تخيّل مشاعرك عندما يصاب طفلك بارتفاع في درجة الحرارة أو بنزلة شعبية.. تخيّل جهازك العصبي الذي يبدأ في الرعب وأطرافك الثلجية خوفا على ما قد يصيب طفلك من أذى.. تخيّل كل لحظة تتمنى فيها لو أنك المصاب حتى ترفع عنه أي ألم ولو صغير.. تخيّل كل هذا حين تقرأ خبر وفاة 51 طفلا ودّعهم أهاليهم في الصباح للمدارس من أجل "مستقبل" أفضل! تخيّل مشاعر هؤلاء الفتية والفتيات في الصباح الباكر.. من كان يرغب في مزيد من ساعات النوم واستيقظ بالإكراه.. من يحمل هم عدم أدائه لواجب العربي والتأنيب الذي سوف يتلقاه.. من يحلم بنهاية الأسبوع حيث عيد ميلاده واجتماعه بأقاربه ليأكلوا الحلوى..
ثم تخيّل مشاعرهم حين يسمعون نفير القطار القادم ناحيتهم بسرعة.. ومشهده يقترب شيئا فشيئا في عيونهم الصغيرة التي لا تستوعب ما يحدث.. هل هو كابوس الليلة الماضية لم ينته بعد؟! هل هذا حقيقي؟! هل صوت الاصطدام هذا حقيقي؟! ما كل هذا الألم الشديد؟! في الكوابيس لا نشعر بالألم.. أو نستيقظ قبل الشعور به.. في الكوابيس لا تنساب الدماء منك لتغرق كراستك وواجبك.. تبا؛ ستلومني المعلمة على هذا التلوث.. لقد قارب الكابوس أخيرا على الانتهاء.. لم أعد أشعر بالألم.. لكن أخي لا زال في كابوسه الخاص يتألم.. لا بأس يا أخي.. سينتهي كل ذلك في لحظات.. فقط أغمض عينيك وسأنتظرك في الجانب الآخر.. نروي هذا الكابوس الشنيع للجميع.
لا أعلم ما ينبغي أن يُكتب.. المشاعر تطغى على كل فكرة.. لا شيء سوى رغبة عارمة في البكاء.. لا شيء سوى تخيّل مشاعر أم في هذا الموقف.. كيف تستطيع الحفاظ على عقلها في مكانه بعد تلقي صدمة كهذه؟! كيف تتخيل ابنها في مثل هذا المشهد وتبقى على سواء عقلها بعدها؟!
لماذا الفقراء هم من يدفع الثمن دوما؟! لماذا لا يتم وقف هذا الإهمال؟! لماذا الإصرار الدائم على ترخيصنا لنصل إلى أحط درجات الإنسانية.. أربعة آلاف من الجنيهات تُلقى للأهل وهذا قضاء وقدر.. ثم نظرة من نوع "خلصونا بقى" لنلتفت لما هو أهم.
نعم.. فهناك قائمة بدأنا فيها للتو: غلق المواقع الإباحية، غلق المحال مبكرا، تأمين مواكب صلاة الرئيس الأسبوعية.
ثم تأتي الأمور الأكثر فرعية من اهتمام بتعليم وصحة وأمن المواطن وكرامته.. التي خرج ثائرا من أجلها.
والمثير للغضب لأقصى الحدود أن أعداد القتلى زادت لأنهم لم يجدوا العلاج الكافي في مستشفيات الدولة.. وهو ما صرّح به مدير مستشفى أسيوط مناديا ومتوسلا لصيدليات الجمهورية إرسال كمية وافرة من محلول بيكربونات الصوديوم تعويضا لما فقده الضحايا من دماء.. إهانة واستهانة بنا لم يسبق لها حدود..
في أمريكا "العلمانية دولة الكفر" التي فرح فيها البعض وقت الإعصار معتبرينه من علامات سخط الله عليهم ورضاه عنا حتى يخلصنا منهم.. مات منهم 3 أفراد.. في إعصار مدمر.. لكنهم عرفوا بأمره مسبقا وتعاملوا مع الأمر كما ينبغي أن يتم التعامل مع أناس انتخبوك لتجعل لحياتهم قيمة..
حتى في الحرب الأخيرة على غزة.. مات 25 فقط.. أما في حروبنا اليومية من أجل استمرار الحياة يموت العشرات.. ثم يظهر المسئول يقوم بالدور المحفوظ الرتيب.. العزاء.. الشريطة السوداء.. ثم الضربة القاضية المهينة بصرف بضعة جنيهات مقابل أطفالك..
لن أتحدث عن الفساد الذي كان أولى تطهيره وإغلاق أبوابه بدلا من إغلاق قناة فضائية أو موقع إباحي.. لن أتحدث عن قوافل العلاج المرسلة إلى غزة في حين أن مستشفياتنا مجرد لافتة خارجية.. لن أتحدث عن تجارة البعض بالموقف والرغبة في عودة البرلمان حتى ولو على حساب دماء الطفولة.. ولن أتحدث عن مجزرة بحر البقر التي قتلت ثلاثين طفلا بأيدي الاحتلال.. وأتى الإهمال ليقتل 51.. لن أتحدث عن من كان يهلل ويتأوه متابعا مباراة الأهلي وقت الحادث ليعيد إلى ذهنك كارثة عبارة السلام..
سأتحدث عن الشعار الذي أطلقه الشعب "الشعب يريد إسقاط النظام" هذا ما يريده الشعب.. لا فرص توظيفية لأهل الضحايا كمنحة من رئيس الحكومة.. ولا مبالغ الدنيا تعويضا عن حياة ساعده الله في إيجادها ورآها تنمو أمامه يوما بعد يوم.. ثم تتحول إلى بقع دماء طازجة على كراس..
الشعب يريد إنهاء كل هذا السخف والدونية.. يريد نسف النظام الفاسد.. لا يريد إقالة وزير ليحل محله آخر يعمل بنفس النظام.. يريد أن يعامل بكرامة.. بآدمية.. بأهمية.. يريد إسقاط نظام الرخص.. لأنه لن يحتمل المزيد..