• نحن في حرب لا يمكن أن تنتهي إلا باجتثاث هذا الوباء من أرضنا، وجعل كل من يدعمه يعرف أنه سيدفع الثمن غالياً ومضاعفاً. • يتوقف القلم عن الكتابة، ويتوقف التفكير إلا في سؤال واحد: من أين جاء هؤلاء بكل هذا الانحطاط؟!.. ساعات من المتابعة لما حدث والترقب لما سيحدث. لم يكن الحدث مفاجئا ولا غيره من الأحداث الإرهابية. نحن في حرب لا يمكن أن تنتهي إلا باجتثاث هذا الوباء من أرضنا، وجعل كل من يدعمه يعرف أنه سيدفع الثمن غالياً ومضاعفاً. مرة أخري يتأكد أن الإرهاب بقدر انحطاطه بقدر غبائه!! يتصورون أن جرحا »ولو أدمي قلوبنا» يمكن أن يهزم إرادتنا!! ويتوهمون أن ما فشل فيه كل أعداء الأمة علي مدي العصور، يستطيعون هم تحقيقه بضرب الوحدة الوطنية التي كانت وستظل سياج مصر ضد كل متآمر أو خائن للوطن والدين!! يأتينا الحزن زائرا، لكنه الحزن النبيل الذي يرافقه بركان الغضب الذي لا يهدأ إلا بالقصاص، ولا يرتاح إلا إذا عاد الأمان يظلل كل شبر في أرض الأمان ونبع السلام. يتصور الإرهاب المنحط أنه كلما أوغل في انحطاطه، فإنه سيثير الفزع ويبث الرعب في القلوب. منحطون وأغبياء.. لا يعرفون أنهم لا يفعلون شيئا إلا أن يؤكدوا انهم ليسوا نبت هذا الوطن، وليسوا أبناء هذا الدين الذي جاء هدي للناس ورحمة. منحطون وأغبياء.. لا يدركون أنهم في وطن يعرف كيف يكفن الشهداء ثم يطلب الثأر حتي يتحقق، ويقاتل »وهو يبني» حتي يأتي النصر الذي وعد به المؤمنون بالله وبوطنهم، وحتي تتطهر الأرض من رجس الإرهاب، وحتي يدفع كل مجرم اعتدي أو قتل أو قدم الدعم ليغتال أطفالنا.. الثمن كاملا، ولو كان في قصور مشيدة، أو تحت حراسة عسكرية أجنبية يتصور أنها ستحميه!! مع ساعات الليل الأولي كان الإعلان عن الضربات الرادعة لمعسكرات الإرهاب في ليبيا. وكان تأكيد رئيس مصر بأن يد مصر ستنال من كل من يريد لها الشر في أي مكان. وكان التأكيد علي أنه لا تصالح مع الإرهاب أو من يدعمونه. الآن.. يعرفون مدي جدية ما قالته مصر عن حتمية معاقبة الدول الراعية للإرهاب وتصفية من يوفرون الملاذات الآمنة لعصابات القتل المنحطة التي تدعي زورا وبهتانا انتسابها للدين الحنيف. الآن.. يعرف الجميع أننا لن نترك رءوس الأفاعي تدبر وتخطط وتمول وترعي من يقتلون أطفالنا، وأن الرد لن يتأخر، وأن عقابنا لن يستثني أحدا من المجرمين، ولن تأخذه الرحمة بأحد منهم. المجد للشهداء.. والعزة لوطن يعرف أن وحدته هي طريق انتصاره. وأن انتصاره هو ضرورة حياة. وأن حياته لا تكتمل إلا باجتثاث هذا الوباء، وبانحيازه لكل ما هو جميل وحق وخير.. كما كان الأمر دائما حين تقهر مصر كل التحديات، وتبني -بالدم والعرق، وبالعدل والحرية- أجمل الأوطان. سلمت مصر، والمجد للشهداء.. ولمن يثأر لهم وللوطن.
ع الأصل دوّر!! لا أظن أن جيلا سعد بالقاهرة وسحرها كما حدث مع جيلنا. جئنا إليها وهي في عز شموخها وفي أوج بهائها. كانت ثورة يوليو قد فتحت الباب أمامنا لكي نكون عماد أعظم طبقة وسطي تكونت في تاريخ مصر وصنعت نهضتها. جاء أبناء الفلاحين والعمال مع أبناء المستورين والقادرين، ليقتحموا عالما جديدا مع جامعات تقدم أرقي مستوي من التعليم، ولكي يكونوا بعد ذلك أساس نهضة قادت مصر والعالم العربي كله إلي عالم جديد من التحرر والاستقلال وبناء الدولة الحديثة. كم كانت القاهرة جميلة وهي تستقبلنا. نعرف في البداية الحيز المحدود ما بين الجامعة والسكن القريب، ثم وسط المدينة الذي لم يكن غريبا علي مثلي القادم من مدينة مثل بورسعيد تعرف نفس الجمال، ونفس التعايش بين الحضارات. كان وسط المدينة في البداية -بالنسبة لنا- هو دارين أو ثلاثة من دور السينما الفاخرة، وبعض مطاعم الوجبات السريعة بعد مشاهدة الأفلام، وبعض المتاجر التي كان جزء معتبر منها مازال مملوكا للأجانب. بعد فترة وجيزة اتسعت مساحة الرؤية بالنسبة لنا. وكشفت القاهرة لنا عن سحر ليلها وبهاء فجرها وعطر الفن والثقافة الذي تغتسل به كل يوم وهي لا تتوقف عن الابداع ولا عن معانقة الجمال. كانت القاهرة -بكل سحرها- تبوح بأسرارها لهذا الجيل الطموح، وكانت تبدو وكأنها تريد تعويض المصريين عن سنوات طويلة من الحرمان، كان فيها كل شيء جميل في يد الأجانب أو السماسرة والأتباع العاملين في خدمتهم!! أصبح من حق أبناء الفلاحين والعمال وقد ارتقوا بالتعليم والثقافة، أن يكونوا السادة في وطن جديد تنفجر كل طاقات الابداع لديه. لم يكن الزحام قد أصبح خطرا، ولم يكن التدني في الثقافة والفنون قد ساد.. العكس كان الصحيح. نهار القاهرة كان عملا لا يتوقف. وليلها كان سحرا مع أوبرا ومسارح تقدم أعظم ما أبدعته الحركة المسرحية المصرية في تاريخها، ومع سينما مذهلة، ومع ندوات لا تتوقف وحوارات لا تنتهي بين المثقفين، ومع غناء هو الأرقي وموسيقي هي الأجمل، ونيل يحتضن هذا كله ويعد بالأفضل!! في رمضان كان المشهد يتغير. لم يكن هناك هذا الصخب التليفزيوني. كان التليفزيون يقدم القليل من الدراما بعد البرامج الدينية والقرآن الكريم بالطبع. وكانت التسلية مع مسلسل كوميدي ثم مع الفوازير بعد ذلك بسنوات. وكانت الاذاعة مازالت حاضرة بقوة. وكان العمل لا يتيح لنا متابعة معظم هذا الانتاج الفني التليفزيوني. ولكنه كان يتيح لنا أن نكون يوميا في ضيافة الحسين. نذهب إلي الحي الشهير في منتصف الليل لنعيش في ظل جو رائع حتي صلاة الفجر. وكان الحي الشهير يتحول إلي ساحة للفنون الشعبية التي تبدأ في العمل بعد العشاء وتستمر حتي الصباح. كان نجوم الغناء الشعبي يتنافسون علي تقديم الأجمل. وكان لكل منهم لونه ومذاقه الفني. كان عمنا الكاتب الكبير زكريا الحجاوي يحشد نجوم الغناء الشعبي وعلي رأسهم المطربة »خضرة» ليقدموا ألوان الغناء الشعبي كما هو، لتكون أمام لوحة لغناء الصعايدة والبحاروة وكل الأقاليم بخصائصها المحلية. وكان في كل عام يفاجئنا بالجديد الذي يأتي به من قرية بالصعيد أو من بدو سيناء أو مطروح ليضيف شيئا إلي لوحة الغناء الشعبي. في باقي السرادقات المنتشرة في ليالي الحسين الرمضانية كان باقي النجوم يتنافسون. كان المطرب محمد طه يقدم اللون الذي اشتهر به. كان صوتا جميلا لا تمل سماعه، لكن المشكلة عنده كانت في قلة التجديد فيما يقدمه. وكأنه متمسك باللازمة التي لم تفارقه »ع الأصل دور»!! النجم الآخر كان »أبودراع».. فنان جميل كان قد تعرض لحادث قطعت فيه ذراعه، لكنه لم يمنعه من مواصلة الطريق ليصبح واحدا من أشهر نجوم الغناء الشعبي. كان يتمتع بالذكاء الفني وبالقدرة علي مواكبة الأحداث مع سرعة البديهة. وكان ذلك يؤهله ليكون نجم حفلات الترفيه لجنود الجيش، حيث يحلق بهم بمواويله الوطنية بادئا بمواله الشهير الذي يقول فيه: وياريتني بدراع سليمة علشان ياخدوني في الجيش كنا نداعبه في ليالي رمضان، ونطلب منه التأليف الفوري علي قوافي صعبة، وكانت سرعة بديهته تسعفه دائما، حتي حين طلبنا منه موالا علي اسم الكاتب الصحفي وشاعر الأغنية الراحل إسماعيل الحبروك. كان الموال بعد ثوان جاهزا.. وكان جميلا. أما »الريس حنفي»، فكان حكاية.. صوت في غاية العذوبة، ولهجة صعيدية محببة، وقدرة مذهلة علي الابداع الشعري الذي تمتزج فيه التلقائية مع الصنعة الشعرية. ومازلت حتي الآن استمتع بغنائه الجميل للملاحم الشعبية الطويلة التي كان يبدع فيها مثل الملحمة الشهيرة عن »شفيقة ومتولي» أو بمواويله الشجية علي وقع »اللازمة» الشهيرة له وهي »خدني معاك إذا كنت مسافر». كان مهرجانا حقيقيا للفرح لا ينتهي إلا قرب الفجر. تتناول السحور بأجمل فول وزبادي، ثم تعيش بعد ذلك مع أجمل الابتهالات بأروع الأصوات تمهيدا لصلاة الفجر في رحاب الحسين. وتستقبل يوما جديدا من رمضان الكريم وكأنك شربت نهرا من نور، وعشت سنوات من بهجة الدنيا والدين في قاهرة سيظل سحرها مقرونا علي الدوام بطعم الرحمة والمحبة وبنور الإيمان. مصر جميلة.. خليك فاكر!! • عندما أتأمل خريطة الإبداع الفني في رمضان أشعر بالأسي!! الجهد كله يتركز علي المسلسلات الدرامية التليفزيونية. ولا شك أنه أمر جيد أن يكون لدينا نهضة في هذا المجال، والأجمل أن يكون أكبر عدد منها علي مستوي عال، وهذا ما نتمناه. ولكني أتحدث عن الإبداع الفني الذي يتعلق بالشهر الكريم، وأقارن بما كنا نشاهده ونسمعه ونراه قبل نصف قرن، وفي ظل عهد كان المهاويس والمتآمرون والمتاجرون بالدين، يتهمونه بأنه يحارب الإسلام لأنه تصدي لهم، ولأنه كشف خداعهم، ولانه رفض أن يكون »الإخوان»، هم المتحكمون في المجتمع. فكان رد »الإخوان»، كعادتهم هو التآمر علي الدولة ومحاولة اغتيال عبدالناصر!! في تلك السنوات كانت دولة تلاوة القرآن في عز مجدها مع المقرئين العظام أمثال مصطفي إسماعيل وعبدالباسط والمنشاوي والبهتيمي والشعشاعي والحصري والبنا. وكانت دولة الانشاد الديني تزهو بأصوات الفشني والفيومي ثم نصر الدين طوبار والنقشبندي. وكانت إذاعة القرآن الكريم تبدأ ارسالها. وكانت المسلسلات الدينية والتاريخية بندا ثابتا في الإذاعة ثم التليفزيون في رمضان. وكانت أحاديث شلتوت والباقوري تضيء الدنيا بنور القرآن وسنة الرسول واجتهاد العلماء. وكان المشهد الرمضاني في مصر يكتمل بإبداع فني لا يتوقف، يتخذ من الشهر الكريم فرصة للاحتفاء بدنيا نعمرها لوجه الله والناس، وبدين نعرفه طريقا للمحبة والتسامح بين البشر أجمعين. ما كان أروعنا ونحن نبني السد ونقيم النهضة ونحارب لحمايتها، وفي نفس الوقت نغني للحب ونبتهج بالحياة. ثم يأتي رمضان فننشد مع مسحراتي الأمة فؤاد حداد بصوت سيد مكاوي: كل شبر وحتة من بلدي / حتة من كبدي حتة من موال!! وكان طبيعيا ونحن قد تحولنا في ذلك الوقت إلي مصنع للإبداع أن يأتي رمضان فتكون هناك عشرات الأغاني الجديدة التي تحتفي به. لم يكن لدينا قبل ذلك إلا أغنية أحمد عبدالقادر »وحوي يا وحوي»، وأغنية محمد عبدالمطلب من ألحان محمود الشريف »رمضان جانا». في بضع سنوات كان هناك من يغني »للتصنيع التقيل»، ولكل شئ جميل تبنيه مصر، وفي نفس الوقت كانوا هم أنفسهم يبدعون في التغني بالشهر الكريم، فتكون الحصيلة هذا الفيض من الألحان الرمضانية »بعضها للأسف الشديد لا يذاع لعدم الدراية بما لدي الإذاعة المصرية من كنوز!!» غني فريد الأطرش »هلت ليالي»، ونجاة الصغيرة »كريم يا شهر الصيام»، وعبدالعزيز محمود »وحب شهر الصوم»، ومحمد قنديل »والله بعودة»، وغني ثلاثي المسرح خمسة ألحان علي الأقل لرمضان »منها سبحة رمضان وأهو جه يا ولاد»، وفي وداع رمضان كانت أغنية شريفة فاضل »والله لسة بدري»، من ألحان عبدالعظيم محمود، وكانت أغنية كارم محمود التي لا أعرف لماذا لا تذاع »لا أوحش الرحمن منك».. وغيرها من الألحان التي تقول شيئا واحدا وهو إن هذا الشعب يعرف جيدا كيف يحتفي بالدنيا ويخلص للدين ويعشق الحياة ويغني لكل ما هو جميل فيها. علي مدي أربعين عاما اختفي كل إبداع حقيقي أو كاد»!!» من نجا حدث له ذلك بالصدفة. التراجع كان كارثيا في كل شيء. في القشرة الخارجية كانت هناك دولة للفساد وتقدم نفسها علي أنها سبيل الازدهار!! وكانت هناك جماعات تجار الدين تنشر التعصب وتشيع المظاهر الخادعة للتدين، بينما في القلب عداء لكل ما أمر به الدين من تسامح وحرية وعدالة!! لا أقف مع الذكريات شوقا لماض جميل فقط، ولكن تطلعا لمستقبل أفضل نستعيد فيه أجمل ما في مصر، ثم نمضي لنبني.. ولنحمي ما نبنيه. آخر اليوميات من القديم الجديد لمسحراتي مصر فؤاد حداد: صوموا وقولوا آمنا يا عباد الله كونوا قلوب مطمئنة يا عباد الله النصر فينا ومنا يا عباد الله رمضان كريم