بين الحين والحين تظهر تصريحات رسمية أو شبه رسمية، تتحدث عن منع وتجريم استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات المقبلة، ومع الأسف فإن بعض المسئولين في بلادنا لم يدركوا حتي الآن أن النظام البائد قد رحل إلي غير رجعة، بما غرسه في الأذهان والعقول من عبارات مشوهة ومعان فاسدة، واستبداد وتسلط، ولا يزال هذا الفريق يتصرف وفق هذا الميراث اللعين من مخلفات القهر. ماذا يعني هؤلاء بالضبط من تعبير "حظر الشعارات الدينية"؟ هل المقصود عدم السماح باستخدام آيات قرآنية في المؤتمرات ولافتات الدعاية، مثل: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله"، و"كونوا أنصار الله"، و"إن تنصروا الله ينصركم"، و"وما النصر إلا من عند الله"، أو الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلي نبل المقاصد ومكارم الأخلاق؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن يجرؤ أحد علي القول بهذا، في بلد نشأ علي حب القرآن الكريم والسنة المطهرة؟ أم أن المقصود شعارات أخري موجودة في الساحة منذ أكثر من ربع قرن، مثل "الإسلام هو الحل" و"تعالوا نصلح الدنيا بالدين" و"الإسلام دين الحرية والعدالة" وغيرها من شعارات، حكم القضاء النزيه بعدم مخالفتها للقانون والدستور؟ فهل من المقبول والمعقول مثلا أن نجد شعارا يقول إن "العلمانية هي الحل" أو "الليبرالية هي الحل"، أو "الشيوعية هي الحل" وغيرها، دون أن يكون عليه أدني حرج، في حين يعاقب من يقول إن "الإسلام هو الحل" أو كونوا أنصار الله"؟! إن سلوك الناخب المصري واضح منذ عرف الانتخابات، وهو سلوك لا ينبني أساسا علي شعارات ترفع، بل علي معرفة واضحة بشخص المترشح وسلوكه وتاريخه وأعماله وربما بعائلته، والذين يتصورون أن الإسلاميين يفوزون بالمقاعد النيابية لمجرد أنهم يستخدمون الشعارات الدينية "البراقة"، هؤلاء يخدعون أنفسهم ويدارون فشلهم، لأن الإسلاميين إنما يعيشون وسط الناس، ويعرفون مشاكلهم ومتاعبهم ويساهمون في إيجاد الحلول لها، وبالتالي فهم معروفون ومحبوبون. ثم إن استخدام الشعارات والآيات القرآنية والمعاني الدينية، والعبارات التي تكشف عن منهج صاحبها في العمل العام، متاح لجميع المتنافسين، ولا يملك أحد أن يحتكر ذلك أو يمنعه عن غيره، سواء تم استخدامها بالحق أو بالباطل، حتي إن رموز الفساد والاستبداد والظلم، من قيادات الحزب الوطني المنحل، كانت غالبا ما تستخدم الآيات القرآنية والعبارات الدينية في لافتاتها، في محاولة للضحك علي الشعب، فهل كان الناخب المصري سهل الخداع في أي وقت إلي هذه الدرجة؟ لا أعتقد أن أحدا منا يختلف علي ضرورة منع الشعارات الطائفية أو العرقية، التي تفرق بين أبناء الوطن الواحد، وتوغر الصدور والنفوس، وتسعي إلي إحداث الفتنة، وتتساوق مع المؤامرات الخارجية لإضعاف الأمة وإرباك الوطن، ولكن في نفس الوقت ينبغي التعامل مع العملية الانتخابية المقبلة برؤية جديدة، ومناخ صحي يليق بشعب مصر الحر، وحقه الطبيعي في أن يمارس حريته واختياره الذي انتظره طويلا، وأن يشعر بكرامته التي دفع من أجلها الكثير والكثير. أيها السادة .. لا تتعاملوا بنفس الروح والأسلوب والطريقة، التي ثار عليها الشعب المصري في يناير الماضي، ولا تنساقوا أو تستجيبوا للضغوط التي تمارسها طائفة من العلمانيين واليساريين والليبراليين الفاشلين، الذين يريدون أن يتصدروا المشهد السياسي، دون أن يبذلوا جهدا في الوصول إلي الناس والتأثير فيهم وقيادتهم طواعية، بعد أن اعتادوا قيادتهم قهرا واستعلاء واستبدادا وظلما، واتركوا الحرية للشعب المصري كي يختار من يري أنه الأصلح والأجدر، بدون وصاية من أحد.