وزير التعليم العالي: الشباب مستقبل مصر.. ونتوقع منهم الكثير    وزارة الأوقاف : لن نسمح لأحد بالتنابز على المنابر أو الخروج عن القانون    وزير الدفاع يلتقي ضباط وصف وصناع وجنود المنطقة المركزية العسكرية    سعر الذهب والدولار اليوم الأثنين 24-09-2018 في البنوك المصرية وسعر اليورو والريال السعودي    الرئيس خلال استقباله مديرة صندوق النقد:حريصون علي تهيئة المناخ لجذب استثمارات جديدة    محافظ البحيرة يوجه باتخاذ إجراءات رادعة حيال المتعدين على أملاك الدولة    محافظ قنا: بدء ضخ المياه لأراضي المراشدة في نهاية أكتوبر المقبل    دبلوماسي سابق: مصر تلعب دورًا تاريخيًا واستراتيجيًا في المنطقة    بالاحتجاجات.. ألمانيا تستقبل إرهاب أردوغان    صحيفة: كيف سيدير ترامب خلافه "الإيراني" مع أوروبا أمام الأمم المتحدة؟    رسميا.. محمد صلاح ثالث أفضل لاعب فى العالم 2018    السويد توقف موقتا ترحيل الاويغور إلى الصين    يونيسف: نصف مليون طفل بطرابلس في "خطر مباشر"    عمدة نجريج عن فوز صلاح بجائزة "بوشكاش": "كل يوم بيفاجئنا"    جزاءات بالجملة في »ثاني« يوم دراسة ... عزل مدير مدرسة بلقاس بعد مصرع تلميذ.. وإحالة مدير إدارة فارسكور للتحقيق    "التهرب الجمركي" بالإسكندرية تضبط كمية من السجائر غير خالصة الرسوم    أبرز أفلام مهرجان الجونة السينمائي غدا الثلاثاء من بينها الفيلم المصري "عيار ناري"    محمد صبحى: عرض «خيبتنا» تأخر لأسباب غير رقابية    وزيرة الصحة: لن نتهاون في حقوق المرضى.. والتقصير يساوي حياة إنسان    "الاستئناف" تقبل تصالح توفيق عكاشة في واقعة سرقة تيار كهربائي    بدء تطبيق النظام الجديد للثانوية التراكمية    تفاصيل القبض على أم عرضت رضيعها للبيع على الإنترنت .. فيديو    «المجتمعات العمرانية» تكشف عن تفاصيل طرح أراضي الإسكان المختلط غدا    محافظ الإسكندرية: نرحب بالاستثمارات والتبادل الاقتصادى مع السعودية    «أحلف بسماها» لذوي القدرات بالهناجر    بالفيديو- كارول سماحة بالسيجارة في أحدث كليباتها "مبروك لقلبي"    غادة عادل تتعاقد على بطولة فيلم كازابلانكا‎    الجيش اليمني يواصل تضييق الخناق على الحوثيين في محافظة صعدة    البابا تواضروس يفتتح مبنى للخدمات بكنيسة مارمرقس بنيوجيرسي الأمريكية    صور| كوكا يفتتح سجله التهديفي ويقود أولمبياكوس لفوز قاتل على بانيونيوس    انتداب المعمل الجنائي لكشف ملابسات حريق أبو النمرس    البورصة تنتهى من تدريب 20 مسئولاً باتحاد بورصات اليوروآسيوية    جوناثان وينر: حل القضية الفلسطينية يجب أن يكون سياسيا    بالصور| الخريطة الاسترشادية لزوار «أوتوماك فورميلا 2018»    «الإمام الأكبر»: جامعة الأزهر أهم قلاع العلم في مصر والعالم    صور.. سفير الرباط بالقاهرة يرعى حفل فرقة مغربية بدار الأوبرا المصرية    خالد الجندي: الابتلاء يمكن أن يكون بعدم المرض أو الفقر    خالد الجندي: السيسي يسعى لتحقيق رفاهية الشعوب في كل أنحاء الأرض    صلاح والخطيب !!    بالفيديو .. توقيع بروتوكول تعاون بين وزارتى الداخلية والصحة للقضاء على قوائم الانتظار    "الصباح" تفتح الملف المسكوت عنه.. مأساة مرضى الغسيل الكلوى فى مستشفيات الحكومة    وزير الآثار: أنجزنا 50% من ترميم قصر البارون وافتتاحه العام المقبل    محافظ الجيزة: حملات مستمرة لإزالة العقارات المخالفة بالأحياء والمدن    تشكيل النصر أمام التعاون .. أحمد موسى وحمدالله في الهجوم    “الصحة” تطلق 28 قافلة طبية مجانية ب 20 محافظة خلال 8 أيام    روحانى: على ترامب العودة إلى الاتفاق النووى إذا كان يريد الحوار    رسميا .. بتروجت يشكو طارق مجدى للجبلاية    «الطيب»: دور الأزهر لا ينحصر في التعليم بل يتعدى إلى خدمة الناس    فيديو..عضو رصد الأزهر : 50 % نسبة الطلاق عند الشباب    تحويلات مرورية بطريق الإسماعيلية الصحراوى تقاطع الدائرى بسبب إنشاء كوبرى    مترو الأنفاق: حركة القطارات منتظمة ونتابع 1529 رحلة يوميًا بالخطوط الثلاثة    وفد من اللجنة الأوليمبية المصرية يزور «الدولية» لبحث أزمة مرتضى منصور    انتهت مهلة "خضوعها للكنيسة".. ما هي الأديرة غير المعترف بها رسميًا؟    محافظ جنوب سيناء: مصر عبرت الظروف الصعبة ونعيش الآن أحلى الأيام.. صور    كشف غموض سرقة سيارة بالإكراه في عين شمس    البحوث الإسلامية توضح مشروعية أداء صلاة عن الميت    علاء عبدالعال ل«أخبار الرياضة»:    كيف تحمي نفسك من السحر والحسد .. أمين الفتوى يوضح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فيدور دوستويفسكي ورؤيته إلى العالم والإنسان
نشر في صوت البلد يوم 26 - 05 - 2018

نيقولاي برديائيف (1874-1948) هو من أبرز الفلاسفة «المؤمنين» من بين رؤوس التيار الوجودي، وتبلورت ميوله الثورية من ناحية والفلسفية من ناحية أخرى في نوع من «العشق» لفكرة الحرية الفردية. ووفقاً لبرديائيف، فقد لعب الروائي الروسي فيدور دوستويفسكي دوراً حاسماً في حياته الروحية، كما أثار فيه من الحماسة والنشوة ما لم يثره كاتب أو فيلسوف آخر، وأنه إذا كانت المشكلات الفلسفية تمثّلت لوعيه في وقت مبكر جداً فما ذلك إلا بفضل تلك «الأسئلة اللعينة» التي أثارها دوستويفسكي بكل تأكيد. لذلك، لم يكن غريباً أن يضع برديائيف كتاباً عنوانه «رؤية دوستويفسكي إلى العالم»؛ ترجمه إلى العربية فؤاد كامل (دار آفاق 2018).
ويوضح برديائيف أن دوستويفسكي اكتشف عوالم جديدة، لا تكف عن الحركة، ولا تتضح من دونها المصائر الإنسانية، ولا يمكن دخول هذه العوالم إذا اقتصرنا في بحثنا على الجانب الشكلي من الفن أو حصرنا أنفسنا في علم النفس. وهذه العوالم هي ما أراد برديائيف النفاذ إلى أعماقها حتى أسماه تصور دوستويفسكي للعالم. وماذا يكون تصور أي كاتب للعالم، إن لم يكن هو نفاذه الحدسي Intuitive تماماً إلى الماهية الحميمة لهذا العالم، إلى كل ما يكتشفه المبدع في الكون وفي الحياة: فالأمر لا يتعلق هنا بمذهب مجرد، لا يمكن أن نطلبه – على الأقل – من فنان، ولكن ما نطلبه عند دوستويفسكي هو حدس عبقري للمصير الإنساني والكوني. حدس فني، ولكنه ليس فنياً فحسب، وإنما هو حدس عقلي أيضاً، حدس فلسفي.
ويقال إن كل عبقرية لا بد وأن تكون قومية National بالذات بقدر ما تكون إنسانية. وهذا حق لا مراء فيه إذا قصدنا به دوستويفسكي. فهو روسي حتى أعمق أعماقه، بل هو أكثر روسية من كل كُتَّاب روسيا مجتمعين؛ ولكنه في الوقت نفسه أكثرهم إنسانية، سواء كان ذلك بنفسه أو بالموضوعات التي اختارها. وأعمال دوستويفسكي الروائية، تؤلف المأساة الباطنية للمصير الإنساني. فهو ينتمي إلى ذلك الجنس من الكتاب الذين يضعون أنفسهم في مؤلفاتهم. فقد عبّر عن الشكوك جميعاً، وعن متناقضات روحه كلها، وربما كان قادراً - لأنه لم يُخف شيئاً مما يعتمل في وجوده العميق- على أن يصل إلى هذه الكشوف المذهلة عن الإنسان. فمصير أبطاله هو مصيره نفسه، وشكوكهم وازدواجيتهم هي شكوكه وازدواجيته. وأصالة عبقريته كانت على نحو جعله قادراً في تحليله لمصيره الخاص إلى أقصى مداه؛ على التعبير في الوقت نفسه عن المصير الشامل للإنسان. فهو لم يُخف عنّا شيئاً من مثله الأعلى المزدوج: المثل الأعلى للشر، لسدوم، وعلى القمة تتربع المادونا Madone المثل الأعلى للخير.
هذا التمزق الدائم هو الكشف العظيم الذي قام به دوستويفسكي. وحالة الصَّرع عنده ليست هي نفسها مرضاً عارضاً: ففيها تتكشف الروح عن أعماقها. كان ذكاء دوستويفسكي خارقاً، ويعد بين الأرواح أكثرها حدة، وأدعاها للانبهار في العصور كافة. ولا يعادل ذكاؤه موهبته الفنية فحسب، ولكنه ربما كان متفوقاً عليها. وهو في هذا يختلف اختلافاً شديداً عن تولستوي الذي يعد – بكل تأكيد – فناناً أكثر منه مفكراً. اكتشف دوستويفسكي إذاً عالماً روحياً جديداً، واسترد للإنسان العمق الروحي الذي سُلب منه لوضعه على مستوى متعال. وهذا هو ما يميزه عن ليف تولستوي الذي أدركته عدوى العدمية. ولم يكن الإنسان في نظر دوستويفسكي مجرد ظاهرة طبيعية، من النظام الذي تتبعه سائر الظواهر أياً كان ارتفاعها في سلم الكائنات، إنما كان الإنسان بالنسبة إليه عالماً مصغراً Un microcosme ومركزاً للوجود وشمساً يتحرك حولها كل شيء. وفي الإنسان يكمن لغز الكون؛ وحل مسألة الإنسان معناه حل مسألة الإله. وكتب سنتراخوف Strakhov الذي كان يعرف دوستويفسكي معرفة وثيقة، في معرض الحديث عنه: «كان انتباهه كله موجهاً صوب الناس وكان سعيه منصباً فحسب على إدراك طبيعتهم وشخصيتهم. كان معنياً بالناس، بالناس وحدهم، وبتركيبة نفوسهم، وطريقتهم في الحياة، وبمشاعرهم وأفكارهم».
كان موضوع الإنسان ومصيره هو عند دوستويفسكي - قبل كل شيء- موضوع الحرية. ذلك أن مصير الإنسان وجولاته الأليمة تتحدد بواسطة حريته، وتوضع الحرية - عند دوستويفسكي- في مركز تصور العالم نفسه: وشجنه المحتجب هو شجن الحرية نفسها. هذا هو المصير الفاجع للحرية الذي أوضحه دوستويفسكي عند أبطاله: الحرية تتحول إلى تصرفات عشوائية، إلى توكيد متمرد للذات وعندئذ تتحول إلى شيء عقيم، بلا موضوع، وتجعل من الفرد شيئاً أجوف. وبحسب ذلك التصور؛ يعتقد الإنسان أنه يستطيع خلق عالم أفضل، يختفي فيه الشر والعذاب، ولا تنسكب فيه دموع الأطفال الأبرياء. فلا وجود لكل هذا الشر وهذا العذاب في العالم إلا لأن الحرية تقوم في أساسه. بيد أنه في الحرية أيضاً تستقر كرامة العالم، وكرامة الإنسان. وليس من شك، أننا بإنكارها، نستطيع أن نتجنب الشر والعذاب. وحينئذ يصبح العالم خيِّراً وسعيداً على نحو إجباري. ولكنه يفقد في هذه الحالة صلته بالإله. والحق أنه في مؤلفات دوستويفسكي كان يُفهم لماذا يتمرد الناس على نظام كوني قائم على أساس الآلام الرهيبة، ودموع الأبرياء المعذَّبين. وهو الذي أجاب على لسان «آليوشا» عن سؤال «إيفان» الذي طلب من أخيه أن يوافق على تشييد صرح المصير الإنساني على أساس غاية نهائية هي إسعاد الناس ومنحهم السلام والسكينة في نهاية المطاف.
وظل دوستويفسكي يتساءل طيلة حياته، كما حدث في حلم «ميتيا»: لماذا يوجد آباء التهمت النيران كل ما يملكون، لماذا يوجد أناس مساكين، طفل بائس، لماذا هذه السهوب المقفرة، لماذا لا يتعانق الناس جميعاً، لماذا لا يحضنون بعضهم بعضاً، لماذا لا ينشدون أغاني مرحة، لماذا اسودت أفئدتهم بالشقاء على هذا النحو، لماذا لا يطعمون الطفل؟
كان دوستويفسكي روسياً صميماً، كما كان كاتباً لروسيا، فلا نستطيع أن نتخيله خارجها. ولغز النفس الروسية يمكن أن نفك رموزه فيه؛ فقد كان هو نفسه هذا اللغز، وفيه تتركز متناقضاته. والغربيون يفهمون روسيا من خلال دوستويفسكي. بيد أنه لم يفعل أكثر من أن يعكس الجو المحيط بالنفس الروسية، والتعبير عنها، كما كان مبشراً بالفكرة الروسية، وبالوعي القومي الروسي، متسماً هو نفسه بكل نقائص هذا الوعي القومي وانحرافاته: بالتواضع والصلف، بالتعاطف العالمي، وبالوطنية المتزمتة. وعندما ألقى دوستويفسكي خطابه الشهير عن بوشكين، استخدم هذه العبارات، موجهاً كلامه إلى مواطنيه: «تواضع، يا أيها الإنسان المتكبر». ولم يكن هذا التواضع الذي يدعو إليه مجرد تواضع، فقد كان يعتبر الشعب الروسي أشد شعوب الأرض تواضعاً، بيد أنه كان فخوراً بهذا التواضع. وكان هذا في الواقع هو موطن الكبرياء عند الروس. وعند دوستويفسكي كان ينبغي على كل شعب عظيم – إذا أراد أن يستمر طويلاً في الحياة، أن يؤمن بأن فيه، وفيه وحده، يستقر خلاص العالم، وبأنه يحيا لكي يظل رأس الشعوب، لكي يربطهم جميعاً حوله، ويقودهم في جماعة موحدة صوب غاية نهائية؛ عليه أن يعهد بها إليهم جميعاً. وعنده أيضاً، ربما كانت النفس الروسية وعبقرية الشعب الروسي أقدر من غيرها في سائر الشعوب الأخرى على احتضان فكرة الاتحاد العالمي والإخاء.
نيقولاي برديائيف (1874-1948) هو من أبرز الفلاسفة «المؤمنين» من بين رؤوس التيار الوجودي، وتبلورت ميوله الثورية من ناحية والفلسفية من ناحية أخرى في نوع من «العشق» لفكرة الحرية الفردية. ووفقاً لبرديائيف، فقد لعب الروائي الروسي فيدور دوستويفسكي دوراً حاسماً في حياته الروحية، كما أثار فيه من الحماسة والنشوة ما لم يثره كاتب أو فيلسوف آخر، وأنه إذا كانت المشكلات الفلسفية تمثّلت لوعيه في وقت مبكر جداً فما ذلك إلا بفضل تلك «الأسئلة اللعينة» التي أثارها دوستويفسكي بكل تأكيد. لذلك، لم يكن غريباً أن يضع برديائيف كتاباً عنوانه «رؤية دوستويفسكي إلى العالم»؛ ترجمه إلى العربية فؤاد كامل (دار آفاق 2018).
ويوضح برديائيف أن دوستويفسكي اكتشف عوالم جديدة، لا تكف عن الحركة، ولا تتضح من دونها المصائر الإنسانية، ولا يمكن دخول هذه العوالم إذا اقتصرنا في بحثنا على الجانب الشكلي من الفن أو حصرنا أنفسنا في علم النفس. وهذه العوالم هي ما أراد برديائيف النفاذ إلى أعماقها حتى أسماه تصور دوستويفسكي للعالم. وماذا يكون تصور أي كاتب للعالم، إن لم يكن هو نفاذه الحدسي Intuitive تماماً إلى الماهية الحميمة لهذا العالم، إلى كل ما يكتشفه المبدع في الكون وفي الحياة: فالأمر لا يتعلق هنا بمذهب مجرد، لا يمكن أن نطلبه – على الأقل – من فنان، ولكن ما نطلبه عند دوستويفسكي هو حدس عبقري للمصير الإنساني والكوني. حدس فني، ولكنه ليس فنياً فحسب، وإنما هو حدس عقلي أيضاً، حدس فلسفي.
ويقال إن كل عبقرية لا بد وأن تكون قومية National بالذات بقدر ما تكون إنسانية. وهذا حق لا مراء فيه إذا قصدنا به دوستويفسكي. فهو روسي حتى أعمق أعماقه، بل هو أكثر روسية من كل كُتَّاب روسيا مجتمعين؛ ولكنه في الوقت نفسه أكثرهم إنسانية، سواء كان ذلك بنفسه أو بالموضوعات التي اختارها. وأعمال دوستويفسكي الروائية، تؤلف المأساة الباطنية للمصير الإنساني. فهو ينتمي إلى ذلك الجنس من الكتاب الذين يضعون أنفسهم في مؤلفاتهم. فقد عبّر عن الشكوك جميعاً، وعن متناقضات روحه كلها، وربما كان قادراً - لأنه لم يُخف شيئاً مما يعتمل في وجوده العميق- على أن يصل إلى هذه الكشوف المذهلة عن الإنسان. فمصير أبطاله هو مصيره نفسه، وشكوكهم وازدواجيتهم هي شكوكه وازدواجيته. وأصالة عبقريته كانت على نحو جعله قادراً في تحليله لمصيره الخاص إلى أقصى مداه؛ على التعبير في الوقت نفسه عن المصير الشامل للإنسان. فهو لم يُخف عنّا شيئاً من مثله الأعلى المزدوج: المثل الأعلى للشر، لسدوم، وعلى القمة تتربع المادونا Madone المثل الأعلى للخير.
هذا التمزق الدائم هو الكشف العظيم الذي قام به دوستويفسكي. وحالة الصَّرع عنده ليست هي نفسها مرضاً عارضاً: ففيها تتكشف الروح عن أعماقها. كان ذكاء دوستويفسكي خارقاً، ويعد بين الأرواح أكثرها حدة، وأدعاها للانبهار في العصور كافة. ولا يعادل ذكاؤه موهبته الفنية فحسب، ولكنه ربما كان متفوقاً عليها. وهو في هذا يختلف اختلافاً شديداً عن تولستوي الذي يعد – بكل تأكيد – فناناً أكثر منه مفكراً. اكتشف دوستويفسكي إذاً عالماً روحياً جديداً، واسترد للإنسان العمق الروحي الذي سُلب منه لوضعه على مستوى متعال. وهذا هو ما يميزه عن ليف تولستوي الذي أدركته عدوى العدمية. ولم يكن الإنسان في نظر دوستويفسكي مجرد ظاهرة طبيعية، من النظام الذي تتبعه سائر الظواهر أياً كان ارتفاعها في سلم الكائنات، إنما كان الإنسان بالنسبة إليه عالماً مصغراً Un microcosme ومركزاً للوجود وشمساً يتحرك حولها كل شيء. وفي الإنسان يكمن لغز الكون؛ وحل مسألة الإنسان معناه حل مسألة الإله. وكتب سنتراخوف Strakhov الذي كان يعرف دوستويفسكي معرفة وثيقة، في معرض الحديث عنه: «كان انتباهه كله موجهاً صوب الناس وكان سعيه منصباً فحسب على إدراك طبيعتهم وشخصيتهم. كان معنياً بالناس، بالناس وحدهم، وبتركيبة نفوسهم، وطريقتهم في الحياة، وبمشاعرهم وأفكارهم».
كان موضوع الإنسان ومصيره هو عند دوستويفسكي - قبل كل شيء- موضوع الحرية. ذلك أن مصير الإنسان وجولاته الأليمة تتحدد بواسطة حريته، وتوضع الحرية - عند دوستويفسكي- في مركز تصور العالم نفسه: وشجنه المحتجب هو شجن الحرية نفسها. هذا هو المصير الفاجع للحرية الذي أوضحه دوستويفسكي عند أبطاله: الحرية تتحول إلى تصرفات عشوائية، إلى توكيد متمرد للذات وعندئذ تتحول إلى شيء عقيم، بلا موضوع، وتجعل من الفرد شيئاً أجوف. وبحسب ذلك التصور؛ يعتقد الإنسان أنه يستطيع خلق عالم أفضل، يختفي فيه الشر والعذاب، ولا تنسكب فيه دموع الأطفال الأبرياء. فلا وجود لكل هذا الشر وهذا العذاب في العالم إلا لأن الحرية تقوم في أساسه. بيد أنه في الحرية أيضاً تستقر كرامة العالم، وكرامة الإنسان. وليس من شك، أننا بإنكارها، نستطيع أن نتجنب الشر والعذاب. وحينئذ يصبح العالم خيِّراً وسعيداً على نحو إجباري. ولكنه يفقد في هذه الحالة صلته بالإله. والحق أنه في مؤلفات دوستويفسكي كان يُفهم لماذا يتمرد الناس على نظام كوني قائم على أساس الآلام الرهيبة، ودموع الأبرياء المعذَّبين. وهو الذي أجاب على لسان «آليوشا» عن سؤال «إيفان» الذي طلب من أخيه أن يوافق على تشييد صرح المصير الإنساني على أساس غاية نهائية هي إسعاد الناس ومنحهم السلام والسكينة في نهاية المطاف.
وظل دوستويفسكي يتساءل طيلة حياته، كما حدث في حلم «ميتيا»: لماذا يوجد آباء التهمت النيران كل ما يملكون، لماذا يوجد أناس مساكين، طفل بائس، لماذا هذه السهوب المقفرة، لماذا لا يتعانق الناس جميعاً، لماذا لا يحضنون بعضهم بعضاً، لماذا لا ينشدون أغاني مرحة، لماذا اسودت أفئدتهم بالشقاء على هذا النحو، لماذا لا يطعمون الطفل؟
كان دوستويفسكي روسياً صميماً، كما كان كاتباً لروسيا، فلا نستطيع أن نتخيله خارجها. ولغز النفس الروسية يمكن أن نفك رموزه فيه؛ فقد كان هو نفسه هذا اللغز، وفيه تتركز متناقضاته. والغربيون يفهمون روسيا من خلال دوستويفسكي. بيد أنه لم يفعل أكثر من أن يعكس الجو المحيط بالنفس الروسية، والتعبير عنها، كما كان مبشراً بالفكرة الروسية، وبالوعي القومي الروسي، متسماً هو نفسه بكل نقائص هذا الوعي القومي وانحرافاته: بالتواضع والصلف، بالتعاطف العالمي، وبالوطنية المتزمتة. وعندما ألقى دوستويفسكي خطابه الشهير عن بوشكين، استخدم هذه العبارات، موجهاً كلامه إلى مواطنيه: «تواضع، يا أيها الإنسان المتكبر». ولم يكن هذا التواضع الذي يدعو إليه مجرد تواضع، فقد كان يعتبر الشعب الروسي أشد شعوب الأرض تواضعاً، بيد أنه كان فخوراً بهذا التواضع. وكان هذا في الواقع هو موطن الكبرياء عند الروس. وعند دوستويفسكي كان ينبغي على كل شعب عظيم – إذا أراد أن يستمر طويلاً في الحياة، أن يؤمن بأن فيه، وفيه وحده، يستقر خلاص العالم، وبأنه يحيا لكي يظل رأس الشعوب، لكي يربطهم جميعاً حوله، ويقودهم في جماعة موحدة صوب غاية نهائية؛ عليه أن يعهد بها إليهم جميعاً. وعنده أيضاً، ربما كانت النفس الروسية وعبقرية الشعب الروسي أقدر من غيرها في سائر الشعوب الأخرى على احتضان فكرة الاتحاد العالمي والإخاء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.