أسعار الذهب اليوم الخميس 9 أبريل 2026    وزير الخارجية يؤكد رفض مصر الكامل المساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه    طقس اليوم الخميس.. بدء ارتفاع لافت في درجات الحرارة    قرار جمهوري بالموافقة على منحة ب 75 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي لدعم تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية    حزب الله يستهدف قوات الاحتلال جنوبي لبنان    مستوطنون يقتحمون الأقصى بعد ساعات من إعادة فتحه أمام المصلين    نقابة الصحفيين تدين استهداف الصحفي الفلسطيني محمد وشاح وتطالب بمحاكمة القتلة دوليا    بعد أزمة مباراة الأهلي وسيراميكا كليوباترا.. رئيس لجنة الحكام يحسم الأمر بشأن ركلة الجزاء الغير المحتسبة    الإحصاء: ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 13.5% لشهر مارس 2026    سلوت عن استبعاد صلاح أمام سان جيرمان: نحافظ على طاقته للمباريات المقبلة    قرار جمهوري بالموافقة على منحة ب75 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي لدعم تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية    اليوم.. استكمال محاكمة ربة منزل بتهمة ترويج الحشيش والبودر في السلام    شارل بودلير.. شاعر التنافر وموسيقى التناقض    اليوم.. منافسات قوية في نصف نهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    حلمي طولان: محمد شريف مهاجم مميز ويستحق فرصة مع الأهلي    اليوم، الاجتماع الفني لمباراة الزمالك وشباب بلوزداد في الكونفدرالية    مليون جنيه "نقطة" في فرح بالمنيا يشعل مواقع التواصل الاجتماعي    تشكيل لجنة تحكيم الدورة ال52 لمهرجان جمعية الفيلم للسينما المصرية برئاسة محمد ياسين    محمود الليثى وحمزة نمرة ضيفا "واحد من الناس" على قناة الحياة    عبد الباسط يستعد لتصوير كليب ألبومه الجديد    ترامب: جميع السفن والطائرات الأمريكية ستبقى في مواقعها داخل إيران وحولها    الأمم المتحدة: مقتل أكثر من ألف عامل إغاثة حول العالم خلال 3 سنوات    حبس المتهم بقتل خالته لسرقة قرطها الذهبي في العياط    30 دقيقة تأخرًأ في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 9 آبريل    الحماية المدنية تنجح في إخماد حريق هائل بأشجار النخيل في كوم أمبو    الديمقراطيون في الكونجرس يتخذون خطوة نحو تفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزل ترامب    هيئات دولية تحذر من تزايد انعدام الأمن الغذائي بسبب حرب إيران    الكوميديا الدامية    تييري هنري: انخفاض مستوى محمد صلاح تسبب في انهيار ليفربول    محافظ الجيزة يوجه برصد احتياجات مواطنى العياط من مشروعات تطوير    مصرع شخص وإصابة آخر بسبب سقوط أسانسير فى عابدين    سلوى شكر ورثت صناعة الفسيخ من والدها وتكشف أسرار الصنعة ببيلا.. فيديو    القبض على مصمم الأزياء بهيج حسين لتنفيذ أحكام قضائية ضده    Gaming - فتح باب التصويت لفريق الموسم في FC 26    المغرب والاتحاد الأوروبي يطلقان حوارا استراتيجيا حول المجال الرقمي    اسكواش - نور الشربيني: بطولة الجونة مختلفة عن البقية.. وهذا سر تفوقي ضد سيفا    مصدر من راسينج يكشف ل في الجول حقيقة الاهتمام لضم مصطفى شوبير    طالب الاسكوتر.. القبض على قائد المركبة الكهربائية بعد اصطدامه بزميله في الباجور    إزالة شدة خشبية لأعمال بناء مخالف بنزلة السمان فى حى الهرم    كتاب جديد يتناول كيف أصبح إيلون ماسك رمزا لأيديولوجيا تكنولوجية تتحكم بالمجتمعات والدول    هل النميمة دائمًا سيئة؟ العلم يقدّم إجابة مختلفة    موعد ومكان عزاء الشاعر الراحل هاني الصغير    أخبار × 24 ساعة.. إندبندنت: السياحة في مصر لم تتأثر بشكل كبير بالصراع في الشرق الأوسط    نصائح للحفاظ على الوزن بعد التخسيس    وزير الخارجية خلال لقاء الجالية المصرية بالكويت: توجيهات القيادة السياسية بإيلاء المواطنين المصريين بالخارج الدعم والرعاية    انطلاق أولى الورش التدريبية لوحدة الذكاء الاصطناعي بإعلام القاهرة، الجمعة    هل تدخل مكافأة نهاية الخدمة في الميراث؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    الرقابة الصحية: الشبكة القومية لمراكز السكتة الدماغية تقدم رعاية وفق معايير جودة عالمية    بحضور وزير الصحة.. تجارة عين شمس تناقش رسالة دكتوراه حول "حوكمة الخدمات الصحية للطوارئ"    صناع الخير تشارك بقافلة طبية ضمن مبادرة التحالف الوطني «إيد واحدة»    «ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه فأعرض عنها».. تفسير يهز القلوب من خالد الجندي    تعليم القاهرة تواصل الجولات الميدانية لدعم المدارس وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور    وزير الصحة يبحث توطين صناعة أدوية الاورام مع شركة «سيرفيه» الفرنسية    ما حكم عمل فيديو بالذَّكاء الاصطناعى لشخص ميّت؟ دار الإفتاء تجيب    مذكرة تفاهم بين وزارتين سعوديتين لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    الأوقاف: تنفيذ خطة المساجد المحورية لتنشيط العمل الدعوي بالقرى والأحياء    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن إجازة شم النسيم    حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟ الإفتاء تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمود مرسي.. الرجل الذي كتب نعيه بنفسه
نشر في بص وطل يوم 24 - 04 - 2010

في هدوء وصمت فتح الباب.. مستقبلاً القِبلة.. مستعداً للرحلة الوحيدة التي لا يحتاج فيها المرء لأي حقائب أو متاع، تاركاً خلفه الدنيا التي زهدها وهو في أوج مجده ونجوميته، ليكون نعيه الذي كتبه بنفسه، ذاكراً فيه أسماء أقرب الناس إليه، هو آخر شيء حرص على أن يتركه من رائحته في هذا العالم الزائل.. بل إنه بناء على وصيته طلب دفنه بالإسكندرية بمقابر أسرته، وألا يذاع الخبر إلا بعد الدفن، ليفاجأ أهل الفن والجماهير أن عملاقهم المفضّل قد مات ودُفن دون أن يعلم عن صراعه مع المرض أو موته أي شخص إلا بعد أن واراه الثرى.
إنه طائر الليل الحزين، وعملاق الفن العربي، وعتريس السينما المصرية.. محمود مرسي.. رحمه الله.
إحدى الحكم المأثورة تقول إن النجوم والعمالقة يأتون إلى عالمنا نجوماً من يومهم، وهم لا يزالون أطفالاً في المهد، تستشعر في وجوههم الحضور، وترى في أعينهم المجد.. تشعر وأنت تقرأ هذه الحكمة أن قائلها استوحاها من الطفل محمود مرسي محمد، ابن مدينة الإسكندرية الذي أحلّ ضيفاً على أرضها في السابع من يونيو عام 1923، لينشأ في جو أسري صعب لا يقل عن طقس البلد المتغيّر، فتشكّلت شخصيته المتقلّبة كتقلّب موج البحر، حاملاً في أعماقه الرحمة والعطف والحب، غير أنه تطل من عينيه قسوة الصخر، ومن نبرة صوته هزيم الرعد.

تأكد ذلك أكثر مع الأيام، حين ألحقه والده بالمدرسة الثانوية الإيطالية بالإسكندرية قسم داخلي، ولم تكن له علاقة بالعالم الخارجي، إلا من خلال والدته التي انفصلت عن والده، وبالرغم من هذا الانفصال فقد اعتادت الأم أن تزور الابن يومي الخميس والأحد، ليتعلّم في وحدته وانطوائيته التي لازمته طوال سنوات عمره، دروس الحياة التي علّمها إياه الزمن، وهجر الأهل بخلاف عقدة "الفاشية" والعنصرية التي لامسها مع احتقار المدرسة والمدرسين "الطليان" للطلاب المصريين.. كل هذا شكّل لدى الصبي محمود مرسي فلسفة خاصة ذات طبيعة عملية ترسّخت في ذهنه، وهو يستخلصها من جنبات الدهر.. لم يتعلمها من كتب، ولم يقرأ عنها في المراجع، فباتت الفلسفة تجري في دمه حتى أنه التحق بعد تخرّجه في المدرسة الثانوية، بكلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم الفلسفة، ليعيش أغلب أوقاته بعيداً عن التعامل مع الآخرين، وما إن أنهى دراسته، حتى التحق بمهنة التدريس المقدسة في إعداد وتأهيل النشء، إلا أنه شعر أن بداخله طاقة أكبر من مجرد التدريس لعشرات الطلاب، وأن لديه رسالة يتمنّى لو يوصّلها لملايين الجموع، فما وجد خيراً من الفن كرسول مخلص، ينتقل بين النفوس والوجدان حاملاً رسالته الأمينة عبر الشعوب، دون أن تعوقه جغرافياً الحدود، ولا فوارق اللغات والثقافات، فعرف بعد أن توصّل لهذه الإجابة واجهته التي سيرحل إليها في رحلته الجديدة.

طائر الفن الحزين
انتبه الشاب محمود مرسي لرغبته الشديدة في خوض رحلة الفن منذ أن كان طفلاً صغيراً، لكنه ألقى عليها بالنعاس، وأسكنها في غفوة مؤقتة ليؤجل الصدام مع أسرته، ضابطاً تلك الرغبة القديمة على الاستيقاظ وقت أن تبتسم في وجهه الظروف، ويعلن "المراكبي" عن استعداده للإبحار به نحو الغرب، وبالفعل حزم محمود مرسي حقائبه بعد وفاة والده، ليبيع ميراثه كاملاً، ويسافر إلى "باريس" عاصمة النور، ليتعلّم فن الإخراج السينمائي في معهد "الإيديك" على أصوله، وعلى نفقته الخاصة، لتستغرقه هناك الحياة الباريسية بأضوائها وصخبها، وتعيد صياغة تفكيره، فكادت نقوده أن تنفد، فأضطر لأن يعمل، بعد أن تخبّطت به الأحوال حتى استقر به المقام مذيعاً في القسم العربي بالإذاعة الفرنسية، وما كاد يستقر بها، وينظم وقته بين العمل والدراسة حتى فوجئ أن عليه أن يغادر "باريس" مطروداً، إذ قررت السلطات الفرنسية الانتقام لقرار الرئيس عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس، وطرد الخبراء الفرنسيين، بقرار مماثل يطرد المصريين من "فرنسا"، فغادرها حاملاً في عقله الفكر والعلم الفرنسي، وبين ضلوعه وأحشائه جرح الطرد والعنصرية.

من هنا حمل محمود مرسي حقائبه ليستقر به المقام في لندن، وبعد جهد استطاع أن يلتحق بالقسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية "B. B. C"، وبعد سبعة شهور من تعيينه بمساعدة صديقه القديم زكي العشماوي الذي كان قد سبقه إليها، وللمرة الثانية يجد نفسه يحزم حقائبه ويعود إلى "القاهرة" اختيارياً هذه المرة، وإن شئت الدقة احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بقيادة "بريطانيا"، وما كان في إمكانه ولا أخلاقه أن يعيش في حِمى دولة ويتقاضى منها أموالاً، في وقت تقوم طائرتها بقصف وهدم وذبح أهله في "مصر"، لذا قدّم محمود مرسي استقالته، وعاد ليعمل -بقرار من عبد الناصر مكافأة له على موقفه الوطني- مخرجاً ومذيعاً في البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية، ليقدّم من خلاله برامجاً فنية وثقافية، وقدّم خصوصاً برنامجاً مميزاً عن المسرح العالمي، مشدداً على أهمية تطوير التذوق الفني لدى جمهور المستمعين، ليُقدّم روائع الأدب العالمي إلى الجمهور الذي ارتقى ذوقه، واتسعت رؤيته نحو أفاق أوسع من الفكر الإنساني القادم إليه من شتى الحضارات والثقافات..


يوسف شاهين نبّه محمود مرسي إلى أهمية وقوفه أمام الكاميرا وليس خلفها
واحترف محمود مرسي الإخراج الإذاعي عقب إتمام فترة عمله بالبرنامج الثاني، وفي صيف عام 1957 عرض عليه المخرج العالمي يوسف شاهين العمل في فيلم "باب الحديد"، بعد أن لمس في أعماقه موهبة خفية في حاجة لمن يفجرها، ونبهه إلى أهمية وقوفه أمام الكاميرا وليس خلفها، فملامحه، ووجهه، وقدراته الهائلة على التعبير، والإحساس الصادق العميق الذي يملأ صوته، وما يملكه من حضور، ومقدرة على جذب السامع.. كلها مؤهلات تؤهله إلى أن يُصبح نجماً سينمائياً، وعرض شاهين عليه وقتها أن يكون أجره 50 جنيهاً، إلا أن محمود مرسي رفض هذا العرض، شاعراً في نفسه أنه لم يكتمل البنيان والتأسيس بعد.. فلم يكن هدفه الدخول كفرد يضاف إلى الأفراد، وإنما موهوب يصنع بموهبته الفوارق.

ومع بداية الإرسال التليفزيوني في مطلع الستينيات، سافر محمود مرسي إلى "ايطاليا" في بعثة قصيرة لدراسة الإخراج التليفزيوني باستديوهات "روما"، كما مارس الإخراج المسرحي، ليشارك بعد عودته إلى وطنه الحبيب "مصر"، بالتدريس في معهدي السينما والفنون المسرحية، ويواصل عمله بمجال الإخراج، مكتسباً بعمله الخبرات والتجارب المفيدة، حتى شعر في داخله أنه آن الأوان ليخرج المارد من عقاله وينطلق في سماء النجومية والمجد دون أن يملك أو يجرؤ على إيقافه أحد.

وبدأت الرسالة الحقيقية
في عام 1962 عرض المخرج السينمائي نيازي مصطفى على محمود مرسي المشاركة في بطولة فيلم "الهارب" مقابل 300 جنيه، وقَبِل مرسي الذي أصبح زوجاً للفنانة سميحة أيوب التي كانت بدأت تشق طريقها بقوة نحو النجومية، وكان هو أستاذها في معهد التمثيل، وأراد أن يُثبت لها أن التلميذة لن تتفوّق على أستاذها، فجاءت موافقته على الدور رغم كم الشر المليء به، وكان يظن وقتها أنها المرة الأولى والأخيرة التي يُقدّم فيها دور الشرير، دون أن يدري أنه سيصبح نموذجاً جديداً للشرير على شاشة السينما، خاصة أن هذا الدور أصبح مثار أحاديث الصحفيين والنقاد الذين أشادوا بموهبة صاحبه، وذوبانه في الشخصية التي أدّاها بشكل ساحر ينمّ عن ميلاد فنان عبقري.

وبعد دوره في "الهارب"، وفي العام التالي سنة 1963، قفز محمود مرسي نحو مرحلة البطولة ليصبح بطلاً أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة وأحمد مظهر وشويكار وحسن يوسف وصالح سليم في فيلمي "الليلة الأخيرة" و"الباب المفتوح"، ليبدأ العملاق في التمهيد لمسيرته الفنية بشخصيات متناقضة قدّمها جميعها باقتدار وأستاذية عالية، لينافس على صدارة القائمة الذهبية التي تضم أسماء في حجم ومكانة محمود المليجي، زكي رستم، عبد الوارث عسر، حسين رياض، ويحيى شاهين، إلى آخر تلك الأسماء الرنانة، التي أوتيت موهبة استثنائية في فن التمثيل والتشخيص، فقدّم لأسطورة القصة العربية نجيب محفوظ عدداً من الأفلام؛ أهمها: "السمان والخريف"، "الشحات"، و"ثرثرة فوق النيل"، بخلاف أدواره العبقرية في: "ليل وقضبان"، "زوجتي والكلب"، "امرأة عاشقة" و"أمواج بلا شاطئ"، "سعد اليتيم"، "التلاقي"، "أمير الدهاء"، و"حد السيف"، كما كان له نصيب في بطولة الأفلام الدينية منها "فجر الإسلام"، ونصيب في الأعمال الوطنية أهمها 'أغنية على الممر"، "أبناء الصمت"، و"طائر الليل الحزين"، لتشكل أفلامه خريطة ترصد التحوّلات الاجتماعية والسياسية في مصر، وذاكرة تاريخية ودينية، ونقطة تلاقي بينه وبين مختلف أجيال الفنانين الذين شاركهم العمل..

ولكن يبقى دور "عتريس" الذي أدّاه في فيلم "شيء من الخوف" هو الأشهر في تاريخه. بما استند عليه من رواية أدبية للكاتب ثروت أباظة، كتب لها السيناريو صبري عزت، وتولّى الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي صياغة حوار الفيلم وأشعاره التي لحنها باقتدار بليغ حمدي، وغنّتها بطلة الفيلم شادية، وشاركها البطولة عدد من ألمح وألمع نجوم السينما يومها: يحيى شاهين، سميرة محسن، ومحمد توفيق، وصلاح نظمي، والوجه الجديد محمود ياسين، وكان عرضه الأول في 3 فبراير عام 1969، إذ كان الفيلم مليئاً بالإسقاطات السياسية الواضحة، والتي كانت تُجسّد موقف كاتب الرواية ثروت أباظة من الثورة وقادتها، وهو موقف معارض، ولسان حال باشاوات العصر الملكي وإقطاعيه، والذين رأوا في الثورة مجرد انقلاب عسكري على الشرعية والديمقراطية، وهو ما عبّرت عنه أحداث الفيلم بوضوح، وأشارت إلى أن هناك حالة سطو قام بها الضباط الأحرار، وذهب الفيلم إلى بيت عبد الناصر ليحكم عليه بنفسه، وعلى شاشة العرض المنزلية شاهده، وتأمله، وقال بعدها قولته المشهورة: "والله لو إحنا كده، نبقى نستاهل الحرق" في إشارة منه إلى أن الفيلم جرى تحميله بمعانٍ لا يحتملها، ولا يمكن أن يتصوّر أن يكون هو عتريساً، وكان موقف عبد الناصر بمثابة ضوء أخضر لعرض الفيلم.

في الثمانينيات أدرك مرسي أن السينما لم تعد تصلح له، فاتّجه إلى التليفزيون
الانتقال للدراما
في أوائل الثمانينيات أدرك محمود مرسي بحسه الصادق أن السينما الجديدة لم تعد تصلح له، ولا هو يصلح لها، فاتخذ قراره بالاتجاه إلى الدراما التليفزيونية التي كان الأداء فيها يشبه الأداء المسرحي، فوضع أسس الإلقاء الدرامي، مستنداً لتاريخه كرجل أكاديمي درس الفن في أشعر العواصم العالمية، بالإضافة إلى موهبته الفطرية، ليضع كل خبرته ورصيده وتجاربه، خاصة مع حُسن اختياراته لأدواره وأعماله، التي تكاد جميعها تكون من أنجح ما قدّمت الدراما المصرية في ربع قرن الأخير، يكفي أن نذكر أدواره في: "أبو العلال البشري"، و"العائلة"، و"الثلاثية"، و"الرجل والحصان"، و"عصفور النار"، وآخرها "بنات أفكاري". فقد كان أداؤه المشحون بالصدق والعفوية والتعبير والإقناع يجعل منه ماركة مسجلة غير قابلة للتقليد أو الاستنساخ، ولم يبالغ الكاتب والسينارست أسامة أنو عكاشة كثيراً عندما وصفه بأنه أهم ممثل مصري في القرن العشرين.

بعيداً عن الفن
في غمار مشواره الفني الحافل، كان للراحل محمود مرسي أنشطة أخرى؛ إذ قام بترجمة العديد من الأعمال الروائية العالمية وقدّمها للمكتبة الثقافية، وكان يمارس العديد من الهوايات الثقافية، ومعروف عنه امتلاكه لمكتبة ضخمة لتراث الموسيقى، ومعروف عنه أيضاً شغفه بالدراسات السياسية، وكان ينظم أحياناً ندوات ثقافية وسياسية في مراكز متخصصة في مدينة الإسكندرية مسقط رأسه، كما كان زوج الفنانة سميحة أيوب ليثمر زواجهما عن طفل وحيد أصبح فيما بعد الدكتور علاء بمجال العلاج النفسي، وعن زواجها منه تقول سميحة أيوب: "محمود مرسي كان رجلاً عظيماً بمعنى الكلمة وفناناً قلما يجود به الزمن، فكنت أعشق الاستماع لمحاضرته في المعهد، وأحب أداؤه كممثل، وأبدى هو إعجابه الشديد بي كممثلة، وكانت مناقشتنا تستمر أوقاتاً طويلة عن الفن والأداء التمثيلي، ولا أنكر أنني تعلّمت منه الكثير"، وكان "مرسي" لا يحب الزواج وصارحها بذلك، لكنه لشدة حبه لها قرر أن يتزوّجها؛ لأنه رآها ليست ككل النساء فهي تتمتع بصراحة لم يرها في امرأة مصرية من قبل، وتقول سميحة في ذلك: "اتفقنا على أن نعلن الخطوبة حتى نستطيع أن نظهر سوياً، وبعد ثلاثة أشهر نعقد القران بعد أن أتعرّف على عائلته في الإسكندرية وهم يتعرفوا علي، أعلنا الخطوبة وكانت إعصاراً بالنسبة للنساء الطامعات في حبه فهو في الحق يحب وأنا حتى الآن قد فزت بهذا الحب، وسافرنا إلى الإسكندرية وذهب إلى منزلهم في رشدي ورجعت للإبراهيمية؛ لأن أختي تسكن هناك هي وزوجها وأولادها، وكنا قد تواعدنا على أن نتقابل في اليوم التالي ليقدّمني للعائلة، وفعلاً ذهبنا واستقبلتني الوالدة وزوجها، ورحت أتحسس موقعي منهم، وأعتقد أنني نلت القبول، وبعد أن جلسنا بفترة أحسسنا جميعاً أننا نعرف بعضنا منذ سنوات، واتفقنا على أن نعقد القران في الإسكندرية، وكنا في أثناء مدة الخطوبة نبحث عن سكن، وجاء حظنا في شقة في الزمالك على النيل تسكن فيها في الطابق الأول الفنانة تحية كاريوكا والطابق الذي فوقها كان من حظنا".

وعن سبب انفصالها عنه تقول سميحة أيوب: "لقد اكتشفنا أن زواجنا كان خطأ كبيراً فقد أحببت فيه الأستاذ والممثل، وهو أحبّ فيّ قدراتي كممثلة، ومن هنا أدركنا استحالة الحياة الزوجية، فقد اختلف شكل الأحاديث بيننا عما كانت عليه قبل الزواج فانفصلنا وظللنا أصدقاء وزملاء، ولا أستطيع أن أصف لكم الأحزان التي سيطرت عليّ بعد رحيله عن عالمنا".

وعاش محمود مرسي حياته عازفاً عن الأضواء، وطوال مشواره الذي يزيد على نصف قرن لا تجد له حواراً صحافياً أو برنامجاً تليفزيونياً إلا فيما ندر، فلا يكاد جمهوره يعرف عن حياته الخاصة سوى زواجه من الفنانة سميحة أيوب، وبعدها عاش راهباً، كل جهده مسخر لهدف واحد وحيد هو فنه، ولم يكن الأمر تعالياً على الصحافة والإعلام، بل هو كما فسّره مرة نوع من الترفع والزهد، بالإضافة لعدم رضائه عن مستوى الصحافة الفنية، فلا يستطيع أن يُجبر نفسه على الجلوس إليها لتسأله عن ألوانه المفضلة، وأكلاته الخاصة، ومعاكسات معجباته، ولذلك يُفضّل أن تكون علاقته بالإعلام قاصرة على نقد أعماله، فقط لا غير.

في مثل هذا اليوم.. رحل محمود مرسي تاركاً لذاكرة الفن ثروة كبيرة من الإبداع
نهاية المطاف
وفي الرابع والعشرين من إبريل 2004، رحل الفنان محمود مرسي يوم السبت عن عمر يناهز 81 عاماً، تاركاً لذاكرة الفن ثروة كبيرة من الإبداع؛ حيث انتهت آخر فصول حياته بعد أن داهمته أزمة قلبية في منزله بمدينة الإسكندرية مسقط رأسه، بينما كان مشغولاً بتصوير مشاهده بالمسلسل التليفزيوني "وهج الصيف".. ورغم عدم سعيه وراء الجوائز أو التكريمات طوال مشواره، فإنه حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2000 تتويجاً لمشواره الفني الطويل، كما حصل على جوائز التمثيل الأولى عن دوره في فيلم "الليلة الأخيرة" في مسابقة الدولة عام 1964، وجائزة أحسن ممثل في نفس المسابقة عام 1969 عن دوره في فيلم " شيء من الخوف"، و‏تم تكريمه في مهرجان الفيلم الروائي عام 1998، كما كرّمه مهرجان القاهرة السينمائي ومهرجان الإذاعة والتليفزيون، وحصل أيضاً على جوائز التكريم والتفوّق عن أعمال منها: "أغنية على الممر"، "السمان والخريف"، "الشحات"، وكرّمته وزارة الثقافة عن جهوده كأستاذ لمادة الإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية.

هذا هو محمود مرسي.. الفارس الذي اختفى عن سهرات الفن.. وكان أستاذاً في الفن.. رفض أن يدخل سباق النجومية الساذج.. وهو سيد النجوم بلا منازع.. عاش هادئاً منعزلاً، واسمه يدوي مثل الطبل وأعماله خارج المنافسة، إنه رجل المعادلات الصعبة.. في زمن الاستسهال والابتذال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.