محمود المنياوي إن من يشاهد المجازر الحاصلة في سوريا الشقيقة يحزن كثيرا لما يحدث في هذا البلد العربي المسلم أولا، ويحزن مجددا باسم الإنسانية المنتهكة هناك بعيدا عن دين أو وطن أو أي انتماء آخر يجمعنا بالسوريين، فالحزن الشديد لكون العرب بعيدين تماما عن مفاتيح حل القضية السورية ويقفون كعادتهم موقف المتفرجين..
ولكن الأمر الأشد غرابة في الحالة السورية نراها تحدث بعيدا عن محيط القتل والقصف والمجازر من تخاذل المجتمع الدولي وضجيجه العالي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في الحالة السورية في حين أنه صمت نهائيا عما يحدث هناك في بورما؟؟ كما صمت من قبل عما حدث في البوسنة قبل أن يتدخل إنقاذا لماء وجه ما يسمى بالمجتمع الدولي وما يرفعه من شعارات عالمية لا يستفيد منها في الحقيقة إلا رافعوها بينما الشعوب الفقيرة البعيدة عن منصة القرار في المنظمات العالمية لا ناقة لها ولا جمل غير أنها تدخل في الصورة فقط لتجميلها والكذب على الشعوب باسمها.
وبعيدا عن تناقضات المجتمع الدولي وحسابات السياسة المعقدة التي تتداخل فيها بلا شك الانتماءات الدينية والاقتصادية، نري المشهد الأشد تناقضا في حالة الثورة في سوريا ليس مشهد النظام الذي يدافع عن نفسه ولا الشعب الذي يثور على هذا النظام الذي يراه فاسدا، لكن هو مشهد القوى الدولية التي ترفع شعارات الشفافية والنزاهة..
ولنبدأ بالقوى التي تعارض النظام السوري وأبرزها الولاياتالمتحدةالأمريكية، التي نصبت نفسها نصيرا لثورات الحرية ضد النظم الاستبدادية وأبا روحيا للديمقراطية والحرية ولكنها يبدو أنها نسيت هذه الشعارات أمام الشاشة السورية.
الولاياتالمتحدةالأمريكية، التي تدخلت في العراق وقتلت ودمرت وأعدمت وفعلت الأفاعيل وسيرت الأساطيل وفاوضت الجميع من أجل إسقاط العراق لمجرد شكوك في وجود أسلحة كيماوية ونووية لدى نظام صدام حسين، اكتفت فقط بمشاهدة مجازر سوريا والبكاء أمام شاشات التلفزيون وإيهام العالم أجمع أنها لا تستطيع التدخل إلا بموافقة مجلس الأمن؟؟ وهل كان التدخل في العراق بإذن مجلس الأمن؟؟؟
وتستمر تناقضات السياسة الدولية عندما ننظر لموقفي روسيا والصين اللتان يقبل الكثير من المحللين السياسيين موقفهما الحالي والمؤيد للنظام السوري على اعتبار أنهما حلفاء لهذا النظام ولهم مصالحهم المحددة وأنهما يخشيان سقوطه فتنهار مصالحهما معه..
لكن في الواقع فإن موقف الصين وروسيا الأكثر غرابة كونهما رائدتا ومصدرتا فكرة الثورة في القرن الأخير في حين كانت دول مثل بريطانيا والولاياتالمتحدة تكره هذا المصطلح أيما كره بل وإلى الآن تطلق هاتين الأخيرتين على الربيع العربي مصطلح انتفاضات وليست ثورات، فمن الغريب أن روسيا التي أقامت الاشتراكية والشيوعية وراهنت على ثورات دول العالم الثالث ضد استغلال الإمبريالية الغربية نجدها الآن تحاول جاهدة تجهض ثورة بل تحاول قتلها نهائيا ونرى "صين ماو تسي تونج" التي عاشت على الثورة عقودا نراها الآن تقف بوجهها الحجري في وجه من يقتلون ويذبحون يوميا.
أنا لا أدعو إلى تدخل عسكري غربي كحل لأزمة سوريا ولكن فقط نبحث المواقف ونحلل ونرصد ونقف عند ما نستطيع فعله لأن القرار بيد آخرين، فالأمر في النهاية يتعلق فقط بالمصالح ولا يتعلق بتلك الشعارات التي رفعها هذا النظام أو ذاك سواء أكانت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان أم شعارات العدالة الاجتماعية ومحاربة الاستغلال والظلم وغيرها، ففي النهاية وبعيدا عن الشعارات نجد أن مواقف روسيا والصين والولاياتالمتحدة بشان الأزمة السورية متطابقة بغض النظر عن طريقة التعبير عنها إعلاميا والتي تظهرها متباينة فقط على شاشات التلفزيون.
فالولاياتالمتحدة الأميركية لا تحتاج لقرار مجلس الأمن لكي تتحرك، كما أنها تضع في حساباتها ميزان القوى في المنطقة بشأن إيران والعراق وإسرائيل والذين قد يضرهم في التحليل الأخير سقوط نظام الأسد، كما أن بلاد تصدير شعارات الثورة في روسيا والصين لم يعودا يهتمان بهذا الأمر بقدر اهتمامهم بإبقاء أقدامهم في هذه المنطقة حتى وإن كانت ملطخة بدماء الأبرياء والأطفال فالكل إذن مستعد للتخلي عن شعاراته من أجل مصلحة فلا الحرية ولا الديمقراطية ستجعل أمريكا تتحرك لإنقاذ أطفال سوريا إلا إذا تعرضت مصالحها في المنطقة للخطر من نظام بشار، وروسيا والصين لن يناصران أبدا الثورة في سوريا إلا عندما يضمنان أن هذه الثورة ستقف في صالحهم هم وليس في صالح المعسكر الآخر.
الولاياتالمتحدة تخشى من تغلغل القاعدة في سوريا حال انهار نظام الأسد وروسيا والصين تخشيان أن تتغلغل الولاياتالمتحدة والغرب في سوريا ما بعد الأسد علي حساب مصالحهما، لتظل السياسة بلا قلب بلا رحمة وأيضا بلا شعارات ولكنها في النهاية لعبة مقامرة كبيرة محرمة يلعب فيها كل طرف من أجل زيادة مكاسبه ويعمل على أن تكون نسبة المخاطرة أقل ما يمكن.