روسيا تدعو أمريكا للإفراج عن مادورو وزوجته    حسام حسن يوضح حقيقة هجومه على جماهير المغرب بعد مباراة مصر وبنين    «صفحة جديدة» لوزارة المالية.. مجلة توثق مسار الثقة والشراكة مع مجتمع الأعمال    نادي قضاة مصر يهنئ قداسة البابا تواضروس الثاني بمناسبة عيد الميلاد المجيد    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    تجربة فريدة من جامعة القاهرة.. افتتاح مركز للدعم النفسى للطلاب    التعادل يحسم مباراة البنك الأهلي ووادى دجلة بكأس عاصمة مصر    بنتايج يدخل حسابات بيراميدز بعد إصابة حمدي بالصليبي    وزير الرياضة بعد الفوز على بنين: كل مباراة في الأدوار الإقصائية لأمم إفريقيا بطولة    الأرصاد: منخفض جوي يضرب البلاد الجمعة المقبل.. انخفاض الحرارة ونشاط الرياح    صحة القليوبية تفجر مفاجأة بشأن مركز علاج الإدمان ببنها المحترق    بحث علمي جديد لتوثيق الأبعاد النغمية في المقام العربي والسلالم الغربية    أسرار الكتب التى تقرأها لقاء خميسى فى أول رد لها بعد بوست الفنانة إيمان الزيدى    محامٍ بالجنائية الدولية يكشف ل كلمة أخيرة كواليس 4 اتهامات أمريكية لمادورو    بعد الفوز على بنين.. أحمد سالم: صعبنا الماتش على نفسنا بس خلينا نفرح    محافظ الإسماعيلية يتابع خطة مديرية الشئون الصحية خلال الاحتفال بعيد الميلاد المجيد    بيطرى القليوبية: تحصين 45 ألف طائر خلال ديسمبر 2025    تأجيل أولى جلسات محاكمة صانع المحتوى شاكر محظور بتهمة بث فيديوهات خادشة إلى 11 يناير    ارتفاع أعداد الزائرين الأجانب للمتحف القومي للحضارة بنسبة 13% خلال 2025    «هيئة الدواء» تبحث سبل توطين صناعة أدوية الأورام والمستحضرات الحيوية    وزير البترول الأسبق: لا أتوقع تغييرا كبيرا في أسعار النفط.. وفنزويلا بروفة لما يمكن أن يحدث في المنطقة    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    رومانو: برشلونة يتقدم بعرض إلى الهلال من أجل كانسيلو    علاء حجاب يكتب: دخول من الباب الواسع    نيجيريا ضد موزمبيق.. التشكيل الرسمي لمواجهة ثمن نهائي أمم أفريقيا    لمنع حوادث القطارات.. محافظ أسوان: وضع حجر أساس كوبرى مشاة كيما خلال أيام    أمن المنوفية يضبط رجلا انهى حياة أرملة والده بدمليج    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    المجتمع الدولى !    مشروبات طبيعية لتحسين التركيز أثناء المذاكرة في الأسبوع الأخير قبل الامتحانات    انطلاق الثورة وبداية هجرة اليهود فى الثلاثينيات.. فلسطين 36 فيلم يروى الآلام التاريخية للفلسطينيين فى دور العرض المصرية    البلاستيك ب30 جنيها، أسعار الخردة في مصر بختام تعاملات اليوم الإثنين    التنظيم والإدارة يتيح الاستعلام عن موعد الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لشغل 425 وظيفة بوزارة الخارجية    شراكة إعلامية استراتيجية بين مؤسسة الأهرام والتليفزيون المصري    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك الأربعاء المقبل بمناسبة عيد الميلاد المجيد    المستشارة أمل عمار تشهد افتتاح مركز ميدوم لتنمية المهارات التراثية بمحافظة بني سويف    قافلة «زاد العزة» ال109 تحمل أكثر من 148 ألف سلة غذائية من مصر إلى غزة    استئناف الإسكندرية تخفف حكم الإعدام لعاطل متهم بقتل زوجته بالسجن المشدد 15 سنة    قراء اليوم السابع: محمد الشناوى الأحق بحراسة مرمى منتخب مصر أمام بنين    45 ألف دولار راتبًا شهريًا..كواليس مفاوضات الزمالك مع ميكالي    مفاوضات مرتقبة بين سوريا وإسرائيل في باريس لإبرام اتفاق أمني    تعليم الفيوم ينظم تدريبا لمعلمي اللغة العربية الجدد    عاجل- موجة برد قوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وتحذيرات للمزارعين والسائقين    أمم إفريقيا - مؤتمر باكامبو: معنوياتنا مرتفعة قبل مواجهة الجزائر.. وهذه فرصة لإظهار جودتنا    260% زيادة في أسعار الكتاكيت بالسوق المحلية خلال أسبوع واحد فقط بسبب استعدادات رمضان    مايكل أوهيرلي: لا توجد أي مبادئ أو أسس قانونية لما قامت به إدارة ترامب في فنزويلا    ضبط عصابة دجل وشعوذة تستولى على أموال المواطنين بالقاهرة    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    الرئيس السيسي يوجه بتوسيع الجيل الخامس وتوطين صناعة الاتصالات ودعم الحوسبة السحابية    "العمل": 7293 فرصة عمل جديدة في 12 محافظة    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص في قنا    نصف كيلو سنويا.. زيادة صامتة تهدد وزن وصحة البالغين    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في حب العقاد.. في ذكرى رحيله الرابعة والخمسين
نشر في صوت البلد يوم 26 - 02 - 2018


إذا شيعوني يوم تقضى منيتي
وقالوا أراح الله ذاك المعذبا
فلا تحملوني صامتين إلى الثرى
فإني أخاف اللحد أن يتهيبا
وغنوا فإن الموت كأس شهية
ومازال يحلو أن يغنى ويشربا
ولا تذكروني بالبكاء وإنما
أعيدوا على سمعي القصيد فأطربا
وصية العقاد لمشيعي جثمانه
رحل العقاد الجبار في آذار من عام 1964 ومن عجائب الأقدار أن يكون يوم دفن جثمانه بمسقط رأسه أسوان هو يوم 13 مارس ، هل غلب الرقم 13 العقاد الذي تحدى مظاهر الشؤم ومنها الرقم 13 نذير الشؤم والنحس؟ العقاد الذي يعيش بعقل الناقد والممحص وبروح الاستعداد والمواجهة بارز حتى هذا الرقم لا مبارزة دونكشوت لطواحين الهواء لكن بفروسية أبي زيد الهلالي فسكن في البيت رقم 13 بشارع السلطان سليم بمصر الجديدة واختار يوم 13 لإعادة بناء بيته القديم بأسوان هل هزمه هذا الرقم ؟ كلا وإنما هي محض مصادفة.
يعلمنا العقاد كيف نحب الحياة ونتفاءل خيرا لا بالكلام بل بالفعل ومرة أخرى يتحدى الشؤم ممثلا في شخص ابن الرومي ذلك الشاعر المغبون الذي كان هو ذاته من أشد المتشائمين بالناس فما كتب عنه أحد إلا ونالته مصيبة حتى تحاشاه الكتاب جميعا لكن العقاد المعجب بالشاعر قرر أن ينصفه وأن يظهر فرادة هذا الشاعر الكبير وعبقريته في التصوير فكتب عنه كتابه الشهير “ابن الرومي حياته من شعره” ومرة أخرى تغالبه الأقدار ويدخل السجن بعد صدور الكتاب بسبب العيب في الذات الملكية وكلمته المدوية في مجلس الشعب آنذاك لما حاول الملك العبث بالدستور فقال :إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلد يخون الأمة ويعتدي على الدستور” فدخل السجن تسعة أشعر وكتب عن تجربة السجن كتابه “عالم السدود والقيود” .
وقال بعد خروجه من السجن وهو يزور قبر سعد زغلول :
وكنتُ جَنينَ السِّجنِ تسعةَ أشهُرٍ
فهَأنَذَا في ساحةِ الخُلْدِ أُولَدُ
وفي كلِّ يومٍ يُولَدُ المرءُ ذُو الحِجَى
وفي كلِّ يومٍ ذُو الجَهَالةِ يُلحد
عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم
سيعهدني كل كما كان يعهد
وفي دخوله السجن رأى كثيرون أنه شؤم ابن الرومي حل به لكن العقاد في تجربة السجن بالذات يبين دور المثقف في الدفاع عن القيم : العدالة، الحرية ، المساواة ، القانون فوق الجميع بمن فيهم الملك ولو اقتضى الأمر السجن والتشريد فكم هم المثقفون العرب اليوم الذين يجأرون بالحق في وجوه الفساد والاستبداد؟ لا يعني هذا مطلقا إنكار وجودهم لكن الإشارة إلى قلتهم.
ومرة أخرى يجأر الكاتب برأيه مدافعا عن طه حسين لما أصدر كتابه الشهير” في الشعر الجاهلي” والذي أدى إلى محاكمته وفصله عن عمله وتهديده في حياته يدافع العقاد عن حق طه حسين في التعبير وحريته في التفكير على الرغم من الخلاف الشديد بينهما ويثبت أن المثقف دائما في ساحة المعركة نصيرا للعدل والحرية والمساواة.
الجهر بالرأي سمة الكاتب المفكر ولو كان يؤمن به لوحده ففي محاربته لتيار الشعر الحديث قام متمسكا برأيه يقارع الخصوم بالكلمة المكتوبة والمنطوقة وبالقرار وحين كان مقررا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب كان يحيل قصائد الشعراء الشباب على لجنة النثر للاختصاص مقررا أن ما يكتبونه هو نثر لا شعر وهاجمه وتهكم منه من تهكم ولكنه صمد في موقفه وأمضى قراره والمحصلة أن المثقف يجهر برأيه ولا يبالي رضي من رضي وغضب من غضب فقد كان بإمكان الكاتب أن يحابي ويداجي على حساب قناعاته ويربح هذه الفئة الشبابية الجديدة ويريح نفسه من وجع الدماغ لكنه كعهده مدافعا عن مثله العليا وقيمه الأخلاقية وقناعاته الفكرية.
الدفاع عن الفكرة التي يؤمن بها ديدن الكاتب فقد كتب كتابه عن هتلر في أوج صعود النازية حتى إنه لما دخلت جيوش هتلر إلى إفريقيا هرب العقاد إلى السودان إنقاذا لنفسه من جيوش هتلر ونفس الموقف اتخذه من الشيوعية فقد كان الفكر اليساري المتطرف منتشرا وبضاعته رائجة كذلك هاجم الشيوعية كتابة وحديثا وأصدر كتابه الشهير” أفيون الشعوب” رادا على الشيوعية بضاعتها حين اتخذت من الكلمة المشهورة لماركس” الدين أفيون الشعوب” فجعلها الكاتب هي أفيون الشعوب وشفع ذلك بكتاب تالي “لا شيوعية ولا استعمار”.
لكن موقف العقاد من المرأة هو الجدير بالذكر فمن المعروف عن العقاد أنه كون رأيا عن المرأة اختص به لوحده ونشره في مؤلفات عديدة أشهرها” المرأة في القران الكريم “و”هذه الشجرة” في الوقت الذي كانت فيه الجمعيات النسوية رائجة في الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل وفي حرية التصرف وكان المثقفون يكتبون متحمسين مناصرين جهر الكاتب مرة أخرى برأيه فكتب أن مملكة المرأة بيتها وأن الطبيعة قائمة على مبدأ الاختلاف وأن الرجل لا يمكنه أن يقوم بدور المرأة والعكس صحيح مسؤولية المرأة في البيت في التربية للجيل الناشئ ومسؤولية الرجل خارجه في العمل ولم يخف إعجابه بدعوة قاسم أمين من أجل تعليم وتربية المرأة. موقف دقيق خاف الكثيرون من الجهر به خوفا من تبعاته لكن العقاد جأر به مرة أخرى.
بل أعلن العقاد الشاعر أراء صادمة عن المرأة من نوع( تخون وتخدع وتنسى في لحظة واحدة عشرات السنين).وأوصى الرجل:
خل الملام فليس يثنيها
حب الخداع طبيعة فيها
هو سرها وطلاء زينتها
وطبيعة للنفس تحييها
وهو انتقام الضعف ينفذها
من يصطفيها أو يعاديه
أنت الملوم إذا أردت لها
ما لم يرده قضاء باريها
خنها ولا تخلص لها أبدا
تخلص إلى أغلى غواليها
وسواء أكان رأي العقاد هذا رأيا علميا دقيقا أم تحت تأثير هزيمته في حلبة الحب فهو يشكل إثباتا لقولنا أن الكاتب يعلن آراءه لا يبالي ولا يداهن.
في قضية المرأة بالذات قال العقاد في مقالاته وفي صالونه أن المرأة لا تنافس الرجل لا في مواهبه و ولا في قدراته ودلل على ذلك بشواهد عديدة الرثاء ، الطبخ، الأزياء فإذا كانت هذه الأشياء من اختصاص المرأة فإن الرجل بذها فيها مستشهدا برثاء أبي العلاء بالقياس إلى رثاء الخنساء ومصممي الأزياء وكبار الطهاة الذين هم رجال وليسو نساء.
ما زال العقاد يعلن أراءه المناقضة لما يؤمن به الناس ويتكالب عليه المثقفون من غير مداهنة ومرة أخرى حين أعلن موقفه من المذاهب الحديثة الفكرية والفنية فتهكم من الوجودية ومن سارتر وعبد الرحمن بدوي ومن مسرح اللامعقول ومن السريالية والدادية والتكعيبية ورأى أنها مذاهب هدامة نذير انحطاط ونهاية. فالفنان يعقل الأشياء وينظم الفوضى ولا يزيدها غموضا إلى غموض وفوضى إلى فوضى وهذا كله تحت تأثير النزعة العقلية التي يتسم بها فكره فهو منطقي وعقلاني حتى في شعره.
رفض العقاد المذاهب الشمولية وحاربها لا نتهاكها الحرية الإنسانية مؤمنا أشد الإيمان بخصوصية الفرد وفرادة الكائن البشري كما رأى أن العظماء لازمون للتاريخ في صناعته كما أنصف من اعتقد أن ضيما لحق به من هنا كانت كتاباته الإسلامية عن عظماء الإسلام بدء بمحمد عليه السلام وخالد وأبي بكر وعثمان وعمر وعمرو بن العاص وانتهاء بعظماء العالم كبنيامين فرانكلين وصن يات صن وغاندي وشكسبير وجوته وغيرهم .
إنما تجدر الإشارة إلى المنهج الفريد الذي اتبعه فهو منهج لا يهتم بالسرد التاريخي النمطي بل منهج نفسي يغوص في أعماق المترجم له ويكتشف سره أو مفتاح الشخصية كما أسماه مستثمرا تلك الكتابات التاريخية عنه في إضاءة جوانب شخصيته ودهاليز نفسه
ناخلا تلك المعطيات التاريخية مميزا بين الحب والزؤان.
وحتى إنه إيمانا بقناعاته الفكرية نصب نفسه مدافعا عن قيم الإسلام مبينا وهجه السماوي وألقه الإنساني ضد حملات التشويه من قبل مثقفي الغرب ورعاة الإمبريالية في مؤلفات دقيقة مثل “حقائق الإسلام وأباطيل خصومه” “ما يقال عن الإسلام”…….
على أن أثمن قيمة للعقاد-رحمه الله- هي إعلاؤه من شان الفكر وهو صاحب كتاب “التفكير فريضة إسلامية ” ولقد صرح لأماني ناشد قبل وفاته بشهرين في الحديث التلفزيوني الشهير بترتيب أنيس منصور إجابة عن سؤالها ماذا أضاف للثقافة العربية نثرا وشعرا وفكرا؟ فكانت إجابته أنه أولا حطم الألقاب وجعل التفكير قيمة مستقلة عن اللقب فالعقاد حامل الشهادة الابتدائية ناطح جبابرة الفكر وألف أكثر من ثمانين كتابا وخاض معارك أدبية وفكرية مع كل رجال الثقافة الحديثة وما وهن منه عظم أو تعب منه ساعد حتى قال عنه لويس عوض “صورة العقاد عندي لا تختلف عن صورة هرقل الجبار الذي يسحق بهراوته الأفاعي والتنانين والمردة وكل قوى الشر في العالم”. إن هذا معناه أن الإنسان بجهده وكفاحه وإخلاصه يمكن أن يثقف نفسه وتكون له شخصية ثقافية دون الارتكاز على اللقب العلمي أو الاستناد إلى الشهادة الجامعية وليس معنى هذا بخس الجامعيين شهاداتهم وإنما التنديد بالاعتماد على اللقب وحده وجعله سلطة لا تطالها كلمة ولا يصلها نقد دون إضافة لميدان الفكر ولا دفاع عن حق مهضوم أو حرية غائبة إنما الاجترار والتيه على الناس باللقب والارتزاق منه في الصالونات والأحاديث التلفزيونية والإذاعية التي لا تعني شيئا كثيرا ونظرة على واقعنا المتأخر جدا والمتسم بالظلم والاستبداد والعبث بالمال العام والتخلف والنفاق والدجل والانتهازية ما ذا فعل حملة الشهادة لتغيير هذا الواقع فلو قاموا بدورهم التنويري والتثويري ما كنا في ذيل دول العالم من حيث الصناعة والنهضة والحداثة؟ وهذا لا بعني المس بنضال الكثيرين وبسالتهم وبلائهم الحسن في ميدان الكتاب والتنوير إنما الإشارة الضمنية إلى الحضيض الذي صرنا إليه بولوعنا بالشكل على حساب المضمون والتكالب على مائدة السلطة بشكل مريع.
إن مأساتنا تكمن في امتثال بعض المثقفين لأوامر السياسيين ومداهنتهم للجماهير وتحولهم إلى مرتزقة يجرون وراء ريع السلطة أو يتقون بطشها أو يكتفون باللقمبه والتواطؤ بالصمت غير المبرر
إذا شيعوني يوم تقضى منيتي
وقالوا أراح الله ذاك المعذبا
فلا تحملوني صامتين إلى الثرى
فإني أخاف اللحد أن يتهيبا
وغنوا فإن الموت كأس شهية
ومازال يحلو أن يغنى ويشربا
ولا تذكروني بالبكاء وإنما
أعيدوا على سمعي القصيد فأطربا
وصية العقاد لمشيعي جثمانه
رحل العقاد الجبار في آذار من عام 1964 ومن عجائب الأقدار أن يكون يوم دفن جثمانه بمسقط رأسه أسوان هو يوم 13 مارس ، هل غلب الرقم 13 العقاد الذي تحدى مظاهر الشؤم ومنها الرقم 13 نذير الشؤم والنحس؟ العقاد الذي يعيش بعقل الناقد والممحص وبروح الاستعداد والمواجهة بارز حتى هذا الرقم لا مبارزة دونكشوت لطواحين الهواء لكن بفروسية أبي زيد الهلالي فسكن في البيت رقم 13 بشارع السلطان سليم بمصر الجديدة واختار يوم 13 لإعادة بناء بيته القديم بأسوان هل هزمه هذا الرقم ؟ كلا وإنما هي محض مصادفة.
يعلمنا العقاد كيف نحب الحياة ونتفاءل خيرا لا بالكلام بل بالفعل ومرة أخرى يتحدى الشؤم ممثلا في شخص ابن الرومي ذلك الشاعر المغبون الذي كان هو ذاته من أشد المتشائمين بالناس فما كتب عنه أحد إلا ونالته مصيبة حتى تحاشاه الكتاب جميعا لكن العقاد المعجب بالشاعر قرر أن ينصفه وأن يظهر فرادة هذا الشاعر الكبير وعبقريته في التصوير فكتب عنه كتابه الشهير “ابن الرومي حياته من شعره” ومرة أخرى تغالبه الأقدار ويدخل السجن بعد صدور الكتاب بسبب العيب في الذات الملكية وكلمته المدوية في مجلس الشعب آنذاك لما حاول الملك العبث بالدستور فقال :إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلد يخون الأمة ويعتدي على الدستور” فدخل السجن تسعة أشعر وكتب عن تجربة السجن كتابه “عالم السدود والقيود” .
وقال بعد خروجه من السجن وهو يزور قبر سعد زغلول :
وكنتُ جَنينَ السِّجنِ تسعةَ أشهُرٍ
فهَأنَذَا في ساحةِ الخُلْدِ أُولَدُ
وفي كلِّ يومٍ يُولَدُ المرءُ ذُو الحِجَى
وفي كلِّ يومٍ ذُو الجَهَالةِ يُلحد
عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم
سيعهدني كل كما كان يعهد
وفي دخوله السجن رأى كثيرون أنه شؤم ابن الرومي حل به لكن العقاد في تجربة السجن بالذات يبين دور المثقف في الدفاع عن القيم : العدالة، الحرية ، المساواة ، القانون فوق الجميع بمن فيهم الملك ولو اقتضى الأمر السجن والتشريد فكم هم المثقفون العرب اليوم الذين يجأرون بالحق في وجوه الفساد والاستبداد؟ لا يعني هذا مطلقا إنكار وجودهم لكن الإشارة إلى قلتهم.
ومرة أخرى يجأر الكاتب برأيه مدافعا عن طه حسين لما أصدر كتابه الشهير” في الشعر الجاهلي” والذي أدى إلى محاكمته وفصله عن عمله وتهديده في حياته يدافع العقاد عن حق طه حسين في التعبير وحريته في التفكير على الرغم من الخلاف الشديد بينهما ويثبت أن المثقف دائما في ساحة المعركة نصيرا للعدل والحرية والمساواة.
الجهر بالرأي سمة الكاتب المفكر ولو كان يؤمن به لوحده ففي محاربته لتيار الشعر الحديث قام متمسكا برأيه يقارع الخصوم بالكلمة المكتوبة والمنطوقة وبالقرار وحين كان مقررا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب كان يحيل قصائد الشعراء الشباب على لجنة النثر للاختصاص مقررا أن ما يكتبونه هو نثر لا شعر وهاجمه وتهكم منه من تهكم ولكنه صمد في موقفه وأمضى قراره والمحصلة أن المثقف يجهر برأيه ولا يبالي رضي من رضي وغضب من غضب فقد كان بإمكان الكاتب أن يحابي ويداجي على حساب قناعاته ويربح هذه الفئة الشبابية الجديدة ويريح نفسه من وجع الدماغ لكنه كعهده مدافعا عن مثله العليا وقيمه الأخلاقية وقناعاته الفكرية.
الدفاع عن الفكرة التي يؤمن بها ديدن الكاتب فقد كتب كتابه عن هتلر في أوج صعود النازية حتى إنه لما دخلت جيوش هتلر إلى إفريقيا هرب العقاد إلى السودان إنقاذا لنفسه من جيوش هتلر ونفس الموقف اتخذه من الشيوعية فقد كان الفكر اليساري المتطرف منتشرا وبضاعته رائجة كذلك هاجم الشيوعية كتابة وحديثا وأصدر كتابه الشهير” أفيون الشعوب” رادا على الشيوعية بضاعتها حين اتخذت من الكلمة المشهورة لماركس” الدين أفيون الشعوب” فجعلها الكاتب هي أفيون الشعوب وشفع ذلك بكتاب تالي “لا شيوعية ولا استعمار”.
لكن موقف العقاد من المرأة هو الجدير بالذكر فمن المعروف عن العقاد أنه كون رأيا عن المرأة اختص به لوحده ونشره في مؤلفات عديدة أشهرها” المرأة في القران الكريم “و”هذه الشجرة” في الوقت الذي كانت فيه الجمعيات النسوية رائجة في الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل وفي حرية التصرف وكان المثقفون يكتبون متحمسين مناصرين جهر الكاتب مرة أخرى برأيه فكتب أن مملكة المرأة بيتها وأن الطبيعة قائمة على مبدأ الاختلاف وأن الرجل لا يمكنه أن يقوم بدور المرأة والعكس صحيح مسؤولية المرأة في البيت في التربية للجيل الناشئ ومسؤولية الرجل خارجه في العمل ولم يخف إعجابه بدعوة قاسم أمين من أجل تعليم وتربية المرأة. موقف دقيق خاف الكثيرون من الجهر به خوفا من تبعاته لكن العقاد جأر به مرة أخرى.
بل أعلن العقاد الشاعر أراء صادمة عن المرأة من نوع( تخون وتخدع وتنسى في لحظة واحدة عشرات السنين).وأوصى الرجل:
خل الملام فليس يثنيها
حب الخداع طبيعة فيها
هو سرها وطلاء زينتها
وطبيعة للنفس تحييها
وهو انتقام الضعف ينفذها
من يصطفيها أو يعاديه
أنت الملوم إذا أردت لها
ما لم يرده قضاء باريها
خنها ولا تخلص لها أبدا
تخلص إلى أغلى غواليها
وسواء أكان رأي العقاد هذا رأيا علميا دقيقا أم تحت تأثير هزيمته في حلبة الحب فهو يشكل إثباتا لقولنا أن الكاتب يعلن آراءه لا يبالي ولا يداهن.
في قضية المرأة بالذات قال العقاد في مقالاته وفي صالونه أن المرأة لا تنافس الرجل لا في مواهبه و ولا في قدراته ودلل على ذلك بشواهد عديدة الرثاء ، الطبخ، الأزياء فإذا كانت هذه الأشياء من اختصاص المرأة فإن الرجل بذها فيها مستشهدا برثاء أبي العلاء بالقياس إلى رثاء الخنساء ومصممي الأزياء وكبار الطهاة الذين هم رجال وليسو نساء.
ما زال العقاد يعلن أراءه المناقضة لما يؤمن به الناس ويتكالب عليه المثقفون من غير مداهنة ومرة أخرى حين أعلن موقفه من المذاهب الحديثة الفكرية والفنية فتهكم من الوجودية ومن سارتر وعبد الرحمن بدوي ومن مسرح اللامعقول ومن السريالية والدادية والتكعيبية ورأى أنها مذاهب هدامة نذير انحطاط ونهاية. فالفنان يعقل الأشياء وينظم الفوضى ولا يزيدها غموضا إلى غموض وفوضى إلى فوضى وهذا كله تحت تأثير النزعة العقلية التي يتسم بها فكره فهو منطقي وعقلاني حتى في شعره.
رفض العقاد المذاهب الشمولية وحاربها لا نتهاكها الحرية الإنسانية مؤمنا أشد الإيمان بخصوصية الفرد وفرادة الكائن البشري كما رأى أن العظماء لازمون للتاريخ في صناعته كما أنصف من اعتقد أن ضيما لحق به من هنا كانت كتاباته الإسلامية عن عظماء الإسلام بدء بمحمد عليه السلام وخالد وأبي بكر وعثمان وعمر وعمرو بن العاص وانتهاء بعظماء العالم كبنيامين فرانكلين وصن يات صن وغاندي وشكسبير وجوته وغيرهم .
إنما تجدر الإشارة إلى المنهج الفريد الذي اتبعه فهو منهج لا يهتم بالسرد التاريخي النمطي بل منهج نفسي يغوص في أعماق المترجم له ويكتشف سره أو مفتاح الشخصية كما أسماه مستثمرا تلك الكتابات التاريخية عنه في إضاءة جوانب شخصيته ودهاليز نفسه
ناخلا تلك المعطيات التاريخية مميزا بين الحب والزؤان.
وحتى إنه إيمانا بقناعاته الفكرية نصب نفسه مدافعا عن قيم الإسلام مبينا وهجه السماوي وألقه الإنساني ضد حملات التشويه من قبل مثقفي الغرب ورعاة الإمبريالية في مؤلفات دقيقة مثل “حقائق الإسلام وأباطيل خصومه” “ما يقال عن الإسلام”…….
على أن أثمن قيمة للعقاد-رحمه الله- هي إعلاؤه من شان الفكر وهو صاحب كتاب “التفكير فريضة إسلامية ” ولقد صرح لأماني ناشد قبل وفاته بشهرين في الحديث التلفزيوني الشهير بترتيب أنيس منصور إجابة عن سؤالها ماذا أضاف للثقافة العربية نثرا وشعرا وفكرا؟ فكانت إجابته أنه أولا حطم الألقاب وجعل التفكير قيمة مستقلة عن اللقب فالعقاد حامل الشهادة الابتدائية ناطح جبابرة الفكر وألف أكثر من ثمانين كتابا وخاض معارك أدبية وفكرية مع كل رجال الثقافة الحديثة وما وهن منه عظم أو تعب منه ساعد حتى قال عنه لويس عوض “صورة العقاد عندي لا تختلف عن صورة هرقل الجبار الذي يسحق بهراوته الأفاعي والتنانين والمردة وكل قوى الشر في العالم”. إن هذا معناه أن الإنسان بجهده وكفاحه وإخلاصه يمكن أن يثقف نفسه وتكون له شخصية ثقافية دون الارتكاز على اللقب العلمي أو الاستناد إلى الشهادة الجامعية وليس معنى هذا بخس الجامعيين شهاداتهم وإنما التنديد بالاعتماد على اللقب وحده وجعله سلطة لا تطالها كلمة ولا يصلها نقد دون إضافة لميدان الفكر ولا دفاع عن حق مهضوم أو حرية غائبة إنما الاجترار والتيه على الناس باللقب والارتزاق منه في الصالونات والأحاديث التلفزيونية والإذاعية التي لا تعني شيئا كثيرا ونظرة على واقعنا المتأخر جدا والمتسم بالظلم والاستبداد والعبث بالمال العام والتخلف والنفاق والدجل والانتهازية ما ذا فعل حملة الشهادة لتغيير هذا الواقع فلو قاموا بدورهم التنويري والتثويري ما كنا في ذيل دول العالم من حيث الصناعة والنهضة والحداثة؟ وهذا لا بعني المس بنضال الكثيرين وبسالتهم وبلائهم الحسن في ميدان الكتاب والتنوير إنما الإشارة الضمنية إلى الحضيض الذي صرنا إليه بولوعنا بالشكل على حساب المضمون والتكالب على مائدة السلطة بشكل مريع.
إن مأساتنا تكمن في امتثال بعض المثقفين لأوامر السياسيين ومداهنتهم للجماهير وتحولهم إلى مرتزقة يجرون وراء ريع السلطة أو يتقون بطشها أو يكتفون باللقمبه والتواطؤ بالصمت غير المبرر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.