كثيرة هي الكتب التي ألفت عن شخصية صلاح الدين الأيوبي، والتي دار أغلبها حول الحديث عن سيرة البطل الذي حرر بيت المقدس من الصليبيين، وناجزهم في عدة مواقع كتب له النصر في عدد كبير منها، وانتهى بعضها بالصلح، ليدخل التاريخ باعتباره الفاتح الثاني لبيت المقدس. لكن حياة صلاح الدين الأيوبي في الحقيقة حفلت بالمتناقضات، صحيح أنه اشتهر بسبب طرده للصليبيين من القدس وصار أقوى رجل في الدولة الإسلامية، ولكنه على الرغم من ذلك مات مفلسا دون أن يترك المال الكافي لشراء كفنه.
في كتابه الجديد «صلاح الدين وإعادة إحياء المذهب السني»، الصادر حديثا عن دار (بلومزبري مؤسسة قطر للنشر)، يكشف المؤلف الدكتور عبد الرحمن عزام عن القصة الخلابة والمركبة لشخصية صلاح الدين الحقيقية ليضعه في سياق تاريخي، خلفيته إحياء المذهب السني في القرن الحادي عشر، والذي شكل نهضة فكرية كاسحة قوية كفلت في النهاية تغيير كل مجالات الفكر الإسلامي.
الكتاب، وبحسب جريدة "إدنبره إيفننج نيوز" البريطانية، ليس استعراضا شاملا لحياة صلاح الدين فقط، بل للعصر الذي عاش فيه أيضا، ففي هذه السيرة العميقة التي يترجمها لأول مرة إلى اللغة العربية المؤرخ القدير والمترجم المتمكن الدكتور قاسم عبده قاسم، يكشف عبد الرحمن عزام عن صلاح الدين الحقيقي الذي لم يكن مجرد قائد عسكري فذ وبارز فقط، بل قائدا ذا عظمة فعلية تكمن أيضا في رؤيته السياسية والروحية.
يقع الكتاب في 320 صفحة من القطع المتوسط، وينتظم 15 فصلا، مسبوقة بمقدمة وجيزة، وكشاف بالأسماء التاريخية الواردة بالكتاب، مع خريطة تفصيلية لمملكة بيت المقدس (1099-1187م)، واستهلال تمهيدي بعنوان (الفصل بين الرجل والأسطورة).
يدرس المؤلف في الفصلين الأولين من الكتاب، المهاد التاريخي لظهور صلاح الدين، ويكشف عن خلفية المسرح السياسي للعالم الإسلامي الذي شهد البدايات الحقيقية لأفول الخلافة العباسية السنية، واشتعال المنازعات بين قسيمي العالم الإسلامي، السنة والشيعة، وبزوغ الإحياء السني أو الاتجاه إلى بناء مذهب سني جديد، سيكون صلاح الدين فيما بعد أحد أهم مرسخيه والداعين إليه، والمثبتين لدعائمه وأركانه.
وعبر ثمانية فصول شائقة وشديدة الجاذبية، وهي الفصول من الثالث وحتى العاشر، يستعرض المؤلف سيرة صلاح الدين منذ نشأته الأولى وظهوره شابا قويا مساعدا لوالده يوسف بن أيوب، وعمه أسد الدين شيركوه، وخائضا معهما كفاحهما ضد الصليبيين تحت قيادة نور الدين محمود، ودخوله إلى مصر أواخر العصر الفاطمي، وذبول الدولة الفاطمية التي كانت في دور الاحتضار، لتنتهي هذه المرحلة بظهور نجم صلاح الدين وتوليه حكم مصر وتوطيد سلطته بها، والقضاء على المذهب الشيعي الفاطمي، وإحلال المذهب السني محله، ليستعد بعدها لخوض مواجهاته مع الصليبيين في الشام وفلسطين.
في الفصول الخمسة الأخيرة، يتتبع المؤلف الجولات والمعارك التي واجه فيها صلاح الدين الصليبيين منذ موقعة حطين، التي حقق فيها انتصارا كاسحا، يمكنه من دخول بيت المقدس ظافرا ومحررا ومنهيا الحكم الصليبي في مملكة بيت المقدس، مرورا بالمواجهات التي جرت بينه وبين ريتشارد قلب الأسد، والمفاوضات التي أعقبها توقيع صلح الرملة ورحيل ريتشارد عن بلاد المسلمين والعرب، وتنتهي السيرة بتتبع صلاح الدين في أيامه الأخيرة، ثم وفاته التي أثارت مشاعر جماهير العالم الإسلامي، وخصوصا في مصر والشام، تجاه صلاح الدين.
مؤلف الكتاب، الدكتور عبد الرحمن عزام، درس بجامعة أكسفورد ووفرت له خلفيته العلمية القدرة على الوصول إلى المصادر العربية والغربية على السواء ليقدم لنا نظرة متمكنة وفريدة على صلاح الدين والعالم الإسلامي خلال تلك الفترة.