ترامب يصعّد تجاه كوبا | تهديدات عسكرية وعقوبات جديدة للضغط على النظام    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    الحصار الأمريكي يكبد إيران خسائر ب4.8 مليار دولار    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    مقتل 12 شخصًا بغارات إسرائيلية جنوب لبنان رغم الهدنة    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    كبيرة الديمقراطيين في الشيوخ الأمريكي: إعلان ترامب انتهاء الحرب "لا يعكس الواقع"    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    الخارجية الأمريكية: بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي إلى "شديد"    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    طلعت فهمي رئيسًا ل"التحالف الشعبي الاشتراكي" وحبشي وعبد الحافظ نائبين    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    وزير خارجية إيران: مغامرة نتنياهو كلفت واشنطن 100 مليار دولار حتى الآن    أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 1 مايو 2026    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دعد حداد شاعرة الصعلكة والأنوثة الشرسة
نشر في صوت البلد يوم 30 - 12 - 2017

الاحتفاء المتأخِّر بالشعراء الراحلين سمة واضحة في الثقافة العربية، ولعل مثل هذا النوع من الاحتفاء ينطوي على شعور مضمر بالذنب والحاجة إلى التكفير عنه، ويعبر عن اعترافٍ، مضمر كذلك، بأنَّ المحتفى به مات «شهيداً» شعرياً. وتجسد الشاعرة السورية دعد حداد ( 1937-1991) نموذجاً من نوع خاص لهذه الفكرة، فقد حظيت بشيء من هذا الاهتمام المتأخِّر إذ أصدرت وزارة الثقافة السورية آخر دواوينها بعد رحيلها بقليل، ثم أصدرت في وقت لاحق أعمالها الشعرية، بينما أصدرت دار التكوين حديثا أعمالها الشعرية تحت عنوان «أنا التي تبكي من شدَّة الشعر» متضمنةً دواوينها الثلاثة: «تصحيح خطأ الموت» و «كسرة خبز تكفيني» و «الشجرة التي تميل نحو الأرض» وقصائد أخرى متفرقة، وجميعها مؤرَّخة في عقد الثمانينات بينما نعرف من مقدمة الشاعر بندر عبد الحميد الذي كتب عنها أوَّل مقالة عام 1973، أن لها قصائد أخرى ومسرحيات شعرية تعود إلى عقد السبعينات، فيما يصفها الشاعر نزيه أبو عفش في تقديمه بأنها «تتفرد، بين جميع مَنْ عرفتُ من شعراء، بكتابة بريئة من آثار بصمات الآخرين وإنها امرأة بلا مصير».
وفي الدخول إلى مضامين شعرها، خاصة في بُعده النفسي، سنجدها مختلفة عن المضامين المعتادة في الشعر النسوي العربي، فهي مضامين أكثر تعقيداً واختلافاً، وتقترب بقدر أو بآخر من أجواء شاعرات مكتئبات في الأدب الأوربي والإنكليزي تحديداً: مثل آن سيكستون المتمزقة بين قلق لاهوتي ومرض عقلي، وعنف أسري وعنف مضاد ملتبس ومسكوت عنه، بيد أن الصور الأوضح ربما تلك تجمعها بسيليفا بلاث حيث الأجواء «الثلجية» التي تهيمن على شعرها: «ثلاثة أطفال/ يحفرون قبري في الثلج/ الوحدة والحزن والحرية» و «لا شيءَ أقوى من رائحة الموت في الربيع/ بعد الوحدة الطويلة/ في شتاء ثلجي.» وفي نبرة اعترافها العميق الذي كان بالنسبة إليها نوعاً من المأزق المستمر، وكذلك في الكآبة التي قادت بلاث للانتحار، بيد أن كآبة شاعرتنا لم تقدها إلى الانتحار الصريح ولكن إلى مصير لا يفترق عنه كثيراً. فقد واصلت الاختناق بالعيش الممزوج بالمرارة أو «العيش مر» كما تنحت منه مفردة قاسية. وتؤرخ دعد حداد لقصائدها لا في اليوم فقط وإنما بالساعات والدقائق! وأغلبها بل ربما جميعها تشير إلى زمن بين منتصف الليل وطلوع الفجر، فكأنها امرأة لا تنام. وكأنَّها تنام في الكتابة فنومها شعر أو لعلها تكتب من كوابيسه وأحلامه. هذا الهوس بالكتابة يذكَّر أيضاً بهوس بلاث: «في الثالثة صباحاً/ تأتي الوحوش الأرضية/ وتصلِّي معي».
لكن المرجح أن الأمر لا يتعلق بتأثير واعٍ مباشرة لأيٍّ من هذه الأسماء، فهي في مكانٍ آخر حقاً. ولعلها لم تطلَّعْ على أشعار قريناتها المكتئبات لكنَّ ما يجمعها مع أولاء الشاعرات هو زهو الأنوثة المقهور، وثيمة الاعتراف في القصيدة. إذ يبدو العالم كمصحَّة، والشعر رسالة من ذلك المكان الذي نعيش فيه ولا يمكن التعرف بسهولة على طبقاته المتموجة. لكننا نستطيع أن تقرأ في شعرها حياةً صريحة بيأسها وقلة حيلتها على رغم شراستها، لا حياتها الشخصية فحسب، إنما سِير المقهورين، والهامشيين، والموتى كذلك. نقرأ أيضاً أسى لأمومةٍ مهدورةٍ. هل هي مهدورة حقاً؟ فقد كانت تصور الطفولة كما لا تستطيع كثير من الأمهات البيولوجيات وصفه. وتستعير صورة مريم المفجوعة في قصيدة «العشاء الأخير» وتخلق شخصية ذات اسم معبِّر «يباب» لدمية أو طفلة متخيلة تحاورها باعترافات لافتة.
شعرها شعر الأنوثة الشرسة قبل أن تُميَّع تماماً في التبرج اللغوي المعتاد والتطرف في سرد ذكريات السرير. إنها تتحدث من عالم الأسرار، وليس من غرفة أو سرير. وشعرها أبعد ما يكون عن التبرَّج والميوعة. حتى أنها تستخدم أحياناً صوت المذكر، لذا فنحن إزاء شاعرة وليس مجرد أنثى، ولكن أي نوع من الشعر وأي صنف من الشاعرات؟ في شعرها صعلكة واضحة حتى كأنها الشاعرة العربية الوحيدة التي تخترق المركزية الذكورية للصعلكة كما نعرفها من قرون، فإذ نعرف الكثير من الشعراء الصعاليك في الشعر العربي، أو الذين ادعوا الصعلكة في الشعر الحديث، إلا أننا نادراً ما قرأنا لشاعرةٍ تجربةً في الصعلكة بهذا الوضوح، وفي شعر دعد حداد الكثير، ما ما يحيل تجربتها إلى هذا الإرث: الجوع مقابل الإيثار، والتشرد، والشراسة إزاء الظلم في العالم، مع حنوٍّ على الكائنات الضعيفة والهشة، والانشقاق والنبذ الاجتماعي المتبادل، الذي يقابله الخلع، وأجواء الحانات الرخيصة: «أنا جدولٌ هَرِم/ مقطع الأوصال/ أسقي الينابيع» كما أن ثوريتها غير ملفَّقة، ومع أنها جزء من «وهم» عام في مرحلتها، لكنها تبدو في تجربتها الشخصية حقيقية، بل من الأشياء الحقيقية القليلة في عالمها المقفر، والمقفل غالباً.
وهي تكتب حياتها القاسية، وحياتها الأكثر سلاماً ما بعد الموت، فكثيراً ما تبدو لنا متحدثة من ذلك المكان المظلم، ما وراء القبر وأحياناً أخرى من داخل ضجة الحياة نفسها: «أيَّتُها الحياةُ المتسعة/ أين جدرانك؟» واعترافها عادة ما يكون مصحوباً بالإدانة للآخر: «إنكم نبلاءُ أكثرَ من اللازم أيُّها البشر/ من خلال الزجاجِ الملوَّن/ وأنا ربما أكثرُ نبلاً/ من خلال الزجاج المحطَّم».
وإذا كان رياض صالح الحسين قد وجد بعد رحيله جيلاً من الورثة والمقلدين فلا وارثات لطريقة دعد حداد الشعرية من النساء، ولا حتى وصيفات لفنّها، لأن طريقتها صعبة وغير متاحة، «لا أحد يستطيع أن يسكن في قبري» ولأن «مهنتها الخطر» وتجربتها تنطوي على عمق وبساطة تجربة وجودية وحياتية بالغة الندرة لهذا جاء شعرها صافياً بمقدار احتدامه وارتباكه الفني أحياناً، وأليفاً بمقدار ما يحمله من مضامين شرسة. شعرها شعر الاعتراف الجريء، وليس الادعاء الملفَّق، وربما لهذا نرى انحسار البلاغة في شعرها، وأنها قليلة العناية الفنية بشعرها، لمصلحة هذا الصوت الداخلي، الذي لا يمكن أن يختزل بوصفها بوحاً رومانسياً كما لدى نازك، مثلاً، لكن عزلة دعد هنا صريحة وسط ضجيج البشر والضيق بكل هذه السعة التي تتحرك فيها: «ها هي تذاكرُ السفر/ ارحلوا جميعاً/ واتركوني في داري» «وتولد دعد/على مقعد في حديقة/ وتستقبلُ أعوامَها/ وتبكي على الراحلين/ وتفرحُ أنَّ القصيدةَ عادتْ إلى حزنها/ وتبكي على حضنِها/ وتبكي على مَقعدٍ في الحديقة».
لم تذهب دعد حداد باعترافها إلى كاهن أو معبد، ولم تستلق على سرير في العيادة النفسية، لقد جعلت الشعر، هو الفضاء والمأزق: «أنا ابنة الشيطان/ أنا ابنة هذه الليلة المجنونة/ أنا من تحمل الزهور إلى قبرها/ وتبكي من شدَّةِ الشِعر/ أعلى حياتي تُبنى القصور/ وهذي الوسائدُ للوصيفات/ وتلك أحجاري المسروقة/ وسكاكيني يُجفلُ منها/ ومن عيوني يهطلُ المطر/ والعالم داري/ أغمضوا أعينكم/ سأمرّ وحيدة/ كحدِّ الرمح» ومثل هذا الزهو المنكسر ليس مألوفاً كثيراً في شعر امرأة. ومن هنا فأي محاولة للاستحواذ على شيء من إرث المرأة الوحيدة سيبدو نوعاً من الكوميديا، فهذه الفكرة ليست كوميديا قابلة للاستنساخ لكنها تراجيديا دونها «العيش المر» إنها سيرة المرأة الوحيدة الضاجة التي تنتعش في وحدتها والمزدحمة في وحشتها: «أيُّها الدربُ الْمُوحشُ!/يا دربَ الحبِّ!/سأعدُّ خطواتي/فالوحدةُ علَّمتْني العدَّ».
شعر دعد حداد تنويعات على الموت والوحدة والألم في تدرجات مضادة للاستسلام، فمن الكوني المعتم في ديوانها الأول «تصحيح خطأ الموت» إلى اليومي المتلبس بالحيرة والغرابة في «كسرة خبز تكفيني» لا يفارقها الألم، الألم الشخصي الذي جعلت منه علامة فارقة حيث القصيدة قصيرة ومكتفية بذاتها إلى حد بعيد، وصولاً إلى المونولوغ المتقطع ومحاورة الموت والفناء وتخوم النهايات في «الشجرة التي تميل نحو الأرض» وتجمع قصيدتها بين شكل الأبيغراما، وروح قصيدة النثر، على رغم أن أكثر شعرها مكتوب بالوزن، حيث الكثافة والإيجاز، والبناء المتقشف، متواشجة مع الإيقاع الداخلي، والاقتصاد بالحجم، والدهشة والمفارقة إلى جانب السخرية والحزن والرثاء. في مزيج من البساطة والبراعة، لكنها براعة غريزية وليست ذهنية.
مع دعد حداد نحن إزاء شعر منفلت من التوصيف الجنساني التقليدي للأدب، وفي صميم المأزق الجندري، شعر معبر عن إخلاص الضحية لمصيرها بمقدار احتجاجها. وهو نموذج ليس متوفِّراً في كل عصر، ولعله أكثر انحساراً لدى الشاعرات. فدعد حداد لم تكتب عن العالم من الخارج، ولم تتأمله من بعد، على رغم قسوته بل اخترقته بشراسة ومرقتْ فيه وخبرته تماماً، لذا فإن شعرها شهادة في هذا العالم وليس عنه.
الاحتفاء المتأخِّر بالشعراء الراحلين سمة واضحة في الثقافة العربية، ولعل مثل هذا النوع من الاحتفاء ينطوي على شعور مضمر بالذنب والحاجة إلى التكفير عنه، ويعبر عن اعترافٍ، مضمر كذلك، بأنَّ المحتفى به مات «شهيداً» شعرياً. وتجسد الشاعرة السورية دعد حداد ( 1937-1991) نموذجاً من نوع خاص لهذه الفكرة، فقد حظيت بشيء من هذا الاهتمام المتأخِّر إذ أصدرت وزارة الثقافة السورية آخر دواوينها بعد رحيلها بقليل، ثم أصدرت في وقت لاحق أعمالها الشعرية، بينما أصدرت دار التكوين حديثا أعمالها الشعرية تحت عنوان «أنا التي تبكي من شدَّة الشعر» متضمنةً دواوينها الثلاثة: «تصحيح خطأ الموت» و «كسرة خبز تكفيني» و «الشجرة التي تميل نحو الأرض» وقصائد أخرى متفرقة، وجميعها مؤرَّخة في عقد الثمانينات بينما نعرف من مقدمة الشاعر بندر عبد الحميد الذي كتب عنها أوَّل مقالة عام 1973، أن لها قصائد أخرى ومسرحيات شعرية تعود إلى عقد السبعينات، فيما يصفها الشاعر نزيه أبو عفش في تقديمه بأنها «تتفرد، بين جميع مَنْ عرفتُ من شعراء، بكتابة بريئة من آثار بصمات الآخرين وإنها امرأة بلا مصير».
وفي الدخول إلى مضامين شعرها، خاصة في بُعده النفسي، سنجدها مختلفة عن المضامين المعتادة في الشعر النسوي العربي، فهي مضامين أكثر تعقيداً واختلافاً، وتقترب بقدر أو بآخر من أجواء شاعرات مكتئبات في الأدب الأوربي والإنكليزي تحديداً: مثل آن سيكستون المتمزقة بين قلق لاهوتي ومرض عقلي، وعنف أسري وعنف مضاد ملتبس ومسكوت عنه، بيد أن الصور الأوضح ربما تلك تجمعها بسيليفا بلاث حيث الأجواء «الثلجية» التي تهيمن على شعرها: «ثلاثة أطفال/ يحفرون قبري في الثلج/ الوحدة والحزن والحرية» و «لا شيءَ أقوى من رائحة الموت في الربيع/ بعد الوحدة الطويلة/ في شتاء ثلجي.» وفي نبرة اعترافها العميق الذي كان بالنسبة إليها نوعاً من المأزق المستمر، وكذلك في الكآبة التي قادت بلاث للانتحار، بيد أن كآبة شاعرتنا لم تقدها إلى الانتحار الصريح ولكن إلى مصير لا يفترق عنه كثيراً. فقد واصلت الاختناق بالعيش الممزوج بالمرارة أو «العيش مر» كما تنحت منه مفردة قاسية. وتؤرخ دعد حداد لقصائدها لا في اليوم فقط وإنما بالساعات والدقائق! وأغلبها بل ربما جميعها تشير إلى زمن بين منتصف الليل وطلوع الفجر، فكأنها امرأة لا تنام. وكأنَّها تنام في الكتابة فنومها شعر أو لعلها تكتب من كوابيسه وأحلامه. هذا الهوس بالكتابة يذكَّر أيضاً بهوس بلاث: «في الثالثة صباحاً/ تأتي الوحوش الأرضية/ وتصلِّي معي».
لكن المرجح أن الأمر لا يتعلق بتأثير واعٍ مباشرة لأيٍّ من هذه الأسماء، فهي في مكانٍ آخر حقاً. ولعلها لم تطلَّعْ على أشعار قريناتها المكتئبات لكنَّ ما يجمعها مع أولاء الشاعرات هو زهو الأنوثة المقهور، وثيمة الاعتراف في القصيدة. إذ يبدو العالم كمصحَّة، والشعر رسالة من ذلك المكان الذي نعيش فيه ولا يمكن التعرف بسهولة على طبقاته المتموجة. لكننا نستطيع أن تقرأ في شعرها حياةً صريحة بيأسها وقلة حيلتها على رغم شراستها، لا حياتها الشخصية فحسب، إنما سِير المقهورين، والهامشيين، والموتى كذلك. نقرأ أيضاً أسى لأمومةٍ مهدورةٍ. هل هي مهدورة حقاً؟ فقد كانت تصور الطفولة كما لا تستطيع كثير من الأمهات البيولوجيات وصفه. وتستعير صورة مريم المفجوعة في قصيدة «العشاء الأخير» وتخلق شخصية ذات اسم معبِّر «يباب» لدمية أو طفلة متخيلة تحاورها باعترافات لافتة.
شعرها شعر الأنوثة الشرسة قبل أن تُميَّع تماماً في التبرج اللغوي المعتاد والتطرف في سرد ذكريات السرير. إنها تتحدث من عالم الأسرار، وليس من غرفة أو سرير. وشعرها أبعد ما يكون عن التبرَّج والميوعة. حتى أنها تستخدم أحياناً صوت المذكر، لذا فنحن إزاء شاعرة وليس مجرد أنثى، ولكن أي نوع من الشعر وأي صنف من الشاعرات؟ في شعرها صعلكة واضحة حتى كأنها الشاعرة العربية الوحيدة التي تخترق المركزية الذكورية للصعلكة كما نعرفها من قرون، فإذ نعرف الكثير من الشعراء الصعاليك في الشعر العربي، أو الذين ادعوا الصعلكة في الشعر الحديث، إلا أننا نادراً ما قرأنا لشاعرةٍ تجربةً في الصعلكة بهذا الوضوح، وفي شعر دعد حداد الكثير، ما ما يحيل تجربتها إلى هذا الإرث: الجوع مقابل الإيثار، والتشرد، والشراسة إزاء الظلم في العالم، مع حنوٍّ على الكائنات الضعيفة والهشة، والانشقاق والنبذ الاجتماعي المتبادل، الذي يقابله الخلع، وأجواء الحانات الرخيصة: «أنا جدولٌ هَرِم/ مقطع الأوصال/ أسقي الينابيع» كما أن ثوريتها غير ملفَّقة، ومع أنها جزء من «وهم» عام في مرحلتها، لكنها تبدو في تجربتها الشخصية حقيقية، بل من الأشياء الحقيقية القليلة في عالمها المقفر، والمقفل غالباً.
وهي تكتب حياتها القاسية، وحياتها الأكثر سلاماً ما بعد الموت، فكثيراً ما تبدو لنا متحدثة من ذلك المكان المظلم، ما وراء القبر وأحياناً أخرى من داخل ضجة الحياة نفسها: «أيَّتُها الحياةُ المتسعة/ أين جدرانك؟» واعترافها عادة ما يكون مصحوباً بالإدانة للآخر: «إنكم نبلاءُ أكثرَ من اللازم أيُّها البشر/ من خلال الزجاجِ الملوَّن/ وأنا ربما أكثرُ نبلاً/ من خلال الزجاج المحطَّم».
وإذا كان رياض صالح الحسين قد وجد بعد رحيله جيلاً من الورثة والمقلدين فلا وارثات لطريقة دعد حداد الشعرية من النساء، ولا حتى وصيفات لفنّها، لأن طريقتها صعبة وغير متاحة، «لا أحد يستطيع أن يسكن في قبري» ولأن «مهنتها الخطر» وتجربتها تنطوي على عمق وبساطة تجربة وجودية وحياتية بالغة الندرة لهذا جاء شعرها صافياً بمقدار احتدامه وارتباكه الفني أحياناً، وأليفاً بمقدار ما يحمله من مضامين شرسة. شعرها شعر الاعتراف الجريء، وليس الادعاء الملفَّق، وربما لهذا نرى انحسار البلاغة في شعرها، وأنها قليلة العناية الفنية بشعرها، لمصلحة هذا الصوت الداخلي، الذي لا يمكن أن يختزل بوصفها بوحاً رومانسياً كما لدى نازك، مثلاً، لكن عزلة دعد هنا صريحة وسط ضجيج البشر والضيق بكل هذه السعة التي تتحرك فيها: «ها هي تذاكرُ السفر/ ارحلوا جميعاً/ واتركوني في داري» «وتولد دعد/على مقعد في حديقة/ وتستقبلُ أعوامَها/ وتبكي على الراحلين/ وتفرحُ أنَّ القصيدةَ عادتْ إلى حزنها/ وتبكي على حضنِها/ وتبكي على مَقعدٍ في الحديقة».
لم تذهب دعد حداد باعترافها إلى كاهن أو معبد، ولم تستلق على سرير في العيادة النفسية، لقد جعلت الشعر، هو الفضاء والمأزق: «أنا ابنة الشيطان/ أنا ابنة هذه الليلة المجنونة/ أنا من تحمل الزهور إلى قبرها/ وتبكي من شدَّةِ الشِعر/ أعلى حياتي تُبنى القصور/ وهذي الوسائدُ للوصيفات/ وتلك أحجاري المسروقة/ وسكاكيني يُجفلُ منها/ ومن عيوني يهطلُ المطر/ والعالم داري/ أغمضوا أعينكم/ سأمرّ وحيدة/ كحدِّ الرمح» ومثل هذا الزهو المنكسر ليس مألوفاً كثيراً في شعر امرأة. ومن هنا فأي محاولة للاستحواذ على شيء من إرث المرأة الوحيدة سيبدو نوعاً من الكوميديا، فهذه الفكرة ليست كوميديا قابلة للاستنساخ لكنها تراجيديا دونها «العيش المر» إنها سيرة المرأة الوحيدة الضاجة التي تنتعش في وحدتها والمزدحمة في وحشتها: «أيُّها الدربُ الْمُوحشُ!/يا دربَ الحبِّ!/سأعدُّ خطواتي/فالوحدةُ علَّمتْني العدَّ».
شعر دعد حداد تنويعات على الموت والوحدة والألم في تدرجات مضادة للاستسلام، فمن الكوني المعتم في ديوانها الأول «تصحيح خطأ الموت» إلى اليومي المتلبس بالحيرة والغرابة في «كسرة خبز تكفيني» لا يفارقها الألم، الألم الشخصي الذي جعلت منه علامة فارقة حيث القصيدة قصيرة ومكتفية بذاتها إلى حد بعيد، وصولاً إلى المونولوغ المتقطع ومحاورة الموت والفناء وتخوم النهايات في «الشجرة التي تميل نحو الأرض» وتجمع قصيدتها بين شكل الأبيغراما، وروح قصيدة النثر، على رغم أن أكثر شعرها مكتوب بالوزن، حيث الكثافة والإيجاز، والبناء المتقشف، متواشجة مع الإيقاع الداخلي، والاقتصاد بالحجم، والدهشة والمفارقة إلى جانب السخرية والحزن والرثاء. في مزيج من البساطة والبراعة، لكنها براعة غريزية وليست ذهنية.
مع دعد حداد نحن إزاء شعر منفلت من التوصيف الجنساني التقليدي للأدب، وفي صميم المأزق الجندري، شعر معبر عن إخلاص الضحية لمصيرها بمقدار احتجاجها. وهو نموذج ليس متوفِّراً في كل عصر، ولعله أكثر انحساراً لدى الشاعرات. فدعد حداد لم تكتب عن العالم من الخارج، ولم تتأمله من بعد، على رغم قسوته بل اخترقته بشراسة ومرقتْ فيه وخبرته تماماً، لذا فإن شعرها شهادة في هذا العالم وليس عنه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.