القومي لذوي الإعاقة: لا مساس بحقوق الأشخاص ذوي الهمم.. ونعمل على حوكمة الدعم    دراسة: جفاف العين المتكرر قد يكون مؤشر لأمراض المناعة الذاتية    توقعات بتثبيت الفائدة باجتماع المركزي المقبل وخبير يكشف سيناريوهات الدولار والتضخم    قطع المياه عن بعض مناطق الجيزة بسبب تسريب فى خط رئيسى قطر 1000 مم    الجيش الإسرائيلي: نهاجم حاليا أهدافا للنظام الإيراني في أنحاء طهران    قادر على ضرب الأراضى الأمريكية، زعيم كوريا الشمالية يفاجئ العالم باختبار سلاح جديد ( صور)    كولومبيا ضد فرنسا.. الديوك تتقدم بهدفي دوى وتورام في الشوط الأول (فيديو)    منتخب فرنسا يتقدم على كولوميبا بثنائية في الشوط الأول    مارتن سكرتل: صلاح أحد أعظم لاعبي ليفربول    "خناقة الجيرة".. ضبط المتهم بالاعتداء بسلاح أبيض على جاره    المئات بالدقهلية يشيعون جثامين أسرة من 3 أفراد لقوا مصرعهم فى حادث غرق    مديرية التعليم بالقاهرة تعلن استئناف امتحانات شهر مارس غدا    سقوط علي عبد الونيس يفتح الصندوق الأسود.. 13 عاما من إرهاب الإخوان    حورية فرغلي تكشف حقيقة زواجها من خارج الوسط الفني    قصور الثقافة بأسيوط تحتفل بعيد الام    محمود عبد الراضي: الداخلية تصطاد "برنس" الاغتيالات وتكشف علاقته بهشام عشماوي    قطاع المعاهد: الأزهر يواجه تحديات العصر الرقمي بثوابت الشريعة والقانون    عبد اللطيف: الأبنية التعليمية وضعت نماذج قابلة للتنفيذ لإنهاء الفترة المسائية    انطلاق فعاليات الدورة ال15 لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    صندوق النقد يشيد بقدرة مصر على ضبط الإنفاق على الاستثمار العام    بث مباشر مشاهدة مباراة فرنسا وكولومبيا اليوم يلا شوت HD دون تقطيع    رئيس الوزراء يتابع توافر المستحضرات الدوائية والخامات الفعالة بالسوق المحلية    ملك الأردن ورئيس أوكرانيا يبحثان التطورات بالمنطقة    27 ألف بلاغ في عام واحد، إجراءات عاجلة من القومي للطفولة لمواجهة زواج الأطفال    «الصحة» تشغل المبنى الجديد بمستشفى صدر العباسية مزودًا بأحدث الأجهزة الطبية    "كاف" يعلن عن مواعيد مواجهات نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا    ماهر فرغلي ل الساعة 6: علي عبد الونيس من أخطر قيادات حسم الإرهابية    الصحة اللبنانية: 1238 قتيلا و3543 مصابًا حصيلة الهجمات الإسرائيلية    وزير الرياضة يلتقي وفد الاتحاد الدولي للريشة الطائرة    قطر تعلن إحباط هجوم "مسيرات" إيراني واسع النطاق    ضربة جديدة لإسبانيا.. إصابة زوبيمندي وغيابه عن مواجهة مصر    رئيس الوزراء: مخصصات كبيرة بموازنة العام المالي المقبل لتحسين خدمات الصحة    الداخلية: تحرير 918 مخالفة للمحلات والمنشآت غير الملتزمة بقرار الغلق    نائب وزير الصحة يكافئ فريق مستشفى الشيخ زايد التخصصي ويحيل إدارة زايد المركزي للتحقيق    الإفتاء تحدد الأحكام المترتبة عند حدوث مشكلة بسداد الديون عبر المحفظة الإلكترونية    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة المقبلة عن رعاية اليتيم وخطورة الشائعات    مجلس الجامعة العربية يوافق على ترشيح السفير نبيل فهمي أمينًا عاما لجامعة الدول العربية.. يتولى مهام منصبه رسميا في يونيو.. والاعتداءات الإيرانية تهيمن على المناقشات.. وأبو الغيط يدعو لموقف عربي موحد    إبراهيم عادل على رأس المطلوبين فى الأهلي بالميركاتو الصيفى    طائرات مسيرة توثق لأول مرة سلوك نطح حيتان العنبر لبعضها.. فيديو    دلالات القبض على "عبد الونيس" وانكشاف ميليشيات الإخوان    تحويلات مرورية لتنفيذ أعمال إنشائية خاصة بكوبري التسعين اتجاه مناطق السلام بالقاهرة    رسالة من الإرهابي علي عبدالونيس لابنه: إياك والانخراط في أي تنظيمات متطرفة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : كلنا نحتاج للتوبة!?    دعاء الفجر.. اللهم إنا نسألك فى فجر هذا اليوم أن تيسر أمورنا وتشرح صدورنا    مواعيد مباريات الأهلي فى مرحلة التتويج بالدوري المصري    قطار تالجو.. مواعيد الرحلات على خطوط السكة الحديد    "النواب" يوافق مبدئيا على تعديل قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية    حزب الله يوجه ضربة صاروخية مركزة لقاعدة عسكرية إسرائيلية في الجولان السوري المحتل    تعيين نقيب أطباء العريش السابق مساعدًا لرئيس حزب الوفد لشئون المناطق الحدودية    «الصحة»: إطلاق قوافل طبية مجانية بقنا وأسوان ضمن «حياة كريمة»    النائبة ريهام عبد النبي تتقدم ببيان عاجل: السياسة الاقتصادية أدت لموجة غلاء غير مسبوقة    الداخلية تكشف ملابسات ادعاء فتاة باقتحام مجهول مسكنها وتهديدها وتصويرها بدون ملابس في الجيزة    وزير الدفاع: الحفاظ على الكفاءة القتالية والاستعداد الدائم هو الضمان الحقيقي لتحقيق الأمن    كامل الوزير: اللي يقدر يثبت إني بجيب قرض أعمل به طريق أو ميناء هنرجع له الفلوس    إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربية    جثة معلقة داخل عشة الفراخ.. أزمة نفسية تكتب الفصل الأخير في حياة قاصر منشأة القناطر    مركب خوفو.. "قارب الشمس" يضيء المتحف الكبير    بدء العمل بالتوقيت الصيفي في معظم الدول الأوروبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



»الأخبار« تحاور المفگر والروائي د. يوسف زيدان صاحب »عزازيل« و»الأفعي«:
اللعب السياسي بالدين أمر خطير ولا أمل في مجتمع ينهار فيه التعليم
نشر في الأخبار يوم 20 - 04 - 2011

حين سألته : في أي عصر من التاريخ أنت تعيش؟ قال لي:»في العصر الآتي« فتعجبت مع أنه ينهل من الماضي لصالح الحاضر، وعينه ترنو إلي الإقلاع نحو المستقبل.
ولما بادرته بسؤالي عما يشهد المجتمع قال ثورة بكل معني الثورة ، والدليل أنه صار عندنا عشرات المشروعات القومية وعلينا العمل لإنجازها وأنها أحدثت انقلابا في السياسات الإعلامية والإعلام صار طرفا في النزاعات بل جعلته يعيد بناء كثير من تفاصيل روايته الجديدة (حاكم) التي تعكس أعماق (السلطة) التي صارت تشغل الآن الضمير المصري والعربي ومفهومها الإنساني الخطير.
ولحظة أن توالت تساؤلاتي.. لمست أنه يحدق في ثقافة الأسئلة، ويستخرج هو منها المعني المراوغ أحيانا، فأظفر أنا منه بأكثر من ومضة جوابية، هو يكتشف ذلك أحيانا أيضا ويراوغ إلا قليلا..وما أحلي مثل هذه المراوغات الحوارية.منذ توهجت كتاباته وهو يعد واحدا من أكثر المبدعين جدلا، سواء في رواياته التي تتداخل فيها الحقيقة التاريخية بالحقيقة الفنية، أم في ندوته الشهرية التي تشتعل حوارا في مياه »ساقية الصاوي« أم في مقالاته الجريئة التي تنتزع الأقنعة من الوجوه الملبدة بالمستور، أم في محاوراته الضوئية مع الآخر بعيدا عن الغضب اللفظي وإن اكتست بالغضب الموضوعي، وهو غضب فكري نبيل، صرنا نشتاق إليه الآن أكثر من أي وقت مضي.
ذلكم هو »د. يوسف زيدان« الذي:
يبرق معه - كمبدع - اسم »عزازيل« كعنوان روايته الشهيرة التي شغلت الناس، في مفرق جغرافيته الثقافية والإبداعية،التي يحلق فيها طائره الفكري بجناحيه التراثي والحديث، وما يصفق منها بالرواية والفلسفة والتصوف والتراث والتحقيق والمخطوطات. يعيش - دارسا - مع الرموز الثقافية العريقة مثل: ابن النفيس، ابن الهيثم، ابن رشد، ابن خلدون، جلال الدين الرومي، أبو العباس المرسي، الشُّشْتري، الحلاَّج، الجيلاني، وابن عربي وغيرهم، بقدر ما يعيش مع المعاصرين مثل: عبد الرحمن بدوي، زكي مبارك ،أحمد أمين، توفيق الحكيم، رفاعة الطهطاوي، والغيطاني وغيرهم. يحقق - كمثقف - المعادلات الصعبة بين أشواق شباب العصر وعذابات جيل اليوم في »ساقية الصاوي« وعمالقة الثقافة الإنسانية أصحاب كنوز التراث الفكري والسياسي والدبلوماسي منذ ألوف السنين، بين التراث والتكنولوجيا، وبين تحقيق المخطوطات وتقنيات النشر الالكتروني. وقد وضع كل ذلك في (65 كتابا) و(09 بحثا) و (11 دراسة) و(001 محاضرة) و(006 مقالة) ثمنتها عشرات الجوائز وشهادات التقدير من داخل مصر وخارجها، ونُشرت دراسات عديدة عن أعماله منها كتاب (عاشق المخطوطات ، دراسة في أعمال يوسف زيدان التراثية ) تأليف كرم أمين أبو كرم ، حاتم مصيلحي1002 كما تُرجمت بعض أعماله إلي لغات أجنبية.
من تجليات المشهد الراهن
بكل قسماتك العلمية وسماتك العملية، إبداعا وإنتاجا، وبمشروعك الفكري صياغة وصناعة.. كيف تري ما حدث في 52 يناير.. وكيف تصنفه ؟ ثورة.. انتفاضة .. فورة .. إصلاح ؟.
ثورة بالمعني الحقيقي، والأصيل، للثورة.
الثورة الرقمية، ثورة المعلومات، ثورة الاتصالات .. وغيرها ، إنما هي تعبيرات من قبيل (الابتذال التام) لأصل الكلمة.. سمعتك تقول ذلك ذات مرة ؟.
هي تعبيرات مجازية.. ونحن عموماً نستعمل لفظ (ثورة) بالمعني الاصطلاحي العام، ولكنها في أصل اللغة كلمة سلبية لا إيجابية! وقد شرحت ذلك في واحدة من مقالاتي.
ألمحت إلي أن أحداث 52 يناير وما تبعتها من إرهاصات لاحتجاجات في عدد من الدول العربية، أدت إلي إحراق روايتك الجديدة ، التي شرعت في كتابتها منذ شهور واخترت لها عنوان (الحاكم) هل من فكرة عن الرؤية التي تحكم هذه الرواية؟ وما معني أن الموقف وضعك في حيرة شديدة؟
دعني أوضح لك، أولاً، أمرين.. الأول أن الرواية عنوانها (حاكم) من دون الألف واللام، وهي تتمحور حول فكرة »السلطة« من خلال وجود إنساني، موازٍ، لحياة الخليفة الفاطمي الشهير (الحاكم بأمر الله) لكن الرواية لا تؤرِّخ له، ولا تحكي عنه، بقدر ما تهتم بالإنسان في هذه الفترة الزمنية المضطربة التي عصفت بمصر والمنطقة العربية في أواخر القرن الرابع الهجري، وبدايات القرن الخامس، الأمر الآخر الذي لا بد من إيضاحه، هو أن الذي نقلته عني الصحف تحت عنوان (إحراق الرواية) غير دقيق.. فقد كنتُ في ندوة ولقاء مع القراء في مكتبة »ديوان« بالزمالك، فسألتني إحدي الحاضرات عن روايتي الجديدة، وكيف أكتب في ظل الأحداث الجارية؟ فقلت ما معناه إن الثورة تجرفني وتستبق روايتي بإظهارٍ فعليٍّ لمجموعة الرؤي التي كنت بصدد طرحها عن طبيعة السلطة، ثم قلت مازحاً ما نصه: ما يحدث الآن كاشف جداً، حتي أنه (حرق الفيلم) مستعملاً التعبير العامي الشهير، المستعمل عند الإشارة إلي استباق أحدهم بالإخبار عن نهاية الفيلم السينمائي قبل أن يراه المشاهد. ومع ذلك، فرواية (حاكم) قد أثرت فيها أحداث الثورة العارمة، بشكل إيجابي. لأنها جعلتني أطوِّر كثيراً من الأفكار التي كنت قد انتهيت إليها عند وضع التصورات الأولي للرواية في نهاية العام الماضي، بعبارة أخري: جعلتني أعيد بناء كثير من التفاصيل المتعلقة بالخطاب الروائي العام، الذي يعكس أعماق (السلطة) ومفهومها الإنساني الخطير.. أما علي مستوي اللغة وأسلوب القص والأحداث الرئيسة، فهذه أمور لا دخل للوقائع الجارية بها.
اذا كان هذا التأثير عليك كمبدع، فهل يتشكل لدينا مشروع قومي نلتف حوله، هل التحولات التي نعيش إرهاصاتها يمكن أن تسفر عن هذا المشروع؟
لم يكن لدينا، لكن صارت أمامنا من بعد الثورة عشرات المشروعات القومية، الثقافية وغير الثقافية، وعلينا العمل لإنجازها.
المخلِّص الذي لا يخلِّص
في ضياء المشهد الراهن أسألك أيضا: فكرة المنقذ أو المخلِّص، تشغلك كأمل إنساني يراود معظم الجماعات المقهورة أو المعرضة للخطر أو التي تعاني من مشكلات كبري، إذا طال عليها الزمان وهي تعاني من ذلك، من دون أمل (فعلي) في إصلاح الأحوال، وفي المقابل من ذلك لا نجد في المجتمعات الغربية المتقدمة عموماً، حضوراً في أذهان الناس لفكرة المخلص؟
فكرة »المخلص« لا تناسب إلا البؤساء من الناس، وتتحدَّد مكانة (الجماعة) وتطورها، بحسب ابتعادها عن تلك الفكرة الخيالية التي ظهرت عند الجماعات المقهورة: قدماء اليهود، الشيعة الأوائل المقهورين، العرب المهزومين من إسرائيل (وينتظرون صلاح الدين الأيوبي، ومن كانوا معه من رجال، كي يحرروا لهم القدس).
المخلِّصون الآن في مصر كثر كما يتوهم الكثيرون مثل : البرادعي، عمرو موسي، الجماعات المسماة بالإسلامية، الطرق الصوفية، الإخوان المسلمون، فقهاء الفضائيات، قبائل الخبراء، قوافل المستشارين، الأحزاب، الائتلافات المتناثرة.. فماذا عن مرئياتك وقراءاتك؟.
هؤلاء هم قوي اجتماعية وأشخاص يلعبون أدواراً سياسية، ومن المخازي أن ننظر إليهم باعتبارهم المخلِّصين.. اللهم إلا إذا كان الأمر يسير علي النحو الذي ذكرته في مقالتي المنشورة قبل شهور تحت عنوان : المخلِّص الذي لا يخلِّص.
الروح الثوري واحد
وكيف تري الحركات الثورية الأولي في التاريخ العربي، كالمعتزلة والخوارج في ضوء الثورات الفكرية الحديثة؟
هذا موضوع يطول شرحه، ولكن باختصار: الروح الثوري واحدة، لكن الشكل الخارجي يختلف بحسب اختلاف (الإطار) الذي يضع الثائر نفسه فيه، والشعار الذي يرفعه: الإسلام هو الحل، الكنيسة هي الحل، الكنيست هو الحل .. أو: تحديد المشكلة قبل البحث عن حل، لا يوجد حل واحد وإنما عدة حلول، لا أمل في مجتمع ينهار فيه التعليم .. إلخ .
الفرعونية .. والهامانية .. والقارونية.. ثلاث ظواهر تساعد علي التآكل الذاتي لأية أمة وأي مجتمع.. أليس كذلك؟
بلي .. ولكنهم يمثلون ظاهرة واحدة، وإطاراً واحداً (نظاماً) للسلطة!
هل المجتمع المصري والعربي بشكل عام مؤهل لحالة الجدال الثقافي الديني ، في ظلال الموجات المتلاحقة للتيارات الدينية إسلامية ومسيحية التي ستغمر المجتمع ؟ وماذا عن الازدواجية المقيتة التي يتعامل بها الجميع مع الجميع ؟
أرجو أن يختفي ذلك مع الأيام، ومع حرصنا علي هذا الوضع، ومع إدراكنا أن اللعب السياسي بالدين هو أمر خطير.
أين قضية الثقافة في برامج الأحزاب المصرية؟ أسألكم في ضوء قولكم :إن الأحزاب المصرية، المعارضة منها والموافقة، كانت مجرد كيانات شكلية هيكلية، لم تهدف إلا للمكياج والعهر السياسي؟
أضيف عليه: أن كل نظام سياسي، يفرض إطاره العام المشتمل علي (المؤيد، المعارض) فهناك ارتباط عضوي بينهما. ولذلك، فإن (النظام) المصري السابق، بأعوانه ومعارضيه، لم يعد صالحاً للمرحلة المقبلة.

الأفعي عندما تترنم
تشكل روياتك »جمرات« في التغيير الثوري الفكري الذي هو أساسي وتأسيسي في كل تغيير إيجابي.. إلي أي حد تتعامل في منظومتك الإبداعية مع إشكالية الاستثمار الفني للرمز الديني والتاريخي والأسطوري، اقتباساً واستلهاماً وتضميناً؟
إلي الحد الأقصي، حتي أنني لا أتعامل فقط مع الرموز الدينية والتاريخية والأسطورية بحسب الشكل الظاهر لها، أو النص المكتوب، فقط.. بل أعيد بناء هذه الرموز، وأصوغها في نص جديد، حتي يمكن الغوص في قلب هذه الرموز وإدراك مراميها البعيدة ومعانيها، قبل التحليق بها عبر النص الروائي، للوصول إلي أفق جديد للخطاب. أراني قد صرت مثلك، أستعمل مفردات مبهمة، لعلها العدوي! إذن، دعني أعيد طرح الأمر بألفاظ أسهل قبولاً:
للرموز الدينية والتاريخية والأسطورية، دلالات مشهورة ونصوص متداولة. وفي أعمالي الروائية، أشرع قبل الكتابة في فك طلاسم هذه الرموز، وأبحث فيها عن دلالات جديدة غير تلك المشهورة بين الناس، وقد أعكف علي صياغة تلك النصوص، بلغة أكثر رهافة وتعبيراً عن المضامين الرمزية، مثلما فعلت في الترانيم التي أوردتها في رواية (ظل الأفعي).. ومن بعد ذلك، أشتبك مع باطن هذه الرموز، وأثيرها بقوة، وأحلِّق بها في سماء النص الروائي الذي أكتبه.
ومازلت قلقا عليها
أنت قلق علي الثقافة المصرية التي يمكن شراؤها وتسعيرها، حتي أنك ذكرت أن أي رجل أعمال ممكن يشتري الثقافة المصرية كلها بجزء من ثروته؟ واستشهدت بأفلاطون الذي حذر من هذا الوضع من ألفي عام عندما قال إنه إذا سيطر أصحاب الفلوس علي السلطة وقتها ينهار المجتمع؟
نعم، كنت قلقاً من ذلك، وما زلت.. لكن الذي يحدث عند سيطرة رأس المال علي الأفكار والرؤي الثقافية، لا يؤدي بالضرورة إلي انهيار المجتمع، لكنه يؤدي بالقطع إلي تفسُّخه واضطراب الرؤي العامة للعقلية الجمعية.. كما يؤدي إلي هبوط المستوي الإبداعي العام، في الأدب والفن والفكر، بدعوي أن: الجمهور عاوز كده! لأن الإبداع في هذه الحالة، يكون بمثابة (السلعة) بالمعني النفعي الاقتصادي الرديء، لهذه الكلمة
المخ المصري»بيتبري« طول الوقت من التسطيح ومن كثافة مواد إعلامية بعينها »علي حد تعبيرك« ونحن في حاجة لأن نقرأ ولأن نتخلص من عقدة التسطيح ومن الاستخفاف بالعقول، حذرت من فكرة (المول الثقافي) وسيطرة النظرة التجارية، واختفاء الإبداع والتنوع الإنساني؟
لا بأس، فإنني متفق معك في الجزء الأول من السؤال، وأؤكد علي النصف الآخر. لقد حذرت فعلاً، ومراراً، من سيطرة النزعة الاستثمارية علي المجال الإبداعي، وهيمنة النظرة التجارية عليه، وهو ما يؤدي إلي ضعف النزوع الإبداعي. بل يؤدي إلي طمس معظم القيم الإنسانية، لأن (تسليع) الأموال، أي النظر إليها باعتبارها (سلعة) قد يناسب البضائع والمنتجات التجارية، لكنه لا يناسب: الإبداع، الحب، الولاء، الفلسفة، الأمل.. فهذه الأمور لا يصح حسابها علي أنها بضائع ومنتجات تجارية، نسأل أولاً: كم ثمنها؟ فالإبداع لا ثمن له، والحب لا يقاس بتكلفته، وكذلك بقية القيم التي تعطي للإنسانية معني
أطلقت نبوءتك قبل شهور فقلت إن قادة الرأي من المؤثرين في مصر لا يتجاوز عددهم 001 فرد .. هل نقول إنها تحققت؟ أم ستتحقق؟ و من نبوءاتك الدعوة إلي (الممارسات الديمقراطية) غير السياسية؟
انظر إلي ما حدث من انقلاب في السياسات الإعلامية، قبل الثورة وبعدها، ولسوف تري أن (الانتهازية) كانت هي القاعدة التي تقوم عليها معظم وسائل الإعلام، ومعظم أدوات توجيه الرأي العام.. أما الإشارة إلي تطوير النظام التربوي، فهذا أمر لازم بشكل عام، ليس فقط في المرحلة الحالية التي نمر بها، بل في كل المراحل التي يمر بها المجتمع المتطور. ولذلك يقال (تجدَّد أو تبدَّد) بمعني أن السكون موت، والحياة تقتضي التطوير الدائم، والتحليق المستمر بالفرد والجماعة نحو آفاق جديدة .
سطوة الإنترنت
جاء في البروتوكول الثاني عشر من البروتوكولات الصهيونية أن الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين تتم بهما السيطرة علي العالم.. كيف تقرأ هذا المضمون في ضوء المشهد العالمي الراهن؟
هذه البروتوكولات، حسبما يعرف المتخصصون، هي عمل (مفبرك) قام به البوليس السري الروسي لإشاعة الكراهية ضد اليهود هناك. ومع ذلك، فلا خلاف علي أن الأدب والصحافة هما من أخطر القوي المؤثرة في توجيه الرأي العام، وفي السيطرة علي العقول والتلاعب بها.
بل إننا إذا أمعنا النظر فيما يجري حالياً، وجدنا وسائل الإعلام وقد صارت (طرفاً) في النزاعات.. فقناة الجزيرة مثلاً، لا تقدم الأخبار عن ليبيا بقدر ما تواجه قدرات القذافي العنيفة بقوة الإعلام العاتية! وكذلك الحال في كثير من الفضائيات المتطورة والوسائل الإعلامية الحديثة، فضلاً عن سطوة الإنترنت وبرنامج التفاعل الاجتماعي (فيس بوك) ودورهما في توجيه الرأي العام
الإشراف الحكومي.. خرافة
في ضوء الموقف العربي والإقليمي الراهن كيف تري الإنترنت بين المعلومة والإشاعة؟ وهل النشر الإلكتروني، والعودة إلي مركزية الميديا، وإشراف الدولة عليها، وإحياء دور قادة الرأي.. هو الحل ؟
دور الإنترنت صار أساسياً في المجالات كلها، وانقلابياً بالنسبة للأساليب القديمة البالية، وغير المتوافقة مع إيقاع العصر.. ولا يمكن للدولة، أن تسيطر علي هذا النوع من (الميديا) والفيصل في هذا الأمر، لن يكون أبداً (الإشراف الحكومي) أو (السيطرة المركزية) أو (مقاومة التدفق).. فهذه كلها خرافات يطلقها أصحاب السلطة المحدودة عقولهم ورؤاهم. ولست أري سبيلاً للتعامل مع هذه »الثورة المعلوماتية« إلا الاهتمام بالنزعة النقدية والتفكير المنطقي عند المتلقي، من دون أي ممارسة سلطوية (خارجية) عليه.
تقهقر الأيديولوجيا وتقدم التكنولوجيا .. عنوان هذه الآونة في العالم .. أليس كذلك؟
التكنولوجيا وسيلة قد تعمم الأيديولوجيا (الأفكار العامة) أو تقهرها وتنقضها.
في أي عصر من التاريخ أنت تعيش؟
في العصر الآتي.
أين تجليات الصوفية في ثورة النت.. لم يعد لدينا أقطاب ؟
لا يخلو العالم من أئمة وأولياء.
إلي أي مدي يمارس المثقف دور (زرقاء اليمامة) في المجتمع؟
هذا هو الدور الرئيسي، والأساسي، للمثقف في كل زمان ومكان.
ماذا عن دور الأعمال الأدبية والفنية في الثورات والتحولات.. تمهيدا ومواكبة وتسجيلا؟
دور حيوي، ومطلوب.
هل صحيح أن المثقفين أصبحوا ينتظرون حتي يتم الحدث ليصفقوا مع المصفقين أويرفضوا مع الرافضين؟
ومن الذي يحرك الجموع؟ ولكن الناس ظنوا أن المثقفين هم أولئك الذين يتكلمون ليل نهار، ويقضون أوقاتهم في الحوارات التليفزيونية ومناقشات المقاهي والصالونات.. ولا يجوز الظن بأن هؤلاء هم (المثقفون).
أعداء الوعي
قال لي توفيق الحكيم ذات مرة إن (من يهز وسطه ينال أضعاف من يهز عقله) فما رؤيتك في سياق تعبيرك غير المسبوق »المفكرون صاروا أعداء الوعي« ؟.
هذه عبارة لطيفة، مازحة، ليس أكثر.. ولكن إذا نظرنا إلي الأمر بإمعان، ظهر لنا أن (العقل) لا يهتز كأرداف الراقصات، ولا يجوز المقارنة بين حركة الفكر والرقص. وقد يعكف المفكرون علي مجموعة محددة من الأفكار، ولا يطورونها، كأنها صارت (اليقين النهائي) أو صارت (الصيغة النهائية) التي يعبرون عن أنفسهم بها، مثل حال توفيق الحكيم مع »المرأة« أو مع »الله« في رسالته الشهيرة إلي الله! وهذا نقيض الوعي، المتجدِّد والمتطور بطبيعته
عاشق المخطوطات
أنت مثقف أخضع التكنولوجيا لمطالبه الثقافية، لكن خطأ (الانتقائيَّة) التي درجنا عليها أنظمةً وأفراداً في تعاملنا مع تراثنا الغني جعل التراث بضاعة ماضوية، والاشتغال به ردةً فكرية أو عصبية جماعية للتمسك بالهوية، ولكنه في نظرك قبل كل شيء: كيان معرفي.. هل من إضاءة أكثر سطوعا؟
التراث والمستقبل، تدفقٌ دائمٌ عبر بوابة الحاضر.. فالزمان الإنساني الذي نعتقد أنه (ماضي، حاضر، مستقبل) هو بعدان فقط، الماضي والمستقبل. لأن الحاضر لحظة منفلتة دوماً، وحالة عبور دائم من الماضي إلي المستقبل .
كيف استطعت أن تسقط الواسطة بين التراث والجمهور؟
بالحب.. حب التراث، وحب الجمهور.
عاشق المخطوطات.. ما هي الومضة الأولي لهذا العاشق .. وإلي أي مدي، وكيف تستقطر هذا العشق لصالح الإقلاع نحو المستقبل؟
كان هذا الوصف (عاشق المخطوطات) قد أطلقه عليَّ المرحوم د. مصطفي محمود في مقالة له بجريدة الأهرام، أيام شبابي المبكر، ثم جعله اثنان من المؤلفين عنواناً لكتاب أصدراه عن أعمالي منذ عشرين عاماً .. أما الآن، فلست أري نفسي عاشقاً للتراث والمخطوطات، بل حسبما قال محمود درويش مخاطباً بلاده: أنا بذرة من بذورك، فلتزرعيني برفقٍ، برفق يد الأم، في حفنةٍ من هواء .
أين حمرة الخجل؟
ليس فقط لأنك مدير مركز المخطوطات بمتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، أسألك عن دور مكتبة الإسكندرية الإشعاعي في سياق الراهن والقادم؟ وكيف تتفاعل مع الجمهور كما ينبغي أن يكون التفاعل؟ وكيف نستثمر مكنوناتها لصالح الذائقة العامة ؟
لا يوجد كيان ثقافي بمصر، أو بالمنطقة العربية كلها، يقوم بمثل هذا الدور الحيوي الذي نقوم به في مكتبة الإسكندرية .. ويمكن لأي زائر لموقع المكتبة علي الإنترنت، أن يري حصيلة الفعاليات الثقافية التي تقوم بها المكتبة. وهي فعاليات تعجز كل وزارات الثقافة العربية، عن القيام بمثلها.. اعذرني، فقد انفعلت .. فحين ذكرت المكتبة، تذكرت هذا الهجوم (الإعلامي) الذي قام به مؤخراً بعض التافهين، والصارخين في كل وادٍ، والباحثين عن أي فرصة، والذين لا تعرف وجوههم حمرة الخجل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.