- سلام: نحتاج مشروعا نقديا عربيا ينطلق من سياقنا لا من استعارة جاهزة - أبو طالب: ما تقوم به الهيئة العربية للمسرح يمثل نموذجا لاحترام الثقافة والعلم والمعرفة - حسين: النقد المسرحي لا يحتمل الاكتفاء بالصحافة الورقية وحدها - شيحة: نحتاج تجديد الدماء وتوحيد الجهود العربية في التعليم والترجمة - غنام: ما يُطرح من أفكار يمثل وقودا حقيقيا لتطوير العمل
واصل مهرجان المسرح العربي مؤتمراته الصحفية، التي يقيمها ضمن فعاليات دورته السادسة عشرة، بالمجلس الأعلى للثقافة، حيث أقام اليوم الخميس، مؤتمره التكريمي الثالث، الذي تحدث خلاله عدد من مكرمي هذه الدورة من النقاد وأساتذة المسرح. قال الدكتور أبو الحسن سلام، إن الحديث عن هوية مسرحية عربية لا ينبغي أن يُختزل في الشعارات السياسية أو الموضوعات القومية المباشرة، مؤكدا أن الهوية تُبنى من خلال الرؤية الفنية وآليات الاشتغال المسرحي، لا عبر العناوين وحدها، موضحا أن المسرح العربي شهد محاولات متعددة للجمع بين الخطاب الفكري العميق والتواصل مع الجمهور، إلا أن التحدي الحقيقي يظل في مخاطبة الفئات المختلفة دون تبسيط مُخل أو نخبويّة منغلقة، قبل أن يشير إلى أن بعض التجارب المسرحية فتحت المجال أمام كتابات نقدية جادة، لكنها لم تُستكمل دائما بسبب غياب أدوات نقدية قادرة على قراءة العرض في شموليته. وتناول أبو الحسن سلام مفهوم الاحتفالية باعتباره قائما على التفاعل مع الجمهور، مشددا على أن نجاح هذا التوجه مرهون بقدرة العرض على تحويل الأفكار الفلسفية إلى صور ومشاهد حية تمس الوجدان الشعبي، ومؤكدا أن العناصر التراثية أو الخطابية أو التاريخية لا تكتسب قيمتها في ذاتها، وإنما داخل سياق العرض المسرحي، وأن أي عنصر من عناصر العرض لا يحمل معنى مستقلا خارج البناء الكلي للعمل. ودعا سلام إلى تأسيس مشروع نقد مسرحي عربي "ينطلق من تراثنا ومن مبدأ السياق"، معتبرا أن الكلمة أو العلامة الفنية تفقد قيمتها إذا عُزلت عن سياقها الدرامي، وهو تصور له جذور واضحة في التراث النقدي العربي ويمكن توظيفه في قراءة المسرح المعاصر. وأكد أن تعدد القراءات للعرض الواحد أمر مشروع ودليل على حيويته، مشيرا إلى أن اختلاف تأويلات المتلقين لا يمثل أزمة، بل يفتح أفقا دلاليا أوسع للعمل المسرحي، مؤكدا أن المطلوب ليس إلغاء المنجز النقدي السابق، بل تطويره وإعادة تفعيله ضمن سياق ثقافي عربي معاصر، وأكد أن بعض النظريات البلاغية العربية تصلح أيضا لنقد المسرح، مثل نظرية النظم للجرجاني. بدوره، وجه الناقد عبدالرازق حسين، الشكر للهيئة العربية للمسرح على تكريمه، واعتبر أن التكريم يعد تتويجا مقدرا ومهما لمسيرته مع المسرح، خاصةً إذا كانت الجهة التي تكرمه هي أكبر هيئة مسرحية عربية، مشيرا إلى أن تجربته الطويلة مع المسرح، الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى السنوات الأخيرة، أتاحت له الاطلاع على تنوّع واسع في المناهج والتجارب التي أسهمت في دعم الحركة المسرحية في مصر، سواء عبر المسرح الجامعي، أو المسرح العمالي، أو أنشطة الثقافة الجماهيرية، معتبرا أن هذه المسارات مجتمعة شكلت قاعدة ثقافية حقيقية للحراك المسرحي، وأعرب عن أمله في استمرار توثيق هذه التجارب عبر الكتابة النقدية، مؤكدا أن المقالات والدراسات المسرحية تمثل جهدا تراكميا ضروريا لفهم تطور المسرح المصري. وتطرق عبدالرازق حسين إلى واقع الصحافة الثقافية، متسائلا عن جدوى الاكتفاء بالكتابة الورقية في ظل التحول المتزايد نحو الوسائط الرقمية، مشيرا إلى أن النشر الإلكتروني يتيح مساحات أوسع للوصول إلى جمهور أكبر، في مقابل التراجع النسبي لتوزيع المطبوعات الورقية، وأكد أن الحل لا يكمن في المفاضلة بين الشكلين، بل في الجمع بينهما؛ بحيث تتكامل الصحافة الورقية والإلكترونية معا لخدمة النقد المسرحي وتوسيع دائرة تلقيه. فيما قال الدكتور محمد شيحة، إن الاحتفاء بالمسرح العربي لا ينبغي أن يقتصر على أيام المهرجانات فقط، مؤكدا أن العمل المسرحي الحقيقي يحتاج إلى رؤية ممتدة وبرنامج واضح على مدار العام. واقترح شيحة، أن يتم الاتفاق مسبقا، وبمشاركة الدول العربية، على موضوع سنوي موحد يكون محورا للعروض والندوات والفعاليات المختلفة، بما يمنح المهرجانات هوية فكرية واضحة، ويجعل الاحتفال نتاجا لتراكم حقيقي لا مناسبة عابرة. ودعا شيحة إلى تجديد الدماء في المهرجانات والفعاليات المسرحية، وإتاحة مساحات أوسع لمشاركة الشباب والوجوه الجديدة، محذرا من تكرار الأسماء نفسها لسنوات طويلة على حساب أجيال كاملة لم تجد بعد فرصتها في الحضور والتفاعل، وأكد أن تجديد الوجوه لا يقل أهمية عن الحفاظ على الخبرات، بل يضمن استمرارية الحركة المسرحية وتطوّرها. وتطرق إلى ملف التعليم المسرحي، مشيرا إلى الحاجة لمراجعة النظم التقليدية المعمول بها، والاستفادة من التجارب العربية والدولية في التدريب والتقييم، داعيا إلى فتح مسارات تعليمية أكثر مرونة، وإتاحة فرص التعلم دون أعباء مالية كبيرة تعوق الموهوبين، كما شدد على أهمية إحياء نماذج الجلسات الحرة والدورات المفتوحة، باعتبارها أدوات فعالة لنقل الخبرة والمعرفة خارج الأطر الأكاديمية الجامدة. وأكد شيحة ضرورة وضع مشروع عربي مشترك للترجمة المسرحية، يتجاوز الجهود الفردية والموسمية، ويقوم على خطة سنوية واضحة، تُعنى بترجمة النصوص والدراسات المسرحية العالمية إلى العربية، بما يسهم في تحديث المعرفة المسرحية وربطها بحركة المسرح في العالم، معتبرا أن توحيد الجهود في هذا الملف بات ضرورة، بدلا من تكرار محاولات متفرقة تفتقر إلى الاستمرارية. من جانبه، قال الدكتور أسامة أبو طالب، إن هذا التكريم يُعد الأول له، رغم مسيرة طويلة حافلة بالعمل المسرحي والنقدي داخل مصر وخارجها، مشيرا إلى أنه حظى بتكريمات ومشاركات رسمية في هولندا وألمانيا وعدد من الدول العربية، في حين غاب عنه التكريم داخل بلده لفترات طويلة. وأوضح أبو طالب، أنه شغل عددا من المواقع الثقافية الهامة داخل وزارة الثقافة المصرية، من بينها الإشراف الكامل على ترميم متحف أم كلثوم، والعمل بالمركز القومي للمسرح، وتولي مهام بالبيت الفني للمسرح، إضافة إلى عمله مستشارا ثقافيا، مؤكدا أنه حاول في كل هذه المواقع أن يؤدي دوره بإخلاص ومسئولية، دون أن يواكب ذلك تقدير أو احتفاء محلي مماثل. وأشار إلى أنه حين رُشح قبل سنوات لرئاسة المهرجان القومي للمسرح، فضل تولي رئاسة لجان التحكيم بدلا من المنصب الإداري، إيمانا منه بأهمية النزاهة والعدالة في التقييم، رغم ما ترتب على ذلك من استمرار غياب التكريم، كما توقف عند تجربته بوصفه مؤسس أول مهرجان مصري للكاتب المسرحي، الذي عُقدت منه دورة واحدة، وكان يتمنى أن يتطور ليصبح مهرجانا عربيا، إلا أن المشروع لم يستكمل. وأكد أن هذا التكريم من الهيئة العربية للمسرح يحمل قيمة خاصة، لأنه جاء بعد سنوات من العمل خارج دائرة الاحتفاء المحلي، معتبرا أن ما تقوم به الهيئة يمثل نموذجا لاحترام الثقافة والعلم والمعرفة، مشيرا إلى الدور الذي يلعبه الشيخ سلطان القاسمي في إعادة الاعتبار للمسرح العربي بوصفه مشروعا حضاريا. وتحدث أبو طالب عن إسهاماته الأكاديمية والنقدية، موضحا أن له مؤلفات ودراسات في النقد المسرحي، كُتب بعضها ونُشر بلغات أجنبية، وسبق السياق العربي في مجاله، مؤكدا أن النقد المسرحي علم مستقل يختلف جوهريا عن النقد الأدبي، لأنه يتعامل مع العرض المسرحي بوصفه منظومة متكاملة. واختتم حديثه بالتأكيد على أن ما تبقى من مشروعه يتمثل في مواصلة البحث والكتابة، معتبرا أن المعرفة المسرحية مسئولية أخلاقية قبل أن تكون إنجازا شخصيا، موجها التحية لأساتذته وزملائه، وللهيئة العربية للمسرح على هذا التكريم الذي أعاد للاعتراف قيمته. من ناحيته، قال المخرج غنام غنام، إن التعلم الحقيقي لا يتحقق إلا بالاحتكاك بالتجارب العميقة، معتبرا أن من لا يتعلم من قراءة التجارب الكبرى لا يمكنه أن يتعلم من التفاصيل الصغيرة، ومشيرا -في تعقيب مختصر- إلى أن تجربة الهيئة العربية للمسرح مع عدد من الباحثين، ومنهم الدكتور محمد شيحة، كانت تجربة إيجابية، لاسيما خلال مشاركات سابقة في لجان التحكيم، ومسابقات البحث العلمي. وأوضح غنام، أن الهيئة العربية للمسرح تعمل وفق استراتيجية واضحة ومعلنة، بدأت ملامحها منذ عام 2012، وتم تطويرها حتى عام 2025، مؤكدا أن هذه الرؤية لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من النقاشات والمؤتمرات، من بينها مؤتمر عُقد عام 2011 بمشاركة مسرحيين من مختلف أنحاء الوطن العربي، أفضى إلى توصيات ووثائق تم توثيقها لاحقا. وأضاف أن هذه الندوة تأتي في سياق إعادة طرح أسئلة واقعية حول المشهد المسرحي العربي، مشددا على ضرورة تحريك المياه الراكدة، وطرح الأسئلة الجوهرية من جديد، انطلاقا من الإحساس بالمسئولية تجاه تطوير المشروع المسرحي العربي. وأكد أن الهيئة تتعامل مع الملاحظات والمقترحات التي تخرج عن دورات المهرجان بجدية، حيث يتم رصدها وتحليلها مبكرا، والعمل عليها ضمن برامج واضحة، مشيرا إلى أن ما يُطرح من أفكار يمثل وقودا حقيقيا لتطوير العمل، ودليلا يهتدي به القائمون على الهيئة في مسارهم المستقبلي، موجها الشكر للحضور والمشاركين، ومثمنا النقاشات التي شهدتها الندوة، وأهميتها في بلورة رؤى عملية للمراحل القادمة. في ذات السياق، قال المخرج خالد جلال، إنه كان حريصا على الاستماع إلى مداخلات كلٍ من الدكتور محمد شيحة والدكتور أسامة أبو طالب، مؤكدا أن كليهما شكل مصدر معرفة حقيقي له حين كان طالبا بالمعهد ولجيل من الطلاب؛ لما قدماه من خبرات وأفكار ثرية عبر المحاضرات والتجارب الممتدة. وأضاف أن هذه الندوة كشفت عن قيمة كبيرة للتجارب الأكاديمية والنقدية المتراكمة، مشيرا إلى أن الحديث كان يمكن أن يمتد لساعات طويلة لما يحمله من ثراء معرفي وإنساني، موجها الشكر لجميع المشاركين والحضور، ومعربا عن تقديره لما قدموه من مداخلات عميقة ومؤثرة، وأن مثل هذه اللقاءات تمثل إضافة حقيقية للحياة المسرحية. وتُنظم الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي بواسطة الهيئة العربية للمسرح، بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، بالعاصمة المصرية القاهرة، تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، وذلك خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير الجاري.