د. سلطان أبو على إن أحد الاسباب الرئيسية لهزيمة يونيو 1967 هو »زوار الفجر« الذين هم - لمن لا يعرفهم من الجيل الحالي - الشرطة السرية التي كانت تتجسس علي الناس، وتدهم بيوت المفكرين واصحاب الرأي، وغيرهم ممن لا يوافقون علي بعض افعال النظام السائد حينئذ - بدون مخالفة القانون. وأدي ذلك إلي قمع الفكر، وانزواء أهل الرأي، وتحول كثير من المصريين إلي التقوقع أو إلي أبواق تهلل للنظام السائد وتزين له كل افعاله. ومن ثم غابت الرؤي الجيدة في المجتمع، ولم يصبح هناك مجال إلا للنفاق والرياء باستثناءات طفيفة. وهذه ظروف تؤدي الي انهيار أي مجتمع، وتدفعه إلي التخلف والظلام. ان الرأي الآخر، والنظرة الموضوعية لمختلف الامور شيئان حيويان لتقدم المجتمعات وازدهارها. اما القمع والاضطهاد فلا يدفعان إلا إلي تخلف المجتمع وتدهور اوضاعه داخليا وخارجيا، حتي ان ازدهر اقتصاديا او استقطب الامن فيه ظاهريا، واذا حدث هذا فلن يدوم إلا لفترة قصيرة من الزمن، في حين تتدهور الاوضاع كثيراً علي المدي الطويل. قفز هذا إلي ذهني عندما علمت ما حدث ويحدث من ملاحقات لعديد من المصريين تحت زعم انهم من الاخوان المسلمين وكان آخرها ما حدث لرئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية. فقد دق بابه في الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وعندما فتح الباب، وجد امامه فرقة ملثمة ومدججة بالمدافع، وقبل ان يسألوه عن اسمه، كانوا قد انتشروا في الشقة، وعاثوا فيها فسادا بحثا عن مستندات واوراق.. وتبين ان التهمة الموجهة إليه هي التحريض ضد النظام وتمويل العمليات الإرهابية واقتيد الي الحجز واظهر التحقيق المبدئي انه ليس من الاخوان المسلمين بل انه قد ترأس الاجتماع الذي شطبت فيه الجماعة من قوائم الجمعيات الاهلية: اما عن التمويل فإنه واسرته معروف عنهم فعل الخير، ومساعدة كثير من الفقراء واقامة دور ايواء لليتامي والمدارس وغيرها.. صحيح انه تم الافراج عنه برهن التحقيق بعد ان شهد له اناس -من بينهم المفتي الاسبق - بأنه ليس من الاخوان المسلمين، إلاّ ان القضية هي اننا لا يجب ألا نعود إلي القبض علي الناس ومساءلتهم بمجرد شكوي و يجب ألا يتم ذلك إلا بعد التثبات المبدئي من جدية التهمة.. كما لا ينبغي ان نحاسب الناس عن افكارهم ومعتقداتهم، وانما يحاسبون عند الخروج علي القانون ويرتكبون ما يخالف القانون والنظام العام. وما سبق قوله ليس دفاعا عن الاخوان، حيث انهم قد أخطأوا واساءوا ادارة الدولة، والمسألة السياسية هي ان فقدوا مقعد الحكم. اما المسألة الجنائية فلا ينبغي ان تكون إلا لمن ارتكب فعلا يعاقب عليه القانون، كما انني لا ادافع عن شخص بعينه، ولكن ادافع عن الانسان عموما بغض النظر عن انتمائه السياسي ومعتقداته الفكرية، وهذه مسئولية أهل الفكر ايا كان انتماؤهم السياسي. اذ لو صمت من يخالف من يقبض عليه الآن علي اعتبار انه من فصيل فكري مختلف فلن يكون آمنا علي نفسه، إذا تغير المزاج الفكري للمجتمع. وهذا يذكرنا بقصة موافقة الفيل علي أكل »الغزال« في الغابة تحت زعم تحقيق الامن الغذائي لاهلها، وإلي ان دارت الدائرة عليه، وأخطره الاسد بأنه من الضروري ان يؤكل هو، وهنا قال »لقد اكلت يوم أكل الغزال بموافقتي«. ان ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013 هدفهما القضاء علي النظام الفاسد المستبد، واقامة مجتمع ديمقراطي عادل يحافظ علي كرامة الانسان وهذا لن يتحقق دفعة واحدة او خلال فترة قصيرة، ولكنه سوف يستغرق وقتا، خلاله يجب ان ندافع عن الحقوق الاساسية للانسان.. اي انسان.. واذا لم نفعل ذلك فأخشي ان تنتكس الثورة ولا نفلح في إقامة مجتمع نام، ومتطور وعادل.. وعلينا جميعا ان نطالب بالحق والعدل للجميع من أجل استقرار مصر وتقدمها. كاتب المقال : وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الأسبق