أو كمالية.. وتتعجب كيف لم يحدث هذا التوجه مبكرا.. ولكن ليس هذا هو الأهم.. فقد جاءت قرارات »شد الحزام« هزيلة ضعيفة باهتة.. لاتغني ولاتسمن من جوع وهي عبارة عن تخفيض المكافآت التي يحصل عليها العاملون بنسبة 3٪ ومطالبات للهيئات الاقتصادية بتوريد ما تتحصل عليه من موارد سيادية الي الخزينة العامة أولا بأول.. وأشياء أخري غير جادة لاتكاد تهم احدا كلها جاءت تحت عنوان التقشف وشد الحزام.. وتتساءل هل هذا ما قدرت عليه الدولة في مثل هذه الظروف العصيبة؟ لماذا لا تفرض الحكومة ضرائب علي السلع الرفاهية والاستفزازية؟ ولماذا لا توقف مؤقتا استيراد كماليات تستنزف موارد الدولة من السيارات الفاخرة والاثاث .