23 أبريل 2026.. الذهب يتراجع 20 جنيها وعيار 21 يسجل 6975 جنيها    مدبولي: نثمن ثقة المستثمرين في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس    3 شهداء جراء غارة إسرائيلية على سيارة مدنية وسط قطاع غزة    «20 لغمًا إيرانيًا».. تطهير مضيق هرمز يقلق البنتاجون    الخطوط الجوية القطرية تستأنف رحلاتها الجوية اليومية إلى الإمارات وسوريا    نائب بحزب الله: التفاوض المباشر مع إسرائيل خطأ كبير    نجم الزمالك السابق: الأبيض قادر على حسم مواجهة بيراميدز رغم صعوبتها    بطولة إفريقيا للطائرة سيدات| سيدات طائرة الأهلي يواجهن البنك التجاري الكيني في النهائي    مصرع 3 عناصر جنائية شديدة الخطورة وضبط بؤر إجرامية بأسوان    سائق يطمس لوحات سيارته للتهرب من المخالفات في سوهاج    وزير السياحة يتابع مستجدات إطلاق منظومة مدفوعات الشركات وتطوير منصة "رحلة"    غدا.. أكاديمية الفنون تشارك في الاحتفال بتأسيس الإسكندرية    الرعاية الصحية: تقديم أكثر من 2.4 مليون خدمة طبية وعلاجية بجنوب سيناء    صحة المنيا: تقديم 1222 خدمة طبية مجانية لأهالي قرية مهدية    محافظ المنيا: شون وصوامع المحافظة تستقبل 32 ألف طن من القمح ضمن موسم توريد 2026    أبوبكر الديب يكتب: الاستباحة الرقمية.. حين تصبح أسرارك الشخصية عملة تداول في سوق الخوارزميات.. انه عصر الذكاء الاصطناعي    شوبير: بن شرقي خارج الأهلي في هذه الحالة    تفاصيل البيان الختامي للمؤتمر الدولي الرابع عشر لجامعة عين شمس    الأعلى للإعلام: منع ظهور هانى حتحوت 21 يوما وإلزام «مودرن إم تي أي» بمبلغ 100 ألف جنيه    "الداخلية" تجمد 470 مليون جنيه من أموال "مافيا السموم والسلاح"    إصابة 8 أشخاص في انقلاب سيارة حكومية بطريق الصحراوي الشرقي بالمنيا    محكمة الاستئناف تقبل استئناف السائح الكويتي وتخفف الحكم إلى سنة بدلا من 3 سنوات    صائد "التريند" خلف القضبان.. كيف كشفت الداخلية زيف فيديو "رعب الأسلحة" في أسوان؟    قرار جمهوري بالموافقة على انضمام مصر كدولة شريكة لبرنامج «أفق أوروبا»    رئيس جامعة العاصمة يشهد حفل تخرج الماجستير المهني في إدارة الأعمال بالأكاديمية العسكرية    آخر تطورات الحالة الصحية للفنان هانى شاكر    الأب في المقدمة و«الاستضافة» بديل الرؤية.. أبرز تعديلات حضانة الأطفال في قانون الأحوال الشخصية 2026    «دار الكتب»: 30% تخفيضات لتعزيز العدالة الثقافية وتيسير وصول الكتاب    مجموعة مصر.. ترامب يطلب استبدال ايران بإيطاليا في المونديال وميلونى السر    الهلال الأحمر المصري يدفع بنحو 5480 طن مساعدات عبر قافلة زاد العزة ال181 إلى غزة    وزير الخارجية خلال افتتاحه حملة للتبرع بالدم لمستشفى 57357: الصحة مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع    البورصة المصرية تستهل الخميس 23 أبريل بارتفاع جماعي لكافة المؤشرات    الأرصاد تكشف عن موعد انتهاء البرودة    «مدير آثار شرق الدلتا»: اكتشاف تمثال رمسيس الثاني يعكس مكانة المواقع الدينية والتاريخية    إيران: إعادة فتح مضيق هرمز غير ممكنة حاليًا    المقاولون يستضيف الاتحاد في مواجهة مثيرة بمجموعة الهبوط بالدوري    وكيل تعليم الدقهلية يفتتح منافسات أولمبياد العلوم لمدارس اللغات    البرلمان يستعد لتعديل قانون الأحوال الشخصية.. استبدال الاستضافة بالرؤية.. الأب في المرتبة الثانية لحضانة الطفل.. وإنشاء المجلس الأعلى للأسرة "أبرز المقترحات"    عميد قصر العيني يطلق حملة توعوية لترشيد الطاقة    بسبب إجازة عيد العمال.. تعديل جدول امتحانات شهر أبريل 2026 لصفوف النقل وترحيل المواعيد    برشلونة يستعد لتوجيه صدمة ل راشفورد    عبدالجليل: التعادل الأقرب لحسم مواجهة الزمالك وبيراميدز    جوارديولا يشيد بأداء السيتي رغم الإجهاد: أهدرنا فرصًا كثيرة أمام بيرنلي    منافس مصر - فايننشال تايمز: مقترح رئاسي أمريكي لاستبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم على الوجهين البحري والقبلي    الكنيسة الكاثوليكية بمصر تهنئ رئيس الجمهورية وقيادات الدولة والقوات المسلحة بذكرى تحرير سيناء    بالأسماء، تعيين وكلاء ورؤساء أقسام جدد بجامعة بنها    تضارب الأنباء بشأن إفراج الإمارات عن القيادي في الجيش السوري عصام البويضاني (فيديو وصور)    وفد "بنها" يزور جامعة أوبودا بالمجر لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات الأكاديمية    الرئيس السيسي يضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري وقبر السادات    "السينما... ليه؟" قراءة في التراث والهوية العمرانية ببيت المعمار المصري    جامعة القاهرة الأهلية تُطلق مبادرة طلابية شاملة لتعزيز الصحة والوعي    طريقة عمل المكرونة بينك صوص بالجمبري، أحلى وأوفر من الجاهزة    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    هل الدعاء يُغير القدر؟!    هل إكرامية عامل الدليفري تعتبر صدقة؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلاقات المصرية الأمريكية في ضوء المساعدات العسكرية
نشر في أخبار مصر يوم 20 - 12 - 2007

من المنتظر تصديق الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال الأسابيع القليلة المقبلة علي مشروع قانون العمليات الخارجية لعام‏2008‏ والذي يتضمن برنامج المساعدات الأمريكية لمصر خلال نفس العام‏,‏ وذلك بعد أن انتهت المداولات بين الجمهوريين والديمقراطيين بالكونجرس إلي صياغة نهائية للمشروع خففت الصياغة التي كان قد وضعها مجلس النواب وتضمنت احتجار‏200‏ مليون دولار من المساعدات العسكرية لحين قيام مصر بإصلاحات قضائية وأمنية‏,‏ وخفض المشروع المبلغ إلي‏100‏ مليون دولار ومنح وزيرة الخارجية حق إسقاط العمل بذلك إذ رأت أن ذلك يخدم اعتبارات الأمن القومي الأمريكي‏.‏
وقد رفضت مصر الصياغة السابقة وكذلك الصياغة الجديدة إنطلاقا من رفض التدخل في شئونها الداخلية‏,‏ ونبهت الإدارة إلي تداعيات المشروطية في المساعدات السلمية علي العلاقات الثنائية خلال اتصالات وجهود بذلها وزير الخارجية أحمد أبوالغيط والسفير المصري في واشنطن نبيل فهمي‏,‏ وبعد إقرار مشروع القانون تنتظر مصر المواقف التي ستتبناها الادارة في إطار تنفيذ برنامج المساعدات خلال الفترة القادمة‏.‏
برنامج المساعدات:
‏*‏ يرجع برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر إلي عام‏1979‏ بعد توقيع إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل‏,‏ حيث إلتزمت الولايات المتحدة وقتذاك بتزويد مصر ب‏1.5‏ مليار دولار في شكل قروض طويلة المدي لشراء معدات عسكرية ونظم أسلحة أمريكية‏,‏ وذلك في إطار صفقة مساعدات عسكرية لكل من مصر وإسرائيل حددتها الإدارة الأمريكية في خطاب أرسله وزير الدفاع الأمريكي هارولد براون إلي وزيري الدفاع المصري والإسرائيلي‏.‏

*‏ منذ ذلك الحين تراوح متوسط حجم المساعدات العسكرية لمصر عند مبلغ‏1.3‏ مليار دولار سنويا لتصبح مصر ثاني أكبر متلقي للمساعدات العسكرية الأمريكية بعد إسرائيل‏,‏ وذلك في شكل قروض طويلة الأجل حتي عام‏1989‏ حين تحولت المساعدات إلي منح لا ترد‏.‏ ثم جاء قرار إدارة بوش‏(‏ الاب‏)‏ في سبتمبر‏1990‏ بإلغاء الديون العسكرية لمصر‏,‏ حيث وافق الكونجرس حينذاك علي الطلب الذي تقدمت به الإدارة بإعفاء مصر من الديون العسكرية التي كانت تقدر ب‏6.7‏ مليار دولار تقديرا لمشاركتها في حرب تحرير الكويت‏.‏

*‏ استثمرت مصر هذه المساعدات في إطار برنامج طموح لتحديث وتطوير قوتها المسلحة‏,‏ حيث أتاحت لمصر الحصول علي أحدث نظم الأسلحة الأمريكية لتحقيق أهداف التطوير العسكري‏,‏ وبصفة خاصة استبدال المعدات ونظم التسليح السوفيتية بنظم حديثة أكثر تطورا تعتمد بصفة أساسية علي الأسلحة الأمريكية‏.‏

*‏ كما يمثل برنامج المساعدات العسكرية لمصر عنصرا أساسيا في اطار التعاون الأمني بين مصر والولايات المتحدة تحقيقا للمصالح المشتركة للبلدين‏,‏ وهو ما إتخذ أشكالا عديدة‏,‏ علي سبيل المثال في مجال التصنيع العسكري المشترك لبعض نظم الأسلحة المتطورة‏,‏ وكذلك في مجال التدريبات المشتركة وأبرزها تدريبات النجم الساطع التي تجري بصفة دورية كل عامين بمشاركة عدد من الدول الصديقة بهدف تطوير آليات التنسيق بينها علي المستوي الميداني‏.‏ فضلا عن ذلك فإن تحديث القوات المسلحة المصرية جاء ليساهم بشكل مباشر في تحقيق مصالح الأمن القومي المصري سواء كان ذلك في تعزيز القدرات الدفاعية للقوات المسلحة‏,‏ أو في ضمان الأمن والإستقرار الإقليمي‏,‏ أو في المساهمة في عمليات حفظ السلام الدولية في مناطق مختلفة مثل البوسنة وتيمور الشرقية‏,‏ والصومال‏.‏

*‏ وفي إطار تعظيم الاستفادة من المساعدات العسكرية إتفقت مصر مع إدارة الرئيس كلينتون عام‏1999‏ علي إيداع المساعدات العسكرية في حساب يدر أرباحا‏,‏ علي أن يتم ذلك سنويا بعد إقرار الكونجرس لبرنامج المساعدات‏.‏ الأمر الذي يوفر مبالغ إضافية تضاف إلي قيمة المساعدات العسكرية السنوية التي تحصل عليها مصر‏.‏

*‏ وفي‏30‏ يوليو‏2007‏ أعلنت الإدارة الأمريكية إلتزامها بالإستمرار في تقديم المساعدات العسكرية لمصر لمدة عشر سنوات‏,‏ حيث أكدت منح مصر مبلغ‏13‏ مليار دولار علي مدي العقد القادم‏,‏ بما يعني الإبقاء علي مستوي المساعدات الحالي خلال تلك الفترة‏.‏
محاولات استهداف برنامج المساعدات العسكرية:
شهدت السنوات الماضية محاولات حثيثة من قبل التيارات اليهودية الأمريكية الموالية لإسرائيل‏,‏ وبتشجيع من عدة أطراف في الجانب الإسرائيلي‏,‏ لاستهداف برنامج المساعدات العسكرية لمصر‏.‏ وقد أخذت تلك المحاولات صورا وأشكالا مختلفة‏,‏ والدفع بحجج وتبريرات متعددة‏,‏ انصبت جميعها لتحقيق هدف واحد‏,‏ وهو دفع الجانب الأمريكي وتحديدا الكونجرس بمجلسيه نحو إعادة النظر في حجم وشكل المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر‏.‏ كما تزامن مع ذلك بروز تيار سياسي أمريكي يولي مسألة الديمقراطية أولوية متقدمة‏,‏ ويعتقد خطأ أن أفضل أسلوب للتأثير علي سرعة وطبيعة عملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في مصر هو من خلال استهداف برنامج المساعدات العسكرية‏.‏
ويمكن بالتالي حصر محاولات استهداف برنامج المساعدات العسكرية لمصر في ثلاثة تيارات رئيسية سعت بأشكال مختلفة لتحقيق هذا الهدف تتمثل في الآتي‏:‏
ففيما يتعلق بتيار اليمين الإسرائيلي ومنذ فوز تيار اليمين الإسرائيلي بزعامة رئيس حزب الليكود بنيامين نيتانياهو في الإنتخابات الإسرائيلية عام‏1996‏ تعالت نبرة الاعتراضات الإسرائيلية ضد مواصلة برنامج المساعدات العسكرية لمصر‏,‏ وجاء ذلك من أوساط متعددة داخل الساحة الإسرائيلية‏,‏ منها المؤسسة العسكرية التي ساقت اعتراضاتها في شكل مخاوف من أن تحديث القدرات العسكرية المصرية بأحدث النظم الأمريكية يمثل مساسا بالتفوق النوعي لإسرائيل‏,‏ وكذلك من بعض الساسة الإسرائيليين من الليكود الذين سوقوا لمزاعم بأن مستوي التسليح المصري لا يتفق مع سياستها الدفاعية وإنما ينم عن نيات عدوانية مبيتة ضد إسرائيل‏.‏ وتبني نيتانياهو حينذاك فكرة الفصل بين برنامجي المساعدات الأمريكي لإسرائيل ومصر‏,‏ طارحا فكرة إنهاء المساعدات الاقتصادية لاسرائيل في مقابل زيادة المساعدات العسكرية بمقدار النصف علي مدار عشر سنوات‏,‏ محاولا أن يتم ذلك بمنأي عن برنامج المساعدات لمصر تأكيدا لفكرة الفعل التي روج لها‏.‏ إلا ان الكونجرس الأمريكي تبني تطبيق معادلة مشابهة لما جري حيال برنامج المساعدات لاسرائيل بالنسبة للمساعدات الموجهة لمصر فتم تخفيض برنامج المساعدات الاقتصادية لمصر بمقدار النصف علي مدار عشر سنوات‏,‏ وهو ما حافظ حينذاك علي النسبة القائمة بين حجمي البرنامجين‏.‏
أما بالنسبة لتيار اليمين اليهودي في الولايات المتحدة‏:‏ فقد ادي تصاعد الهجوم الاسرائيلي علي برنامج المساعدات الي دفع اللوبي الموالي لاسرائيل في الولايات المتحدة لشن حملة منظمة ومتواصلة ضد استمرار هذه المساعدات خلال السنوات الماضية‏,‏ خاصة ضد أوساط الكونجرس وذلك بتأييد عدد من النواب المؤيدين لاسرائيل لعل أبرزهم النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا توم لانتوس‏,‏ وجاءت هذه الحملة في شكل مزاعم استهدفت إثارة شكوك عديدة لدي أعضاء الكونجرس حول جدوي المساعدات العسكرية لمصر‏,‏ ومدي فائدتها بالنسبة لتحقيق المصالح الأمريكية في ظل تباين السياسات المصرية والأمريكية تجاه عدد من القضايا الاقليمية‏,‏ وعلي رأسها عملية السلام في الشرق الأوسط‏,‏ والعراق والسودان وغيرها واستمرار السلام البارد مع اسرائيل ومعاداة السامية في الصحافة المصرية‏,‏ وكلها مزاعم كانت تحاول تصوير استقلالية القرار المصري تجاه قضايا حيوية بالنسبة لأمنها القومي علي أنه أمر يتعارض جوهريا مع السياسة الأمريكية‏,‏ وعلي الرغم من أن مجيء حكومة حزب العمل بزعامة ايهود باراك في انتخابات‏1999‏ ادي الي تراجع التحريض الاسرائيلي ضد مصر في الأوساط الأمريكية‏,‏ إلا أن ذلك لم يدفع بتيار اليمين اليهودي الي الاحجام عن مواصلة التصدي للمساعدات العسكرية لمصر‏,‏ وتكثيف حملته في هذا الصدد بعد تولي رئيس الوزراء شارون مقاليد الحكم في اسرائيل عقب فوز الليكود في انتخابات‏2001,‏ بالتركيز هذه المرة علي تحميل مصر مسئولية فشل قمة كامب ديفيد عام‏2000‏ التي قادها الرئيس بيل كلينتون في محاولة للتوصل الي اتفاق سلام فلسطيني اسرائيلي‏.‏
وبالنسبة لأنصار الديمقراطية والإصلاح السياسي‏,‏ فقد برزت قضية الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي بعد أحداث‏11‏ سبتمبر كقضية حيوية في الأجندة الأمريكية تجاه المنطقة بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏,‏ وبشكل خاص بعد الغزو الأمريكي للعراق‏,‏ حيث سعت إدارة بوش الي وضع هذه الخطوة في سياق رؤية أوسع تجاه المنطقة ارتكزت علي دفع الإصلاحات السياسية وتوسيع مجال الديمقراطية كوسيلة لتحييد موجة التطرف والعداء للسياسات الأمريكية لدي الرأي العام العربي داخل بلدان المنطقة‏,‏ ورغم أن الإدارة الأمريكية سعت بأشكال مختلفة لتوجيه جزء من المساعدات الاقتصادية لمصر لتحقيق أهداف الإصلاح التي أعلنتها مصر نفسها في اطار توافق مشترك بين الطرفين‏,‏ وبعيدا عن اعتماد صيغة المشروطية لتحقيق هذا الهدف‏,‏ وخاصة فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية‏,‏ إلا أن ذلك لم يحل دون ضغط بعض التيارات الليبرالية التي تتخذ من قضية الإصلاح الديمقراطي هدفا أساسيا لها للدفع بضرورة ربط المساعدات العسكرية بشكل مباشر بمدي تحقيق التقدم في الإصلاح السياسي في مصر‏,‏ الأمر الذي اتخذ شكل حملات متواصلة في الإعلام الأمريكي للتشكيك في حجم الانجازات التي حققتها مصر في إطار مسيرة الإصلاح التي عقدت العزم علي المضي فيها‏,‏ ودفع بعض قيادات الكونجرس لتبني وجهة النظر الداعية الي توظيف المساعدات التي تتلقاها مصر بشكل مباشر كنوع من العقاب لعدم تسيير جهود الإصلاح في مصر علي نحو يتوافق مع أهداف الديمقراطية وفقا للمنظور الأمريكي‏.‏
وفي ضوء ما تقدم‏,‏ يتضح ان محاولات المساس بالمساعدات العسكرية ترجع الي أجندات سياسية مختلف سعت لاستغلال قضية المساعدات لتحقيق أهداف مختلفة‏,‏ وبينما أخفقت هذه المحاولات في توجيه مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتوظيف المساعدات علي هذا النحو‏,‏ الا انه من ناحية أخري نجحت في ترجمة محاولاتها في شكل مقترحات مختلفة داخل الكونجرس بتعديل صيغة برنامج المساعدات العسكرية لمصر علي النحو الذي سيلي عرضه‏.‏
المقترحات السابقة للمساس بالمساعدات:
وقد جاءت المساعي داخل الكونجرس الأمريكي للمساس بالمساعدات العسكرية بشكل تدريجي ففي يوليو‏2004‏ تقدم النائب الديمقراطي اليهودي توم لانتوس‏(‏ زعيم الأقلية الديمقراطية بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب حينئذ والمعروف بولائه الشديد للوبي الاسرائيلي‏)‏
بتعديل علي مشروع قانون العمليات الخارجية‏(‏ والذي يعتمد سنويا المساعدات الأمريكية لمصر بشقيها العسكري والاقتصادي‏)‏ يقضي بتحويل‏570‏ مليون دولار من المساعدات العسكرية الي مساعدات اقتصادية‏,‏ ولم يلق التعديل قبولا داخل المجلس حيث سقط التعديل بنسبة كبيرة حيث لم يؤيده سوي‏131‏ نائبا مقابل معارضة‏287,‏ وفي يونيو‏2005‏ تقدم النائب الجمهوري جوزيف بينس‏(‏ المنتمي لتيار اليمين المسيحي‏)‏ بتعديل يقضي بتحويل‏750‏ مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر إلي أغراض مكافحة الملاريا في افريقيا‏,‏ وقد سقط التعديل أيضا بأغلبية ساحقة حيث لم يؤيده سوي‏87‏ نائبا مقابل معارضة‏326‏ نائبا‏.‏
وفي يونيو‏2005‏ قام النائب لانتوس بتضمين قانون الترخيص للعلاقات الخارجية الصادر عن لجنة العلاقات الخارجية‏(‏ التي يتزعم الأقلية الديمقراطية بها‏)‏ نصا علي تخفيض سنوي قيمته‏40‏ مليون دولار للمساعدات العسكرية وإنما لم يتحول المشروع الي قانون نظرا لعدم اصدار مجلس الشيوخ لمشروع قانون مطابق وبعد عام تقدم النائب الديمقراطي ديفيد أوبي‏(‏ زعيم الأقلية الديمقراطية بلجنة الاعتمادات بمجلس النواب حينئذ‏)‏ بتعديل الي لجنة الاعتمادات يطالب بتخفيض‏200‏ مليون دولار من المساعدات العسكرية‏,‏ وقد سقط التعديل بالتصويت بالنداء‏,‏ وبالتالي لم يعرض علي مجلس النواب بكامل هيئته‏,‏ وبعد فشله في المساس بالمساعدات العسكرية عاود النائب أوبي محاولته مرة أخري وانما علي المساعدات الاقتصادية هذه المرة حيث تقدم بتعديل يقضي بتحويل‏100‏ مليون دولار من المساعدات الاقتصادية إلي أغراض مكافحة الإيدز في افريقيا وللعمليات الانسانية في دارفور وقد سقط التعديل بأغلبية ضيقة حيث أيده‏198‏ نائبا مقابل معارضة‏215‏ نائبا‏.‏
وقد نجحت الجهود المكثفة التي بذلتها وزارة الخارجية والسفارة المصرية في واشنطن سواء من خلال الضغط علي الإدارة الأمريكية ومطالبتها بالقيام بدورها في الدفاع عن برنامج المساعدات وضمان عدم المساس به‏,‏ أو من خلال اتصالاتها المباشرة والمتعددة مع أعضاء الكونجرس بمكتبيه ومساعديهم‏,‏ في حشد الأصوات أو التأييد اللازمين لإفشال كافة تلك المحاولات‏,‏ وبحيث استمر حجم برنامج المساعدات العسكرية علي مدار تلك السنوات كلها عند نفس المستوي المطلوب من جانب الإدارة ورغم تعدد أساليب ومحاولات استهدافه والنيل منه‏.‏
المساعدات العسكرية للعام المالي‏2008‏:
كانت انتخابات منتصف المدة في نوفمبر‏2006‏ نقطة تحول في مسار محاولات النيل من المساعدات العسكرية داخل الكونجرس الأمريكي‏,‏ حيث انتهت الانتخابات الي حصول الديمقراطيين علي الأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ‏(‏ وذلك لأول مرة منذ عام‏1994)‏ مما أسفر عن تبوؤ النائبين المتربصين بالمساعدات العسكرية‏(‏ ديفيد أوبي وتوم لانتوس‏)‏ رئاسة اللجنتين الأكثر أهمية في التعامل مع المساعدات الأمريكية لمصر وهما لجنتا الاعتمادات والشئون الخارجية علي التوالي‏.‏
وقد ادي ذلك الي صدور مشروع مجلس النواب لقانون العمليات الخارجية للعام المالي‏2008‏ متضمنا فقرة تشير الي احتجاز‏200‏ مليون دولار من المساعدات العسكرية‏(‏ والتي يبلغ اجماليها‏1,3‏ مليار دولار‏)‏ لحين اصدار وزيرة الخارجية لشهادة بشأن تحقيق مصر تقدما ملموسا في ثلاثة مجالات هي استصدار قانون جديد للسلطة القضائية يحمي استقلال القضاء ومراجعة الاجراءات الجنائية وتدريب قيادات الشرطة علي وقف الانتهاكات الشرطية والكشف عن شبكات التهريب وتدمير الانفاق المستخدمة في التهريب عبر الحدود المصرية الي قطاع غزة‏.‏
وقد جاء هذا التعديل علي خلفية حملة إسرائيلية مكثفة ضد مصر استهدفت ابراز قضية منع التهريب عبر الحدود بين مصر وقطاع غزة للايحاء بأن مصر لاتبذل جهدا كافيا لضبط تلك الحدود‏,‏ ثم اخذت تلك المحاولات عدة اشكال في مقدمتها تصريحات اطلقها وزير الامن الداخلي الإسرائيلي أفي ديختر سواء في إسرائيل او خلال زياراته للولايات المتحدة تتهم مصر بغض الطرف عن عمليات التهريب ونقل عدد من اعضاء الكنيست الإسرائيلي لنظرائهم في الكونجرس الامريكي أو لمساعديهم عند زيارتهم إسرائيل معلومات مغلوطة مشابهة‏,‏ وتوجيه رئيس اللجنة الفرعية للدفاع ومكافحة الارهاب بالكنيست الإسرائيلي خطابا بذات المضمون الي عدد من اعضاء مجلس الشيوخ ومواصلة منظمة الايباك‏(‏ اللجنة الامريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة‏)‏ اتصالاتها ولقاءاتها مع اعضاء الكونجرس ومساعديهم بشكل مكثف وترديدها نفس المعلومات الخاطئة‏.‏
الموقف المصري:
أبلغت وزارة الخارجية والسفارة المصرية مسئولي الإدارة الامريكية واعضاء الكونجرس فور تمرير مجلس النواب نسخته من قانون العمليات الخارجية للعام المالي‏2008‏ رفض مصر المشروطية بكافة اشكالها ورفضها ربط برنامج المساعدات العسكرية واتاحة المبالغ المخصصة في إطاره بأية موضوعات او قضايا داخلية او اقليمية وحذرت من أن الابقاء علي لغة المشروطية في النسخة النهائية للقانون التي سيعتمدها الكونجرس من شأنه الإضرار بعلاقات الولايات المتحدة مع مصر‏.‏
ولفت الجانب المصري نظر الجانب الامريكي إلي ان برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر ومنذ بدايته له أهداف محددة ومتفق عليها‏,‏ وأن الغرض الرئيسي من البرنامج هو تحديث القوات المسلحة المصرية وتعزيز كفاءة قدراتها وتدعيم امكاناتها‏,‏ وبما يمكنها من المساهمة في الأمن والاستقرار في المنطقة‏,‏ وهو ما تمكنت بالفعل من القيام به علي اكمل وجه طوال السنوات الماضية مع استمرار جهود التحديث‏,‏ وبموازاة ذلك أجرت السفارة اتصالات مكثفة ومتواصلة بالإدارة الأمريكية‏(‏ مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع‏)‏ نقلت خلالها رفض مصر للغة المشروطية‏,‏ وأكدت ان اهداف برنامج المساعدات العسكرية لا علاقة لها بأية قضايا داخلية او تطورات اقليمية وحذرت من تداعيات هذه اللغة علي العلاقات الأمريكية المصرية‏.‏
كما أكدت ان حذف هذه اللغة من مشروع القانون إنما هو مسئولية الإدارة بالدرجة الأولي‏,‏ وأن مصر ستتعامل مع النسخة النهائية للقانون عند اعتمادها كقانون امريكي‏.‏
وقد تلقت السفارة في إطار تلك الاتصالات تأكيدات من المسئولين الأمريكيين برفض الإدارة للغة المشروطية‏,‏ وتقديرها لأهمية برنامج المساعدات العسكرية لمصر‏,‏ وحرصها علي عدم التعرض له علي النحو الذي جاء في نسخة مجلس النواب كما اكدت الإدارة انها ستتخذ جميع الخطوات الممكنة لنقل هذا الموقف الي اعضاء الكونجرس لحثهم علي حذف لغة المشروطية وإقرار طلب الإدارة لتخصيص المساعدات العسكرية لمصر علي النحو الذي تم تقديمه‏,‏ وقد قامت الإدارة الامريكية بالفعل بعدة خطوات علي هذا الصعيد‏,‏ أبرزها توجيه خطاب مشترك من وزيري الخارجية والدفاع في اكتوبر‏2007‏ الي رئيسة مجلس النواب وزعيم الاقلية بالمجلس ورؤساء لجان الاعتمادات والشئون الخارجية بمجلسي النواب والشيوخ ونظرائهم من جانب المعارضة لتأكيد رفض لغة المشروطية والمطالبة بحذفها‏,‏ والإشارة الي الدور الإيجابي الذي تقوم به مصر إقليميا‏,‏ وأهمية العلاقات المصرية الأمريكية وضرورة عدم المساس بها‏.‏
كما قامت الإدارة علي عدة مستويات بإجراء اتصالات مباشرة مع مختلف اعضاء الكونجرس لنقل ذات الرسالة‏,‏ وقام بعض مسئولي وزارتي الخارجية والدفاع بالالتقاء مع مساعدي العديد من اعضاء الكونجرس لاستعراض اهمية العلاقات الثنائية مع مصر ومساهمة برنامج المساعدات العسكرية في هذا الإطار والرد علي جميع استفساراتهم في هذا الإطار‏.‏
في نفس الوقت اجرت السفارة اتصالات عديدة مع غالبية اعضاء الكونجرس بمجلسيه المعنيين وبمساعديهم لإبراز خطورة تمرير هذه المشروطية والمطالبة بحذفها‏.‏ كما استعرضت السفارة في اتصالاتها جميع سياسات الاصلاح التي تتبناها مصر والجهود التي تبذلها في هذا الإطار موضحة أن ذلك ينطلق من الأولوية التي توليها مصر لهذه السياسات لأهميتها‏,‏ وانها لاترتبط بأية عوامل خارجية ولا تعتمد عليها‏.‏ كما استعرضت السفارة الوضع الحالي علي الحدود بين مصر وقطاع غزة والجهود المصرية لضبط تلك الحدود في ظل المصاعب المرتبطة بالأحوال القائمة حاليا في القطاع‏,‏ وفي هذا الإطار ايضا نظمت السفارة اجتماعا موسعا لعدد من مساعدي اعضاء الكونجرس تم خلاله تقديم عرض متكامل لجهود مصر لضبط الحدود مع قطاع غزة والرد علي كافة استفساراتهم كما واصلت السفارة بشكل اسبوعي موافاة مكاتب كافة اعضاء الكونجرس برسائل اسبوعية حول كل التطورات المرتبطة بمصر وجهود الإصلاح بمختلف جوانبه ودورها الإقليمي الساعي لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.