نفتش سويا في ذاكرة الثورة -25 يناير 2011 ما زلت أتذكر هذه اللحظة كأنها البارحة، وما زالت تؤرقني وكأنها حدثت لتوّها، كنت في كلية الآداب أراقب بإحدى اللجان، ودخلت علينا زميلة من قسم لغات شرقية، وأخذت تحثني على النزول يوم 25 يناير، وأتذكر وقتها أنني سخرت منها في نفسي، وأخذت أردّد إفيهات سخيفة من نوعية يوم 25 يناير قبل الصلاة ولا بعد الصلاة؟ كان مبعث مزاحي هذا اكتئابا من الوضع العام، وفقدان الأمل واليأس من أي فرصة في التغيير، رغم أنني بخلاف آخرين أملك أداة للتغيير وهي الكتابة ولكني حاولت كثيراً، وحتى اللحظات الأخيرة قبل 25 يناير كنت أحاول، ولكن هناك فرق بين من يكتب وبداخله يقين بأثر ما يكتب، ومن يكتب إرضاءً لضميره فحسب. يوم 25 يناير انتهيت من عملي في الجامعة وتوجّهت إلى منطقة وسط البلد، وتحديداً محطة جمال عبد الناصر أمام دار القضاء العالي؛ لاستطلاع ما يحدث، فوجدت أعدادا صغيرة محاطة بجيوش مجيّشة من الأمن المركزي فتملكني الإحباط أكثر، وأمّنت على كلامي السابق الذي قلته لزميلتي التي كانت تحثني على النزول في هذا اليوم بأن الشعب قد بات جثة هامدة أغلب أعضائها توقفت إكلينيكياً. الهتافات في هذا التوقيت -وأعني الساعة الرابعة عصراً- كانت من نوعية "عيش حرية عدالة اجتماعية"، "يا حرية فينك فينك أمن الدولة بينّا وبينك"، ولم يكن أحد يتجرأ وقتها على الهتاف بالشعار الذي سيتحول بعدها لأيقونة الثورة ألا وهو "الشعب يريد إسقاط النظام". أبقاني الفضول لبضع دقائق قبل أن أضطر للمغادرة لأسباب تخصني، وقد ازددت إحباطا على إحباطي، لا أمل فيما نفعل، سنعيش أذلاء طول عمرنا، لن نتحدث من هذا النظام "الدراكولي" الذي يمتصّ في دمائنا منذ فجر 1952.. لا أمل في أن نعيش أحرارا كراما في هذا الوطن، ما دامت العصا الأمنية البغيضة باقية في يد هذا النظام الفاشي فلن تسنح لنا الفرصة للتغيير، كلما حاولنا أن نتكلم ضُربنا على أفواهنا حتى عطبت أفواهنا، وصرنا بُكما يوهمون أنفسهم بأنهم قادرون على الكلام. صعدت مبنى جريدة الأهرام وتابعت ما يحدث عبر الشاشات، بعض المناوشات في بعض المحافظات وبعض الوقفات الاحتجاجية والحشود الأمنية يبدو وكأنما لا نهاية لها، الأمن وقد بدا وحشاً ضخماً أسمر اللون سيبتلع كل من يبتلع حبوب الشجاعة، السويس ربما تبدو قادرة على المواجهة، ولكن ماذا تصنع مجرد محافظة واحدة؟ قبضة الأمن أفظع وأقوى. حوالي الساعة الخامسة نزلت من المبنى مرة أخرى كي أستطلع ما يحدث، فاحترقت عيناي ورئتاي بالغازات المسيلة للدموع، ذُهلت، منذ فترة طويلة لم تضطر الشرطة إلى استخدام تلك الغازات، ما الذي أصابها بتلك العصبية الواضحة في ردود أفعالها، كان هناك العشرات المتجمهرون أمام جريدة أخبار اليوم التي تطل على مبنى الأهرام من الخلف، سارعت بمغادرة المكان إلى أمام دار القضاء العالي، فوجدت الأعداد أكبر، وقوات الأمن المركزي هي الأخرى قد زاد عددها. أرى من مكاني هنا العصيّ يتم توزيعها على الجنود الذين كانوا في البداية غير مسلحين، وكانوا يُستخدمون كعائق بشري ليس إلا، ازدادت حماستي وانتشر الأدرينالين في كل جزء من جسدي وسار فيّ شيء من الخدر، يبدو أن الأمر أكبر مما توقعت يبدو أن الأمور قد تسير في اتجاه آخر، ولكن برغم كل شيء لم أتوقع وقتها أن تتطور الأمور إلى أبعد من ذلك، قد يكون تكرارا لمواجهات المحلة في 2008 في دعوة الإضراب العام التي دعت إليها حركة 6 إبريل ولكن لا أكثر. عدت إلى الجريدة وكلي إيمان بأن الأمن ربما يتغابى في ردود أفعاله، فبرغم الحديث الذي ملأ الدنيا في كل وسائل الإعلام عن تدريب قوات الأمن على ضبط النفس فإنني أعرفهم وتعاملت معهم كثيراً، وأدرك نفسية السادة الضباط الذين لا يطيقون الإهانة مهما صغرت، والمجندين المخلصين في تنفيذ الأمر وإلا طالهم الوبال من قادتهم، خاصة أن أحد الشروط الأساسية لاختيارهم ألا يزيد تعليمهم على المرحلة الإعدادية. عندما حل الظلام اكتشفت المهيب، ميدان التحرير ممتلئ، يا الله من أين أتت تلك الحشود، أتت من ميدان رمسيس عن طريق شارع الجلاء رغم محاولات الأمن الضارية لمنعهم من الوصول إلى هناك، وأتوا من الجيزة عن طريق كوبري قصر النيل، إنهم يأتون من كل مكان، يستقتلون من أجل الوصول إلى ميدان التحرير، لا يعرفون لماذا يريدون الذهاب إلى هناك ولكنهم شعروا بالفطرة أنه مهد الثورة، كلّفني رئيسي في العمل بمساعدة محرر قسم الحوادث لما يحدث، وفي ميدان التحرير كان الهتاف مرعبا، ربما أكثر من الصورة نفسها، فرغم أن حشود الأمن المركزي سدّت الأفق فإنها لم تكن مرعبة بقدر الهتاف الذي صدح في كل أرجاء الميدان.. "الشعب يريد إسقاط النظام"، "عيش حرية عدالة اجتماعية"، اتصلت بي والدتي على هاتفي المحمول -وقتها كانت الهواتف تعمل- وقالت بفزع: نوارة نجم بتتكلم من ميدان التحرير، وبتقول الناس اللي عندكم دول مش هيمشوا غير لما يسقطوا النظام، إيه يا ابني الكلام ده؟ فأجبتها بصدق: أنا مش فاهم حاجة يا ماما الظاهر إننا فُقْنا. بعد قليل بدأت مكبّرات صوت في الميدان، لم أتمكّن من تحديد مصدرها تطالب كل الموجودين بالرحيل عن الميدان بالحسنى وإلا سيتم فضّه بالقوة، وكان كل رسالة عبر هذه المكبرات يُرد عليها برسالة أخرى من المتظاهرين "الشعب يريد إسقاط النظام"، والإجابة واضحة لن نرحل قبل أن يسقط النظام.. لو استغرق الأمر مني سنوات كي أصف لكم كم كان يهزّ نفسي هذا النداء الفتاك وقتها لن أستطيع أن أعبّر عن حالي بالصورة الصحيحة.. لقد كانت صدمة بالنسبة لي.. الشعب المصري الذي تعوّد أن يموت منه مئات في العبّارات والطرق وأنابيب البوتاجاز والعيش دون أن ينطق بحرف يتحدث عن إسقاط النظام.. الشعب المصري أولئك ال80 مليون أيوب لم يعد أيوباً كما كان.. عدت إلى الجريدة مرة أخرى وكلي إحساس بالفخر والحماسة، كأني وُلدت من جديد، كأني أصبحت شخصاً غير ذلك الذي كان منذ لحظات، لم يفسد عليّ هذا الإحساس سوى إحساس آخر بالخزي من نفسي ومن سخريتي من زميلتي التي كانت تدعوني للنزول هذا اليوم، شعرت بنفسي أتضاءل شيئا فشيئاً.. أكتب هذه الكلمات كي أتطهر من هذا الموقف المخزي الذي تداركته في اليومين التاليين، أكتب هذه الكلمات وما زال هذا الشعور يقف غصة في حلقي يأبى أن يرحل رغم كل ما فعلته بعدها من دعم الثورة ماديا ومعنويا. اشتعل الوضع في السويس وفي المحافظات الأخرى.. المواجهات أكثر ضراوة.. قنابل الغاز باتت تُستخدم بصورة لا نهائية، والمتظاهرون وكأنهم فطروا عليها، تُقذف في وجوههم قنابل الدخان دون أن يأبهوا لها، وكأنها أكسجين نقي! وفي ميدان التحرير وعندما عم الظلام وقُطعت الكهرباء عن الميدان بدأ الهجوم الوحشي الغابر بقنابل الغاز المسيل للدموع وتفريقهم بالمياه، حتى أتوبيسات النقل العام استخدمت في هذه الموقعة، وكانت الشوارع الجانبية أكمنة للثوار يصطادونهم فيها فرادى، ولكن من رحل وعد بالمجيء صباحاً لإكمال ما بدأه. في هذه الليلة فقط عرفت أن مصر لن تعود كما كانت.. في هذه الليلة فقط قررت ألا أبقى في منزلي مرة أخرى.. في هذه الليلة فقط قررت ألا أترك الشارع.. وأعيش بحرية معهم أو أموت بكرامة في نفس المكان.. عيش حرية عدالة اجتماعية يا إما بلاش.