فى يوم 28 يناير 2011 «جمعة الغضب» تلاقى الثوار على كوبرى قصر النيل الذى شهد المعركة الخالدة بين المتظاهرين الثوار القادمين من مناطق الجيزة المختلفة ومساجدها وشوارعها وأحيائها الشعبية وبين قوات الأمن المركزى وقوات مبارك والعادلى لمنع هؤلاء من التوجه إلى ميدان التحرير، وجرت المعركة التى استمرت ساعات ما قبل عصر ذلك اليوم حتى انهيار قوات الأمن وانسحابها، وبدأ سيناريو الانفلات الأمنى الذى أداه رجال العادلى ورجال مبارك بامتياز وما زال تأثيره موجودا حتى الآن. فى هذا اليوم تفرق الأصدقاء والذين خرجوا معا من مكان واحد أو مسجد واحد بعد أداء صلاة الجمعة والْتقى فيه أيضا أصدقاء دون موعد، وقد التقيت فى هذا اليوم وعلى كوبرى قصر النيل بصديق لم أكن أقابله منذ فترة طويلة، وقال لى: انظر وراءك.. إنه صديقنا فلان الذى يعمل فى مكتب وزير الخارجية، ومعه أيضا آخر يعمل فى البنك المركزى، وآخر الطبيب الشاب الواعد والمستشار فلان الفلانى القاضى المعروف باستقلاليته، ناهيك بالمخرج الذى يحظى بجوائز فى مهرجانات محلية ودولية ومجموعة من الممثلين الشباب الواعدين والإعلاميين والصحفيين المستقلين.. كل هؤلاء كانوا فى يوم 28 يناير «جمعة الغضب» وشاركوا منذ بداية الثورة يوم الثلاثاء 25 يناير، تجمعوا أمام دار القضاء العالى، واتجهوا فى مسارات مختلفة فى شوارع وسط القاهرة وأمام التليفزيون والحزب الوطنى «الذى تم حرقه بعد ذلك» وكورنيش النيل وشوارع بولاق ليكتمل الجمع فى ميدان التحرير. هؤلاء من الطبقة المتوسطة التى هى نتاج ثورة يوليو بتعليمها المجانى التى جعلت من حق أى كائن على هذه الأرض أن يتعلم مجانا إلى أقصى درجات التعليم، وهو الأمر الذى استفاد به أيضا الرئيس محمد مرسى، فتعليمه حتى بعثته إلى الخارج فى أمريكا كان تعليما مجانيا ونتاجا لثورة يوليو، فقد كان من أسرة متوسطة الحال، واعتمدت فى معيشتها بعد ذلك على أراضى الإصلاح الزراعى التى ما زالت معهم حتى الآن. وقد حاول نظام مبارك ومن قبله السادات القضاء على تلك الطبقة المتوسطة التى استطاعت أن تنتقل إليها من الطبقة الدنيا من خلال التعليم الذى وفرته ثورة يوليو لكل الشعب المصرى من خلال تشجيع طبقة جديدة لا صلة ولا أصل لها فى المجتمع تقوم على «السمسرة» والنفاق للسلطة. وأصبح كل شىء على أيديهم قابلا للسمسرة حتى فى التعليم.. وقد شجعوا على إقامة التعليم الخاص دون أى دراسة ليتحول فى النهاية إلى تجارة، وكان يحصل النظام وعصابته على نسبتهم من هذه التجارة الجديدة. لقد استطاعت ثورة يوليو القضاء على الاستعمار وأعوانه، ولكن أعوانه عادوا بطريقة أخرى وكانوا فى رأس النظام نفسه من أجل أن يستمروا فى كرسى الحكم ويورِّثوه لأبنائهم. واستطاعت ثورة يوليو تصفية الإقطاع الذى كان يملك أراضى واسعة جدا، وتم توزيع الأراضى على الفلاحين والفقراء فى مشروع عظيم اسمه الإصلاح الزراعى، ولكن النظام المخلوع جاء ليعيد الإقطاع مرة أخرى على حساب الفقراء والمحتاجين، حيث وزّع أراضى الدولة على رجال أعماله بتراب الفلوس، الذين تاجروا فيها بعد ذلك وحصلوا على مليارات، سواء من أسعار الأراضى «بعد تسقيعها» أو المنتجعات التى بنوها للأغنياء فقط. استطاعت ثورة يوليو وضع حد لسيطرة رأس المال على الحكم، لكن جاء مبارك وأعاد مع ابنه جمال سيطرة رأس المال على الحكم ووجدنا أحمد عز ورجال أعماله يسيطرون على كل شىء فى البلد. استطاعت ثورة يوليو أن تحقق العدالة الاجتماعية إلى حد كبير، لكن جاء مبارك ليقضى على هذه العدالة ويرعى الأغنياء على حساب الفقراء. استطاعت ثورة يوليو إنشاء جيش وطنى، ولكنها لم تستطع أن تنشئ نظاما ديمقراطيا فخرجت جماهير نتاج ثورة يوليو فى ثورة يناير تطالب بالحرية والكرامة.. لكن كما فعل مستشارو السوء وترزية القوانين فى ثورة يوليو نجد مستشارى السوء أيضا يقدمون استشاراتهم القانونية والدستورية على مستوى الأهواء لا من أجل مستقبل الأمة التى ضحّت كثيرا من أجل الحرية والديمقراطية والمجتمع المدنى الحديث. وسيظل فى النهاية ارتباط عضوى بين 23 يوليو 1952 و25 يناير 2011.