في 10 أغسطس 2014.. كانت دار أخبار اليوم.. أول وفد صحفي مصري أو أجنبي يزور موقع العمل في قناة السويس الجديدة.. بعد خمسة أيام من قيام الرئيس عبدالفتاح السيسي بالضغط على زر تفجير صخور ورمال سيناء إيذانا ببدء حفر القناة، بينما تتكاتف مع يده.. أيادي الأطفال.. لم تكن تفجيرا للصخور.. بقدر ما كانت "تفجير" إرادة المصريين.. الأقوى من صخور الجرانيت.. وأمل أطفال وشباب مصر في مستقبل بلدهم. بين تلال الرمال.. أتأمل في وجوه العمال "الهمة والأمل".. وداخلي تنتابني مشاعر متناقضة.. ما بين سعادة الإحساس بالثقة وإرادة الإنجاز.. وما بين موروث الإحباط الذي عشش في النفوس سنوات طويلة.. توارت خلالها روح الوطنية.. وغابت الثقة بالنفس.. ورضينا بالتعايش مع همومنا. وألفنا القبول بالتراجع.. والاعتياد على قول سائد "ليس في الإمكان أبدع مما كان".. وفي أحسن الأحوال.. إذا جاءت الفكرة وامتلكنا البدء والمبادرة في التنفيذ.. ما نلبث مع مرور الأيام.. أن نعود للتخاذل ويتوارى إحساس التفاؤل بحياة أحسن وانتفاضة أمة.. فعلنا ذلك بأنفسنا.. دون حتى أن ندرك.. أنه جهل منا.. أو عمد بضغوط وغياب رؤية.. أو مؤامرة علينا.. وفي اعتقادي أن الأخيرة.. هي الحقيقة.. المؤامرة.. التي كانت.. ومازالت. عقب الزيارة.. كتبت عن الروح الجديدة.. طارداً من ذهني أي موروث يدعو للتخاذل.. ورفضت مشاعري الإحساس بأي إحباط.. مرددا.. لا.. الشعب المصري قادر على أن يفعلها.. وانتصاره وعطاؤه.. بعد أي كبوة وغفلة.. سجلته صفحات التاريخ.. وعادت بي الذاكرة للأيام القلائل الأولى من نصر أكتوبر 1973.. عندما صرخت جولدامائير رئيسة وزراء إسرائيل عبر الهاتف في وجه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون "الحقونا.. عملها المصريون.. عبروا القناة.. دمروا خط بارليف.. يتقدمون في سيناء.. إنجدونا بالمساعدات والسلاح قبل أن يصلوا إلى تل أبيب.. إنقذونا قبل تدمير إسرائيل". نعم.. المصريون قادرون.. وعملوها بتحقيق معجزة انتصارات أكتوبر بعد سنوات من اليأس والانكسار..
في 27 يوليو 2015.. كانت دار أخبار اليوم أيضا أول وفد صحفي يبحر في القناة الجديدة بعد 48 ساعة من نجاح تجربة عبور قوافل السفن.. وقبل عشرة أيام من الافتتاح الرسمي للقناة.. حرارة الهواء تلفح الوجوه بينما نسيم الافتخار والسعادة يثلج القلوب. فعلها المصريون.. تتداخل الأصوات.. وتتلهف النظرات من وسط المياه تريد أن تلمس كل شيء حدث.. وأحدث تغييراً في جغرافيا المكان.. ويقتحم الخاطر.. نابليون بونابرت عندما قال عام 1798.. تعبيرا عن أمنيته في حفر القناة الأم "لو نجحنا في هذه المهمة سوف يسجلها التاريخ".. وهيرتزل الأب الروحي ومؤسس إسرائيل عندما قال في مذكراته عام 1898 "في بورسعيد.. وقفت أتأمل قنال السويس.. ذلك الخط المتلألئ من الماء الذي يبدو وكأنه يمتد إلى اللانهاية.. على الإنسان أن يعجب بالرغبة والإرادة الهائلة التي استطاعت التنفيذ.. فالعالم.. يعرف اليوم ما لم يكن يعرفه من قبل".. بونابرت كان استعماريا يعمل لصالح نفوذ إمبراطوريته.. وهيرتزل كان شيطانا يبحث لليهود عن موطئ قدم في العالم.. وزيارته لسيناء حينها.. لم تكن إلا لغرض استعماري بإقامة إسرائيل على ضفاف قناة السويس. الاستشهاد بقول أو شهادة مستعمر أو عدو تعبر عن إعجاب لغوي.. ولكن تكشف عن حقد.. وعدوان.. وتآمر.. وحزن على قدرتنا على الفعل.. وهو ما كان حالنا مع قناة السويس الأم على مدار التاريخ.. كانت مطمعا.. وهدفا لاستعمار مصر.. منذ ضربة أول معول لفأس في القناة الأم في 25 إبريل 1859.. وكانت تهديدا بحرب بين بريطانيا وفرنسا والنمسا.. من يملك القناة.. ويحكم مصر والمنطقة.. ويتحكم في حركة العالم بين الشرق والغرب.. ولكن القناة أيضا مع توالي الحروب والمؤامرات علينا كانت ودائما في نفوسنا أنشودة لأمجاد المصريين ومقبرة للغزاة.
سيناريو التاريخ يعيد نفسه.. شق المصريين لقناة جديدة.. ما هو إلا شق في نفوس المتآمرين.. في ظروف منطقة تموج فيها ساحات العربدة لقوى إقليمية ودولية.. لا يهمهم قناة تدر أموالا علينا.. ولا استثماراً يغنينا.. ولكن رعبهم الحقيقي.. حتى لو ابتسموا بالمجاملة.. تجسيد إنجاز القناة لقدرة دولة انتفضت وإرادة شعب عادت ثائرة تنمية ووطنية.. ولن يسمح بالعبث بمقدرات بلاده.. أصابت هؤلاء خيبة الأمل الكبيرة الكاسرة.. بعد أن أزاح المصريون حكما إرهابيا استخدموه بالتواطؤ والعمالة لتنفيذ مخططهم في مصر والمنطقة.. ولم تثنهم خيبة الأمل من استمرار محاولات هدم مصر.. بعمليات إرهابية وإثارة الفتن.. توهموا للمرة الثانية.. إن ذلك سوف يعوق مصر على امتلاك إرادتها.. أو صحوة شعبها.. وخاصة إننا كنا نعيش ظروفا اقتصادية بالكاد توفر للشعب احتياجاته الأساسية للحياة.. ويخيب ظنهم بإنجاز لا يملكون إلا التعبير عن إعجابهم به.. حتى لو كان بمعناه اللغوي.. وثقة منهم أيضا.. ان الإنجاز مصلحة مشتركة.. للمصريين والعالم.. وسواء رضوا أم أبوا.. استكمالا لمسيرة عطاء المصريين للإنسانية والوجود منذ آلاف السنين.. وقبل وجود دولهم على خريطة الدنيا.
إذا كانت عبقرية التاريخ وجغرافية المكان.. تجعل من مصر مطمعا في عصور الاستعمار.. والهيمنة والنفوذ في عصرنا الحديث.. فإن استنفار إرادة المصريين هي الصخرة لكسر كل الأطماع والمحاولات.. نعم محاولات المؤامرات التي لاتزال تبحث عن الثغرة أو لحظات الضعف والتهاون أو التكاسل.. أو خمود العزيمة وتواري الروح الوطنية. هذه هي كلمة السر التي امتلك مفاتيحها الرئيس عبدالفتاح السيسي "إرادة شعب".. لو امتلك السيسي مليارات الدولارات لتحسين الصورة أو إحياء إرادة الأمة "كما تفعل الإمارة القطرية".. ما استطاع.. ولكنه الصدق مع الله والنفس والشعب "الحبل السري" قادر على صنع المعجزات من جديد مهما كانت المعوقات الداخلية والمؤامرات الخارجية.. كلمات الرجل.. وعوده.. أفعاله.. كانت أضواء إنارة الطريق.. ليسير الجميع معا.. قال.. لن أفعل وحدي.. معا.. سنفعل.. قال.. لو امتلك مائة مليار دولار لتبرعت بها لبناء بلدي.. قال: أتمنى أن أكون شهيداً فداء لمصر.. قال: إن شاء الله حنقدر نغير مصر.. ونسابق الزمن لتنفيذ ما نريد لرخاء مصر وراحة المواطنين الغلابة.. مسترسلا.. حنقدر علشان احنا عاوزين الخير وربنا بيساعد اللي عايز الخير.. وعندما تهتف الجماهير في أي مناسبة "يحيا السيسي".. يرد الهتاف "تحيا مصر".
كل هذا تجسد بالفعل والعمل في واقع حياتنا.. بإنجاز وافتتاح قناة السويس الجديدة.. ها هم المصريون قادمون ليسطروا من جديد ملاحم العطاء والعمل والتقدم لأنفسهم وللعالم من حولهم.. هذا هو الإنجاز الحقيقي.. المعنى والرمز.. والقوة الحقيقية دولة وشعب.. نفض الغبار.. واستعاد ثقته.. وامتلك إرادته.. وهب لبناء وطنه.. يداً بيد مع قيادته وجيشه.. حامي أراضيها وباني عمرانها.. شعب.. التهب حماسه واشتعل عشق وطنه.. فلم تدهشنا سيدة فقيرة عجوز تتبرع "بقرطها" لصندوق تحيا مصر.. ولم نستغرب آلاف المصريين الذين اصطفوا طوابير في البنوك لتوفير أموال حفر القناة.. قالوا نريد التعبير بالفعل عن ثقتنا في رئيس يتقدم المسيرة.. ونريدها قناة وطنية خالصة.. بالأرض.. والفكرة.. والتمويل وسواعد المصريين في التنفيذ، ليضيفوا مجدا جديداً.. فعلوا كل ذلك بحماس وتلقائية.. دون أن يكون في مخزونهم الفكري.. أن أجدادهم الفراعنة شقوا القناة الأم منذ آلاف السنين ودون أن يعوا أن إعادة شقها عندما كانت مشروع القرن ال 19 جاءت بفكرة استعمارية.. وحكم مصر تابع لإمبراطورية.. وبإدارة أجنبية.. وبعائد أموال لجيوب اللوردات والبارونات الأجانب. نسى المصريون ما قاله ديليسبس لهؤلاء مع بدء حفر القناة "كل منكم سيضرب معولا.. لتحقيق الرخاء لعائلاتكم وبلادكم والأجيال القادمة من أبنائكم".. وإذا كان الرئيس جمال عبدالناصر قد أعاد الحق لأصحابه رداً على مؤامرات إضعاف مصر والقضاء عليها، فإن الرئيس السيسي بعشقه لشعبه ووطنه وبقدر قامة بلده.. يفتتح القناة الجديدة الخميس القادم.. كشريان حياة وخير للمصريين وللأجيال القادمة منهم.. وخدمة للعالم.. وخير للإنسانية.
هذه هي مصر ترسم ملامح مستقبلها بمشروع القرن الواحد والعشرين وها هو العالم.. يتعرف على الإنسان المصري الجديد. لم يعد يتغنى بأمجاد حضارة 7 آلاف عام.. أو انتصارات أحمس والظاهر بيبرس.. وسط ركام العقبات.. وتدبير المؤامرات.. أنشأنا السد العالي.. وأذهلنا العالم بانتصار أكتوبر 73.. وحفرنا قناة السويس 2015.. والله.. وعملوها الرجالة.. فعلها المصريون.. يغيرون أحداث التاريخ ويضيفون إلى سجلاتهم الحافلة بالعطاء لمسيرة الإنسانية. نقلا عن جريدة أخبار اليوم