في مثل هذا اليوم 10 يناير من العام الماضي رحل عن دنيانا المفكر المصري محمود أمين العالم إثر أزمة قلبية أودت بحياته عن عمر يناهز سبعة وثمانين عاما، وقد كان محمود العالم من أبرز قيادات اليسار المصري والحركة الشيوعية المصرية التي أثرت بعمق في الثقافة المصرية. ومن حوار سابق له مع صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية يحكي فيه عن تجربته يقول محمود العالم: "لقد انتسبت مبكرا للحزب الشيوعي المصري، وكنت منذ البداية مهموما بمصر حضارة وواقعا، أنظر إليها عبر التاريخ، وأعجب لحضورها القوي وشخصيتها الفذة، يتعاقب عليها المحتلون واحدا تلو الآخر فلا تهادن ولا تلين؛ من اليونانيين للرومان للفرس للأتراك والفرنسيين والإنجليز، وحاليا الأمريكان!! ثم يحكمها أبناؤها فيكرسون الظلم والاستبداد. وكانت بداية دخولي السجن تتمثل في أنني عُيّنت بالجامعة المصرية كمدرس مساعد وتم فصلي أنا ولويس عوض وآخرين بعد شهرين تقريبا بقرار من مجلس قيادة الثورة، ضمن حملة للقضاء على الشيوعيين من قبل النظام الناصري. وخرجت إلى الشارع وعملت بوظائف متواضعة للغاية، من ضمنها مخزنجي بأحد مخازن الكتب". ويضيف: "عملت بروزاليوسف وحدثت إثر ذلك حرب بورسعيد، ونزلنا إلى الشارع المصري بكل ثقلنا السياسي؛ مما مهد لحدوث اتصالات مع مكتب عبد الناصر. ولاحقا تم اعتقالي، أنا وآخرين، وتنقلت ما بين سجون القلعة والإسكندرية والواحات، وعذبنا كثيرا وضربنا ضرب الإبل!! واستشهد بعض زملائنا إبان التعذيب الذي كانت تمليه بواعث سياسية لا تعرف الرحمة ويقوم به جلادون مصريون للأسف!! عديمو الإحساس". وعن تجربته بعد الخروج من المعتقل يقول محمود العالم: "وعندما خرجت طلب مني السادات، ولم يكن رئيسا بعد، حل الحزب الشيوعي فرفضت رفضا قاطعا؛ فعدل مطلبه بعرض دخولنا ضمن الاتحاد الاشتراكي؛ فاعترضت على ذلك أيضا. واقترحت بدلا من ذلك، أن يدخل الحزب ضمن الاتحاد لكن دون حله وباسمه لتشكيل تحالف مع الأحزاب والقوى الأخرى ذات القواسم المشتركة فكريا وسياسيا، مع احتفاظ كل منها بشخصيتها المستقلة. ثم أعرب السادات عن رغبة النظام في أن أترك الحزب نهائيا وأعمل لدى السلطة، وهنالك انسحبت على الفور من الاجتماع معتبرا عرضه هذا إهانة شخصية ورجعت إلى بيتي مشيا على الأقدام". ويرى محمود العالم عصر جمال عبد الناصر أفضل من عصر السادات فيقول: "كلاهما ألقى بي في السجون؛ لكن فيما امتنع عبد الناصر عن ملاحقتي أو المساس بأسرتي، طرد السادات زوجتي من عملها بالتلفزيون لمجرد معارضتي لمعاهدة السلام التي عقدها مع إسرائيل واعتبارها خيانة بكل ما تعني الكلمة من معنى؛ بالرغم من أنني كنت خارج البلاد آنذاك، وكانت تنظر بأسى إلى جهاز التلفزيون بعد طردها؛ فيما سافرت زوجتي لبعثات متعددة إبان عهد عبد الناصر، وترقت في عملها وأنا في المعتقل! وكما كان عبد الناصر مخطئا كنا نحن أيضاً على خطأ في تقييمه". ولمحمود لعالم أكثر من 20 كتابا ومن أهم مؤلفاته "الإنسان موقف" و"معارك فكرية" و"هربرت ماكوزي و"فلسفة الطريق المسدود" و"الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي" و"تأملات في عالم نجيب محفوظ" و"ثلاثية الرفض والهزيمة دارسة في أدب صنع الله إبراهيم". محمود العالم سواء اختلفنا أو اتفقنا مع آرائه سيظل رمزاً بارزا ومفكراً عظيما أكد عبر رحلته في الحياة أن الإنسان في جوهره موقف، وأن هؤلاء الذين يتمسكون بمواقفهم يحتفظون بشموخ القامة في وجه العواصف والمحن، ويستحقون عن جدارة أن نتذكرهم إذا كنا نريد أن يسود مجتمعنا العدل والخير والحرية والسلام.