لم يكن قد مضى على نجاح ثورة يوليو بضعة أشهر، إلا وهددتها شائعات راحت تضرب بقوة خفية، دون أن يضبطها أحد، وشعر عبد الناصر بخطورة تلك الشائعات حين وصلت إلى أسماعه شائعة من العيار الثقيل، تقول إن زوجة عبد المنعم أمين من الضباط الأحرار تشيع فى جلساتها الخاصة أن الجيش على يمينها، وأن البوليس على شمالها، وأنها تأمر فتطاع. وقد أثارت هذه الشائعة حفيظة عدد كبير من الضباط، وأعلنوا غضبهم وتمردهم.
لم يستسغ عبد الناصر الشائعة، وتوتر جدا منها، خصوصا أنه يدرك أن النساء هن مقتل الثورات.
فى الوقت نفسه كشف انقلاب ضباط المدفعية على ثوار يوليو فى يناير 1953 أن الحكام الجدد يفتقرون تماما إلى المعلومات.
وكان عبد الناصر يؤمن بعبارة شاعت إبان الحرب العالمية الثانية لكاتب ألمانى يهودى الديانة هاجر إلى الولاياتالمتحدة هروبا من الاضطهاد النازى اسمه «شارل بروتس ستاينس»، تقول العبارة «سيأتى عصر للأمم الصغيرة المستقلة، يكون أول خط دفاعى لها هو المعرفة».
وعلى الفور استدعى عبد الناصر ثمانية من الضباط الأحرار إلى مكتبه وهم: سعد عفرة، وكمال رفعت، وفريد طولان، ومحمود عبد الناصر، وأحمد عبد الله كفافى، ومصطفى المستكاوى، وعبد القادر حاتم، وفتحى الديب.
وقال لهم «ليس لنا حزب، إحنا ناس قمنا بثورة، ولازم ندافع عن أنفسنا، وحتى الآن لا إحنا عارفين ندافع عن أنفسنا ولا نحمى الثورة، عايز أقول لكم إننا فى حاجة إلى جهاز مخابرات، وأنتم مكلفون بذلك».
وكان رأى عبد الناصر أن يكون عدد أعضاء الجهاز محدودا «لا أريد عددا كبيرا، مش عايز الكلام يتنطور، ولازم يبقى فيه تدريبات شديدة على الكتمان».
كانت المهمة شاقة للغاية، مولود جديد عليه أن يعيش فى عالم الكبار المتمرسين، يتعلم لغتهم، وألاعيبهم، وفنونهم، وأساليبهم، وطرق تفكيرهم المعقدة، وأيضا يتصارع معهم.
لم تكن تلك هى الصعوبة فى تأسيس أول جهاز مخابرات مصرى منظم وحديث، فالضباط الشبان الثمانية كانوا محملين بإرث تاريخى حرمهم من أى خبرات ممكن أن تفتح أمامهم أبواب المجهول، أو تقودهم إلى مفاتيح لإجابات عن أسئلة لم يسمعوا بها من قبل، أو أن معلوماتهم عنها ضئيلة: كيف تتكون هذه الأجهزة؟ ما هيكلها التنظيمى؟ ما أقسامها؟ وكيف يدور دولاب العمل اليومى بها؟!
قبل الثورة كان يستحيل على مصر تحت الاحتلال البريطانى أن يكون لها أى جهاز مخابرات، وقسمت الأعمال القليلة المتعلقة بالأنشطة السرية بين المخابرات الحربية فى الجانب العسكرى، والبوليس السياسى التابع لوزارة الداخلية فى الجوانب المدنية.
كانت المخابرات الحربية أشبه بوحدة بدائية لا يزيد عدد أفرادها على 15 ضابطا، بعضهم كان على صلة بالضباط الأحرار مثل عبد المنعم النجار وسعد الدين توفيق وعلى صبرى.
ولم يكن أمام مصر خيار إلا طلب العون على استحياء من بعض الدول الصديقة، وجهزت فريقا من ضباط شبان مختارين بعناية، أرسلته إلى الخارج فى مهام سرية، فدرس وجرب وتعلم واحتك وعاد مكونا أول مكتبة مهمة عن أساليب العمل مع العملاء وأدوات مكافحة التجسس وملفات عن عدد غير قليل من العمليات المخابراتية التى تمت، خلال الحرب العالمية الثانية بالتفاصيل المملة، وجلبت مصر أيضا عددا من ضباط المخابرات الأجانب السابقين كتبوا خبراتهم التنظيمية والعملية والعمليات التى اشتركوا فيها.
لكن عبد الناصر لم يصبر طويلا على مرور الجهاز بمرحلة التكوين الضرورية، وتحرك هو على الفور، إذ بعد مقابلته مع الضباط الثمانية الذين كلفهم بالتأسيس، استدعى الضابط فتحى الديب بعد أيام إلى مدرسة الشؤون المعنوية، وطلب منه عمل خطة شؤون عربية، وقال له «إذا لم يستقل العالم العربى ورانا، لن نقدر على تحرير بلادنا، ولن ننجح لا ضد الاحتلال البريطانى ولا ضد إسرائيل».
كان عبد الناصر تعوزه معرفة شاملة بتفاصيل أحوال العرب، وكانت تحركه بوصلته الداخلية ووعيه وثقافته وفهمه للمنطقة إلى جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن العرب، دولا وأنظمة حكم وأحوالا سياسية وأوضاعا اقتصادية وتطورات اجتماعية، فالمنطقة ستصبح ملعبه وعالمه الأثير ومركز قوته ونقطة ضعفه أيضا التى يستغلها خصومه فى نصب الفخاخ له ولمصر.
وبعد أسبوع تقريبا عاد الديب إلى عبد الناصر ومعه ورقتان مكتوبتان بخط يده، باسم المستند رقم واحد على الطرف الأيمن العلوى من الورقة الأولى، وعبارة «سرى جدا» على الطرف الأيسر، وتحتهما فى الوسط عنوان بارز: خطة العمل المقترحة لفرع الشؤون العربية.. وكانت الخطة مكونة من سبعة بنود.
وكان فرع الشؤون العربية هو أول أقسام جهاز المخابرات الجديد، الذى اتخذ من المدرسة الثانوية العسكرية بمصر الجديدة أول مقر له، ثم انتقل إلى مبنى رئاسة الوزارة فى ثلاثة أدوار، حين أصبح عبد الناصر رئيسا للحكومة، والمبنى له مدخلان: أمامى وخلفى، وكان الباب الأمامى مخصصا للحكومة.
وكانت أول مهمة للقسم العربى هى استكشاف الأرض والبشر، وجاب فتحى الديب المنطقة متنكرا فى جولات متتالية شرقا وغربا، من حافة الخليج العربى المطلة على الكتلة الآسيوية الساخنة إلى جبال طوروس المغربية التى تشرف على المحيط الأطلنطى، يجمع المعلومات عن القوى السياسية والعائلات المسيطرة، والأحزاب، ويجس النبض ويستشرف نوعية الأصدقاء والموالين والدراويش والمغامرين والخصوم والأعداء والمحايدين والخائفين، وكلها كتبت فى تقارير رفعت إلى عبد الناصر، ووضعت فى الأضابير تترقب لحظة الاستخدام الأمثل، وكانت بمثابة بنك المعرفة الذى سحب الجهاز من أرصدته ما يلزم لمساعدة ثورة الجزائر على الاستقلال من الاستعمار الفرنسى، وثورة اليمن على الإمام الأمثولة على الجاهلية فى القرن العشرين، وثورة العراق على الخيانة والارتماء فى أحضان الغرب بلا قيد أو شرط، وثورة عدن على الإمبراطورية البريطانية العجوز، وثورة إيران ضد عائلة بهلوى والاستغلال الأمريكى للثروة الإيرانية.
المهم أن الجهاز الوليد بالصبر والتعلم والخطأ والنهوض والسقوط وقف على قدميه، واستطاع المشى تحت إشراف زكريا محيى الدين، فهو أكثر خبرة بمسائل الأمن وتشكلت صورته فى أذهان الآخرين على هيئة الرجل الخطير الصامت، فكان زملاؤه يطلقون عليه لقب «بريا» وهو رجل الأمن السوفييتى الرهيب فى عصر ستالين.. وقد اكتسب زكريا لقبه خلال محاكمات ضباط المدفعية المتهمين بالانقلاب ضد الثورة، إذ كان يحقق معهم فى حجرة خافتة الأضواء، وأمامه مسدس فوهته تجاه الجالس قبالته.
وتولى على صبرى رئاسة الجهاز اسما، ثم فعليا بعد أن تفرغ زكريا محيى الدين لوزارة الداخلية، وكان على صبرى قد سبق له وسافر فى بعثة إلى الولاياتالمتحدة لدراسة علوم المخابرات الحربية، وبصفة خاصة مخابرات الطيران، وعند عودته عين مسؤولا عن فرع الطيران فى المخابرات الحربية المصرية. لكن فضيحة «لافون» أو عملية سوزانا فى عام 1954 كشفت لعبد الناصر عن عيوب خطيرة فى الجهاز. وعملية سوزانا، هى شبكة تجسس وتخريب إسرائيلية لم تعرف مصر عنها شيئا، وعانت من أعمالها على مدى عشرين يوما من الانفجارات فى: ثلاثة صناديق بريد، المركز الثقافى الأمريكى بالقاهرة والإسكندرية، سينما أمير بالإسكندرية، دارى سينما ريفولى وراديو، محطة مصر، ثم انفضحت الشبكة بمصادفة مذهلة، وقال عبد الناصر «لا يمكن الاعتماد على المصادفات فى حماية أمن مصر». فى الوقت نفسه استعر لهيب الخلافات بين على صبرى رئيس الجهاز والضباط الثمانية المؤسسين، بسبب انفراد على صبرى بالقرارات متمتعا بسلطات رئيس الجمهورية، وأمسكت النيران بالعلاقات والأعمال، وأوشك دخانها على خنق الجهاز وإفساد نموه، فقرر عبد الناصر البحث عن رئيس جديد، فوجد ضالته فى صلاح نصر، أهم مسؤول فى تاريخ الجهاز، إذ أحدث به نقلة نوعية هائلة فى سنوات قليلة، وأيضا كان أكثر من أساؤوا إلى سمعته!
وقد تسلم صلاح نصر مهام منصبه فى مايو 1957، وأطلقت يده فى ترتيب الجهاز وإعادة تنظيمه، وكانت أكثر المشكلات التى عنى بها وأولاها اهتمامه هى نقص الخبرات البشرية، وعلى الفور اتصل بنفسه برؤساء بعض أجهزة المخابرات الشرقية والغربية، ونقل عنهم الخبرات التى سمحوا بها، وأرسل إليهم عددا محدودا من كبار الشخصيات بالجهاز الموثوق بهم جدا، يتعلمون هناك ويعودون كأساتذة ينقلون خبراتهم ومعارفهم إلى الضباط الصغار.
وخاض الجهاز معركة أخرى يمكن أن نسميها معركة التكنولوجيا الحديثة والمساعدات الفنية، مثل معدات الشفرة وحلها وحفظ المعلومات والتنصت والتعقب والإرسال والاستقبال.. إلخ.
ورسم صلاح نصر تصورا عن هيكل المخابرات المصرية اجتهد على تنفيذه، وحدد مهمته فى نظام مخابرات سياسية واقتصادية يعمل على نمط مؤسسات البحث العلمى والاتصال، فى جمع المعلومات وتحليلها وتبويبها ووضعها أمام صاحب القرار فى التوقيت المناسب، وكان هذا الهيكل أقرب إلى شكل المخابرات الأمريكية «سى.آى إيه».