تكشف جغرافية الجسد أهمية ودورالخلايا العصبية بالنسبة لتأقلم الإنسان في محيطه البيئي، وقاعدتها الذهبية في عدالة التوزيع للإشارات الداخلية والخارجية علي مستوي سائر الأعضاء لتلبية الاحتياجات البنائية والوظيفية والإبداعية، وهكذا تقوم «المجالس المحلية» في نطاق حقول التنمية بالمسئولية الميدانية وتقديم خدمات الإنتاجية والرفاهية للسكان وضبط إيقاع الفراغ العمراني وتطبيق الأسس والمعايير البيئية وذلك من أجل تحقيق العدالة المكانية علي مستوي المعمور المصري. وتظهر حالة العمران والتنمية المحلية بعض السلبيات ومنها فجوة الخدمات بين الريف والحضر، تبوير الأراضي الزراعية، عشوائيات المدن، ارتفاع الكثافات البنائية والسكانية، انهيارات المباني، تزايد معدلات التلوث بجميع أشكاله، غياب المشاركة الشعبية وثقافة المواطنة، مما يؤكد علي وجود خلل كبيرفي سياسات التنمية وفشل متلازم مع الحكومات المتتالية تجاه تبني حلول غير تقليدية وتنفيذ آليات متوافقة مع البيئة المصرية تساعد علي ترسيخ العدالة في توزيع الثروة بين أقاليم الدولة. يؤكد التحليل من المنظور القومي معضلة دائمة بين التخطيط والإدارة في كيفية التوصل إلي تقسيم الدولة لأقاليم من أجل التنمية بدون تقديس فكرة الاشتباك الحدودي بينهما وعدم النظر إلي مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في ظل سياسات المركزية والتداخل البيروقراطي بين مختلف الوزارات المتصلة بمشروعات التنمية، علاوة علي نظام الحكم المحلي الحائر بين «مركزية التوجه ومحلية التنفيذ»مع غياب استراتيجية التنمية العمرانية المستقبلية المتواصلة ومتعدية الحكومات. وتؤكد الأدلة علي تركز العمران في الوادي والدلتا وطغيان مركزية النهر علي الإدارة، استمرارية التقسيم الإداري للمحافظات منذ الحملة الفرنسية بفلسفة سيطرة الدولة من النواحي الأمنية وجمع ضرائب الأطيان الزراعية وجباية الأموال وتأمين السخرة والجهادية، السكوت علي ذلك التشويه الحضري في القاهرة واختلاسها أرصدة المدن الأخري اللامركزية التي تعاني من سوء توزيع الثروة، والحل في دعم سياسات الانتشار السكاني في الصحراوات والسواحل المصرية وإعادة ترسيم الحدود الإدارية بين المحافظات لتتكامل مع حدود الأقاليم التخطيطية من أجل تنمية مستديمة علي مستوي حيز الدولة. ورغم تبني مصر نظام «البلديات»منذ عهد الخديو إسماعيل (1869)لضمان توصيل الخدمة إلي مستحقيها، وجاءت الثورة فطورت نظام الحكم المحلي لإدارة المجتمعات المحلية (1960) وأصدرت القوانين والتشريعات المكملة طبقاً للتعديلات المطلوبة، إلا أنه لم يتحقق للأسف الهدف الأصيل فيتمكن السكان المحليون من إدارة شئونهم بأنفسهم، ولعل ما أصاب المواطن من حالة اللامبالاة والعزوف عن المشاركة بكل أشكالها في الحياة السياسية والعملية الانتخابية والعمل الأهلي والتطوعي خير دليل علي ذلك. تشكل الإدارة المحلية واللامركزية وجهي عملة واحدة في منظومة «الحكم الرشيد»وهرمها المقلوب لسريان الديمقراطية من أسفل لأعلي في شبكة تكاملية وفيها تقدم المجالس المحلية المنتخبة خدمات المواطنين وتدرب الكوادر الشبابية علي المشاركة السياسية للفوز بعضوية البرلمان، وهكذا دواليك حتي تتمكن هذه المجالس الوطنية من تقديم كل الخدمات مثل التعليم والصحة والمياه والكهرباء والمستشفيات وذلك من خلال مثلث الشعب والصحافة والقضاء للرقابة مع النزاهة والشفافية والمساءلة.. وليس هناك حل بدون تحقيق «اللامركزية» ونقل سلطات الحكومة للمستويات الأدني وإحداث ثورة حقيقية في إدارة المجتمعات المحلية، واستعادة المحليات من قبضة النظام السياسي المتعدي عليها في السابق والذي تركها تسقطت في بئر الفساد تمهيداً لإحياء دورها الفاعل في التنمية، وأري أن المحليات والتنمية صنوان تربطهما علاقة عضوية طردية بمعيار التحليل الرباعي للبيئتين الداخلية والخارجية من خلال ميثاق وطني يحدد صلاحيات المجالس المحلية المنتخبة وتشريع قانون خاص للحكم المحلي والاستقلال بصندوق تمويلي للموارد المالية وعلي الحكومة تأسيس مركز التدريب المستمر لأعضاء المحليات علي جميع المستويات الفنية والإدارية وذلك لإرساء قواعد التنمية المحلية في مصر.